ترجمة: علاء البشبيشي

كلما شن الإرهابيون هجمة وحشية ضد المواطنين في الغرب- وهو القيد المختار بعناية- يسارع كتاب الافتتاحيات والمعلقون السياسيون إلى تقديم المعادل الإحصائي لدواء ألكا سيلتزر: تناول قرصين من حبوب الرضا، وبحلول الصباح ستكون قد نسيت كل ما كان يصيبك بالإحباط في المقام الأول. 

كلنا على دراية بهذه المهدئات الإحصائية: 

مثلا: “هناك حوالي 2.25 مليون شخص في باريس. هذا يعني أنك إذا كنت متواجدًا في باريس وقت وقوع الهجمات الأخيرة؛ فهناك فرصة تقارب واحد إلى 20000 لأن تكون الضحية- وهي النسبة ذاتها لاحتمالية تعرضك للقتل جراء حادث سيارة في فرنسا”. 

أو: “بلغ المعدل السنوي لجرائم القتل في باريس مؤخرًا 2.6 لكل 100000 شخص؛ وبالتالي فإن الهجمات الإرهابية هذا العام أصبحت أكثر من ضعف متوسط معدلات جرائم القتل. لكن هذا لا يجعل باريس أكثر خطورة من نيويورك، التي تعتبر بشكل عام مدينة آمنة جدًا. ومن ثمَّ، في حين قد يكون الإرهاب جعل الحياة في فرنسا أكثر خطورة، بيدَ أننا نتسامح مع مثيل هذا المستوى الجديد من الخطر في الولايات المتحدة”.

أو: “تشهد الولايات المتحدة إطلاق نار جماعي واحد في المتوسط يوميًا. وهكذا فإن حوادث القتل في سان برناردينو- كاليفورنيا لم تكن سوى يوم عادي آخر في أمريكا”.

وربما أيضًا سمعتَ ما يلي: “احتمالية أن يصاب الأمريكي العادي بصاعقة أكبر من احتمالية مقتله على أيدي الإرهابيين. ففي أمريكا، يموت 30 ألف شخص سنويًا جراء حوادث سقوط عرضيّة، ويلقى 35 ألف شخص حتفهم في حوادث سيارات، ويلحقهم 39 ألفًا آخرين بالتسمم وجرعات زائدة من المخدرات. بهذه المقاييس، يتضح أن الوفيات الناجمة عن الإرهاب- بما في ذلك ضحايا 11 سبتمبر- تافهة عمليًا”.

وهكذا تخلُص هذه الإحصائيات إلى أنه مهما كان طبيعيًا أن يكون رد فعلك مذعورًا حيال الإرهاب، إلا أنَّ هذا الرعب غير منطقي في الواقع. علاوة على ذلك، يترافق هذا الاستنتاج عادة مع نتيجة أخرى، مفادها أن: مثل هذه الاستجابات المفرطة، وغيرالعقلانية، تغذي الإرهاب، وتمنح المتطرفين العنيفين ما يريدونه بالضبط. فبعد كل شيء، ألا يحاولون إخافتنا؟ أليس هذا هو جوهر الإرهاب؟

لكن المشكلة في هذه الحجة الإحصائية هي أنها تنطوي على بيانات مُحَرَّفة: 

في المقام الأول، لا تهدف ضربات البرق، ولا زلات الأقدام، ولا السقوط العرضيّ، إلى تدمير شرعية نظامنا الحكومي، وفصلنا عن حلفائنا، وعزلنا عن السكان المعرضين للخطر. ولم تكن الوفيات الناجمة عن حوادث السيارات أعلى إلا عندما كان التهديد التي واجهناها من الإرهاب أقل. 

ثانيًا، لا يرجح أن ترتفع الوفيات الناجمة عن الحساسية من الفول السوداني والغرق في المغاطس بشكل دراماتيكيّ، في حين أن احتمالية حصول الإرهابيين على أسلحة أكثر فتكًا مما يمتلكونه الآن ليست بأي حال ضربًا من الخيال. 

ما الذي يجعل هذا الأمر مهما؟ ما هو الضرر الذي قد يسببه القليل من الطمأنينة؟ 

نتفق جميعًا على أن الهلع يمكن أن يدفعنا إلى الإضرار بأنفسنا ومؤسساتنا. لكن المشكلة، برغم أجراس الإنذار التي قرعها مجتمع الحريات المدنية، هي عدم وجود أدلة كثيرة على أننا مذعورين حدّ الهلع. والسبب وراء ذلك في الواقع هو أن الحد الذي وصلت إليه عمليات القتل، في الغرب، كان طفيفًا للغاية. 

لكني أود عكس الاستنتاج المبني على هذه الحقيقة: لأننا نعيش فترة من الهدوء النسبي، ينبغي علينا استخدام هذا الوقت لصياغة قوانين وممارسات، والاعتياد على روتينات، وتخزين لقاحات، لإعادة تقييم بروتوكولات استجاباتنا لحالات الطوارئ بعناية، حتى لا يصبح رد فعلنا مغلفا بالذعر حينما نتعرض لهجمات أكثر فتكًا. 

أما المهدئات الإحصائية فلها تأثير معاكس: إنها تضعفنا بإخبارنا بأنه لا شيء يدعو للقلق، وأن أي إجراء قد نتخذه في الواقع لن يزيد الأمور إلا سوءًا؛ لأنَّه سيمثل مكافأة للإرهابيين الذين نجحوا في إفقادنا توازننا. 

وغالبا ما يواكب هذه الحيل البلاغية، ألاعيب أخرى مشابهة، تتمثل في تلميحاتٍ قبيحةٍ مفادها: أن الدافع الوحيد لقرع ناقوس الخطر ضد الإرهاب- طالما أنه ضئيل جدا- لابد وأن يكون رغبةً مكنونة لدى السياسيين لخدمة مصالحهم الذاتية وتضخيم سلطتهم الشخصية. 

لذلك ليس من المستغرب حقًا- رغم أنه تصرف مشين- أن تنشر صحيفة نيويورك تايمز الفقرة التالية ضمن مقال رأي، هو بمثابة مضاد للاكتئاب يرتدي ثوبًا إحصائيًّا مبتذلا: 

“قد يتساءل الشخص الساخر عن المستفيد الأكبر من الهلع الناجم عن الإرهاب: هل هم الإرهابيون أنفسهم، أم السياسيون والحكومات الذين يستغلون رد فعل الجمهور على أعمال الإرهاب لتحقيق مكاسب سياسية؟… حيث رد جون ماكين على تصريحات الرئيس بشأن حادث إطلاق النار في سان برناردينو قائلا: “إنها حرب هذا العصر”.. وأعلن جيب بوش أننا “في حالة حرب مع تنظيم الدولة”… وقال هيرمان غورينغ: “علينا أن نأخذ حذرنا من أولئك الذين يسعون للتلاعب بنا- أيا كانوا”.

بدلا من تشويه سمعة سياسيينا- وأنا ديمقراطيّ بالمناسبة- ألن يكون أكثر حكمة أن نبدأ بتناول الأسئلة التالية: هل نحن حقا في حالة حرب على الصلاحيات؟ هل من غير المعقول حقًا أن تتحول الحرب، في عصرنا، من: صراعات تقليدية على نطاق واسع يخوضها المجندون، مثلما كان شائعا في القرن العشرين إلى: هجمات أكثر تنوعًا مكانيًا، ومرحلية زمانيًا؟ أو أليس الإرهاب، في الوقت ذاته، يتطور بعيدا عن صراعات التحرر الوطني التي تعود إلى القرن الفائت، ويرتدي ثوبًا عالميًا فتاكًا لطالما كان حكرًا على الدول القومية؟ 

قد يتطلب هذا قدرا أكبر من التفكير، ومزيدًا من الجدل الطويل، لكن إذا كان صحيحًا؛ فإن الإحصائيات التي تهدف إلى التقليل من حجم المشكلة تصبح في الواقع غير ذي صلة.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …