نشر إيران ريفيو تحليلا لأستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشؤون الروسية، رضا نوري، حول “الأهداف الإقليمية والدولية للتواجد العسكري الروسي في إيران”، خلُصَ إلى أن هذه الخطوة تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتتعلق بالتطورات الإقليمية والدولية الأوسع نطاقًا:

– تسليط عدسة مكبرة على فشل سياسة الغرب في الشرق الأوسط، وتعزيز أوراق المساومة:

من وجهة نظر الدول الغربية، أحد الآليات الفعالة لإضعاف روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين هو: تسليط العدسة المكبرة على فشل خطط السياسة الخارجية الروسية وتضخيم هذه الإخفاقات.

باستخدام هذا المنطق ذاته، وفي محاولةٍ لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الروسية، وأيضا إثبات فشل السياسة الغربية وإسقاط هيمنتها؛ يحاول الكرملين تعزيز مكانته المحلية وشرعيته في جانب، وفي الوقت ذاته يعزز موقف روسيا عالميًا وتعزيز قدرتها على المساومة والحصول على المزيد من التنازلات من الغرب من ناحية أخرى.

للقيام بذلك، تُعَمِّق روسيا تفاعلها العسكري مع إيران كقوة معادية للهيمنة الغربية في الشرق الأوسط، لتحقيق هدف مزدوج: أن تُعَزِّز أوراقها الخارجية، وتُظهِر للغرب أنها تمتلك خيارات مختلفة لتعزيز أهدافها.

ومن الواضح أن التفاعل مع إيران ليس الورقة الروسية الرابحة الوحيدة، لكن امتلاك المزيد من الأدوات والخيارات رهن تصرفها، بموازاة وجود انقسامات واضحة في أوساط المعسكر الغربي وحلفائها في المنطقة بما يعوق تحقيق أهدافهم، سيكون ميزة جيدة جدًا بالنسبة لروسيا.

– خلق توازن جيوسياسيّ، وتعزيز استراتيجية تحويل روسيا إلى “قوة كبيرة”:

في لعبة الشرق الأوسط الجيوسياسية الصفريّة، أي شكل من أشكال التوسع الجيوسياسي الروسي يعني: درجة متساوية من الانكماش الجيوسياسي الغربي. انطلاقًا من هذه الرؤية، يحظى التفاعل العسكري مع إيران المناهضة للغرب بأهمية خاصة بالنسبة لموسكو من ناحية التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط؛ لأن التواجد العسكري الروسي في إيران سوف يعني تطوير المزيد من الفرص العسكرية وتوسيع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة. كما أن تعميق التفاعل مع إيران سوف يلعب دورا في تنشيط المنطقة العازلة على طول الحدود الجنوبية الروسية في مواجهة الاعتداءات الجيوسياسية الغربية.

– خوض تجربة جديدة لبناء تحالف إقليمي خارج رابطة الدول المستقلة  CIS

أحد أهم نواحي الضعف الروسية في مجال السياسة الخارجية هو: افتقارها إلى القدرة على بناء تحالفات. صحيحٌ أن موسكو كثفت جهودها خلال السنوات الأخيرة ضمن أُطُر عبر إقليمية، مثل: منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)؛ للتعويض عن هذا الضعف، بيدَ أن إنجازاتها كانت قليلة، كما أن فوائد هذه الأُطُر لا يمكن مقارنتها بالمزايا التي يحصل عليها منافسو موسكو الغربيين من خلال تحالفاتهم الإقليمية.

ورغم أن زيادة التفاعلات الإقليمية لروسيا مع إيران وسوريا والعراق لا يمكن اعتبارها “تحالفًا” أو “محورًا” حقيقيًا، فحتى هذا المستوى من التعاون يمكن أن يمثل تجربة جديدة لموسكو لإيجاد حلفاء جُدُد في المنطقة. وإذا استمرت هذه العلاقات في اتجاهها التصاعديّ، واقتربت دول أخرى، مثل: تركيا والعراق، أكثر من مواقف روسيا- كما تتوقع موسكو- ربما تزيد احتمالية تشكيل محور أساسه روسيا، رغم وجود العديد من العوائق في هذا الصدد.

وتأمل موسكو أن نجاحها في هذا التعاون سيجعلها قادرة على جذب ثقة الدول الإقليمية الأخرى، بل حتى الدول الواقعة خارج الشرق الأوسط، وضمها إلى محورها، أو على الأقل إخراج بعض حلفاء الدول الغربية عن مدارها.

– استعراض القوة وممارسة التدريب العسكري.

على الرغم من أن روسيا حققت نجاحا نسبيا في إنتاج معدات عسكرية جديدة، وتتمتع بقدرات عسكرية ملحوظة، إلا أنها تعاني من نقاط ضعفٍ واضحة مقارنة بمنافسيها الغربيين فيما يتعلق بالتدريبات العسكرية العملية، وفي مواجهة ظروف الحرب الحقيقية.

خلال السنوات الأخيرة، اختبرت الدول الغربية استعدادها العسكري وقدراتها في مجال إدارة الحرب، فضلا عن معداتها العسكرية وأفرادها، وعززت كفاءتها في ساحات مختلفة مثل دول يوغوسلافيا السابقة، وأفغانستان، والعراق، وليبيا.

ووفقا للمنطق ذاته، تحاول روسيا الآن الاستفادة من الفرصة التي أتاحتها الأزمة في سوريا وصعود داعش من أجل اختبار أسلحتها الجديدة، وتعزيز جاهزية أفرادها العسكريين وتعزيز مهاراتها العسكرية.

بموازاة هذا، يتيح الانتشار العسكري في إيران لروسيا مواجهة ظروف أكثر تعقيدا، سواء من حيث إدارة عملية كبيرة، أو من الناحية اللوجستية؛ من أجل اختبار قدرات موسكو في ساحة أكثر واقعية. وبالإضافة إلى تقييم قدراتها العسكرية، مُنِحَت روسيا فرصة لإظهار معداتها العسكرية وتمهيد الطريق أمام بيعها لعملاء جدد.

أخيرًا وليس آخرًا، جاء تشديد المسئولين في طهران على أن التصريح الممنوح لروسيا لاستخدام قاعدة همدان الجوية يقتصر فقط على مسألة سوريا؛ ليثبت هذا الحذر، ويعكس كذلك وعيهم بالجوانب الإقليمية والدولية للأهداف التي تسعى روسيا تحقيقها.

كما تدرك طهران أهداف روسيا واسعة النطاق على المستوى الدولي، وطموحاتها في الشرق الأوسط، واستعدادها للتوصل إلى “صفقة كبرى” مع الغرب؛ وبالتالي تنظر إلى التفاعل العسكري مع موسكو في هذه المرحلة باعتباره “تكتيكًا”، يمكن تطويره أكثر، فقط إذا كان يلبي مصلحة الجانبين. وبالطبع، تدرك موسكو أيضًا حقيقة أن طهران لن تتحوَّل إلى مجرد أداة لتعزيز أهدافها الإقليمية.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …