الرئيسة في العمق التفاحة المسمومة.. لعنة وسائل الإعلام الاجتماعي في الخليج

التفاحة المسمومة.. لعنة وسائل الإعلام الاجتماعي في الخليج

1 second read
0

ترجمة: علاء البشبيشي 

شهد العالم العربي خلال العقد الماضي إقبالًا واسعًا على وسائل الإعلام الاجتماعي، خاصة في دول الخليج، التي سجل مواطنوها أعلى معدلات متابعة في الشرق الأوسط، حيث يستخدم ما يربو على 80% منصةَ إعلامية اجتماعية واحدة على الأقل، وإن كانت كافة المنصات تتمتع بشعبيةٍ، سواء فيسبوك أو تويتر أو إنستجرام أو يوتيوب، بوتيرة تتفاوت بين دولة وأخرى. 

السيطرة المُقَنَّعة 

لكن خلافا للاعتقاد الشائع، لا تعتبر زيادة معدلات المتابعة، والاحتضان الحماسي لوسائل الإعلام الاجتماعي في دول الخليج، خطوة نحو التغيير السياسي والاجتماعي. بل في الواقع، تُطعِم دول الخليج مواطنيها هذه التفاحة المسمومة، وتُخفي أساليب السيطرة والرقابة- التي لا تزال تمارسها على وسائل الإعلام الاجتماعي- تحت إغراء استخدامها من أجل التغيير. 

كما أن الإصدار المستمر للقوانين القمعية، وأساليب التخويف التي تستخدمها دول الخليج، تجرِّد مواطنيها من حرية التعبير، وتخلق رقابة ذاتية لدى مستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعي. في الوقت ذاته، ترتدي الحكومات ثوب البراءة، وتزعم أنها تدعم استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي من خلال استخدام مختلف المنصات، وتشجيع قدراتها في عالم الأعمال. 

وفي ظل أنظمة الخليج الاستبدادية، يعتبر انتقاد الحكومة أو العائلة المالكة أو الإسلام عبر وسائل الإعلام الاجتماعي تجاوزا للحدود ويعاقب عليه القانون. ومنذ فترة طويلة تراجع دور الإعلام الاجتماعي في المنطقة عن عرض أفكار التغيير الثورية، وخلق وعي جماعي لدى المواطنين. 

عقوبات تبني حواجز 

وكما ظهر في الثورة البحرينية أوائل عام 2011، كان رد الفعل الناتج عن القوانين السيبرانية الصارمة التي سنها النظام أكثر قوة وتشجيعا من نشر رسائل التحريض على الثورة والتغيير. وردا على الثورات والاحتجاجات، استخدمت الحكومة وسائل الاعلام الاجتماعي، لا سيما فيسبوك وتويتر، لتعقب النشطاء وحتى تشجيع المواطنين البحرينيين الآخرين على الإبلاغ عنهم، ما أدى إلى “اعتقالات جماعية، واحتجاز، وتعذيب، ومحاكمات عسكرية، وأحكام قاسية بالسجن”. 

وللأسف، هذا النوع من الإجراءات التي تتخذها الدولة لا يقتصر على البحرين. وثمة دول خليجية أخرى تفرض عقوبات على منشورات وسائل الإعلام الاجتماعي، مثلما حدث في أكتوبر 2012 حين اعتقل راشد صالح العنزي (26 عاما) في الكويت، بزعم نشر تغريدات اعتبرت مسيئة للأمير، والحكم على شاعر بالسجن مدى الحياة في قطر لنشره قصيدة عن الربيع العربي، وحبس ثلاثة محامين بارزين لنشرهم انتقادات لوزارة العدل السعودية على وسائل الإعلام الاجتماعي.  

هذه الرقابة والعقوبات التي تُمارَس على وسائل الإعلام الاجتماعي تفرض حاجزا على الحركات الاجتماعية والسياسية التي لا يمكن البقاء على قيد الحياة في ظل حظر حرية التعبير. 

استخدام حكومي 

أكثر من ذلك، ارتفعت وتيرة استخدام حكومات الخليج لوسائل الإعلام الاجتماعي في السنوات القليلة الماضية: 

– في البحرين؛ يستخدم 50% من وزارات الحكومة أحد أشكال وسائل الإعلام الاجتماعي.  

– وفي السعودية؛ ترتفع النسبة إلى 55% من الوزارات.  

– وفي الكويت، تصل النسبة إلى 61٪. 

– وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تبلغ 67%.  

هذه الزيادة في استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي تسمح للأنظمة الخليجية بترويج واجهة إيجابية لنفسها أمام الجمهور، تبدو كما لو كانت تقدمية وتعاونية مع مستخدمي الانترنت. 

قمم للتشتيت والتمويه 

إلى جانب هذا الاستخدام المتزايد من قبل حكومات الدول الخليجية، عقدت بعض الدول مجموعة متنوعة من القمم حول وسائل الإعلام الاجتماعي:  

– قمة الكويت لـ وسائل الإعلام الاجتماعي، في عام 2014.  

– منتدى دبي لـ رواد التواصل الاجتماعي العرب، في مارس 2015.  

– قمة الدوحة – جيوفاني للإعلام الموجه للشباب، في يوليو 2015.  

وفي حين تبدو هذه الفعاليات تجسد رغبة الدول في “استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي لتحقيق ما يُسمى بـ تمكين المواطنين، وإطلاق حملات التوعية، وخدمة المشاريع الجديدة”، تبقى الحقيقة أن هذه الجهود تسعى لتحويل استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي بعيدا عن التعبئة السياسية، وإخفاء القيود الحكومية الصارمة على هذه الوسائل.  

والجمع بين هذه التكتيكات يسمح لدول الخليج بخلق صورة سطحية، تواكب تماما دوافعهم الكامنة.  

السمّ الكامن 

صحيحٌ أن زيادة متابعة وسائل الإعلام الاجتماعي في منطقة الخليج قد تعني بعض التقدم لمواطني هذه الدول، إلا أن المدى الذي تصل إليه في تمكين المواطنين يقل بكثير عن استخدام الدولة للأدوات ذاتها في مراقبة المواطنين.  

وطالما استمرت حكومات الخليج في التوعُّد الصامت لمستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعي، وتهديدهم بالعقاب، لا يمكن أن تشهد دول الخليج أي تغيير اجتماعي وسياسي حقيقي في أي وقت قريب. وما صعود وسائل الاعلام الاجتماعي إلا عصيرُ تفاحٍ أحمر مليئ بالسم: مُغْرٍ وجذّاب من الخارج، لكن الخطورة والتهديد تكمن في داخله. 


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف يؤثر التحول الرقمي على المستهلك السعودي؟

المستهلك الرقمي في المملكة العربية السعودية. التجارة الإلكترونية.. من التبني إلى التسار…