في العمق أمبيكا فيشواناث: حروب المياه التي يشنها تنظيم “الدولة” لـ العالم بالعربية منشور في 6 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشيليس جديدًا أن يستخدم تنظيم “الدولة” الموارد الطبيعية لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. حيث يلعب النفط، أحد أكبر مصادر تمويل التنظيم، دورا هاما في حساباته. وهو الأمر الذي بدأت الدول التي تقاتل “الدولة” تدركه على نحوٍ متزايد، وشرعت في تحديد أهدافها وفقا لذلك. على سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة وفرنسا شن ضربات جوية ضد شاحنات النفط ومراكز التوزيع التابعة للتنظيم، على أمل إعاقة قدرته على دفع تكاليف عملياته العسكرية.لكن ما لا يتحدث عنه كثيرون، رغم أنه لا يقل أهمية، هو استخدام تنظيم “الدولة” المياه في حربه الرامية لإقامة الخلافة. هذه التكتيكات التي يتبعها التنظيم جعل المياه في صدارة الصراع على الجبهة العراقية والسورية، بما يهدد وجود الناس الذين يعيشون تحت حكم التنظيم القمعي. وإذا لم يتحرك خصوم تنظيم “الدولة” لنزع قبضته على مصادر المياه العراقية والسورية، قد يكون من الصعب- ربما في وقتٍ قريب- تحرير المنطقة من سيطرته على المدى الطويل.صراع قديملطالما تصارعت الحضارات القديمة من أجل الوصول إلى المياه، وأسست إمبراطورياتها حول الأنهار الكبرى. ويعتقد المؤرخون أن مدينة أور السومرية القديمة اختيرت من قبل الإمبراطوريات اللاحقة لوفرة مياهها وقربها من الخليج. وهناك روايات أخرى تقول إن سكان المدينة هجروها بسبب ندرة المياه، وجفاف نهري دجلة والفرات. أما اليوم، فيتنافس الجفاف وقلة سقوط الأمطار، مع كارثة الإرهاب التي صنعها الإنسان، على تدمير الأرض التي كانت يومًا خصبة على امتداد النهرين.ولعدة قرون، استخدمت الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية على حد سواء، المياه كسلاح. ورغم أن عدد الحروب التي اندلعت بشكل كامل بسبب موارد المياه كانت أقل مما هو متوقع، بالنظر إلى مدى أهمية المياه لبقاء أي مجموعة من السكان، إلا أن الصراعات الأصغر كانت كثيرة، وأثرها مدمرًا وقاتلا. وخلال السنوات الأخيرة، وقع الشرق الأوسط فريسة لهذه المنافسة، حيث تحولت الدول والجماعات على نحو متزايد من قطع إمدادات المياه ببساطة لفترة قصيرة، إلى تحويل تدفق المياه، أو استنزاف الإمدادات كليا، في محاولة لتهديد المستهلكين أو إكراههم. وتنظيم “الدولة” ليس استثناء. فمنذ بدأ في توسيع مطامعه الإقليمية في غرب سوريا، استخدم المياه كأداة ضمن استراتيجية أوسع نطاقا، تتمثل في التوغل وبسط السيطرة على أراضٍ جديدة. صحيحٌ أن تنظيم “الدولة” استهدف أيضًا حقول النفط والغاز الطبيعي الاستراتيجية في كل من سوريا والعراق، لكن نظرة فاحصة على تحركات التنظيم تشير بوضوح إلى أن نهري دجلة والفرات لعبا دورا مركزيا في تخطيطه.وإدراك نية تنظيم “الدولة” بإنشاء خلافته الجديدة في محيط حوض دجلة والفرات قد يكون مفيدًا في المعركة الطويلة الأمد ضده.في عام 2012، نبت تنظيم “الدولة” من رَحِم فراغ السلطة التي خلفتها الحرب الأهلية السورية، وأصبح وجوده معروفًا في غرب مدينة حلب. كان لديه القليل من القواسم المشتركة مع الجماعات المتمردة الأخرى في سوريا، والتي كانت تركز في المقام الأول على محاربة قوات الرئيس السوري بشار الأسد لتغيير النظام. بدلا من ذلك، كان تنظيم “الدولة” منظمة إرهابية لها أجندة واستراتيجية واضحة: يريد إقامة خلافة إسلامية من شأنها، من وجهة نظره، السير على أصدق مناهج الإسلام، كما نص على ذلك النبي محمد. خلال السنة التالية، تحركت المجموعة بشكل سريع وحاسم، ودشنت ممرًا عبر سوريا تجاه العراق، واستولت على المدن الرئيسية: مسكنة، الرقة، دير الزور، البوكمال، وكلها تتمركز على طول نهر الفرات.ولم تبدو الجبهة العراقية مختلفة كثيرا؛ حيث استولى تنظيم “الدولة” بسهولة على المدن المتاخمة للنهر: القائم، راوة، الرمادي، الفلوجة. وتمكن التنظيم بفضل اثنتين من هذه المدن (راوة والرمادي) من الوصول المباشر إلى اثنتين من البحيرات الكبرى في العراق: بحيرة سد حديثة، وبحيرة الثرثار.في الوقت ذاته، اتبع تنظيم الدولة استراتيجية مماثلة على طول نهر دجلة، واستولى بنجاح على الموصل وتكريت، وحاول الاستيلاء على بلدات ومدن أخرى على طول الطريق. وفي العراق كان الهدف هو: بغداد، التي تستطيع الجماعة منها حكم خلافةٍ تضم سوريا والعراق. وبينما كانت حقول النفط والغاز الطبيعي التي احتلها التنظيم على طول الطريق وسيلة لتهديد القوات العسكرية وكسب المال، كانت المسطحات المائية والبنية التحتية وسيلة لإبقاء المنطقة بأكملها رهينة. تاريخيا، كان نهرا دجلة والفرات مصدرا هاما للخلاف بين تركيا وسوريا والعراق وإيران. وقد أدى غياب التعاون والتنسيق بين هذه الدول بشأن تقاسم الأنهار الهامة إلى عدم تنظيم استعمالها والاستهلاك المفرط للموارد. نتيجة لذلك، كانت كافة الأنشطة التي تقوم بها دول المنبع والمتعلقة بالموارد المائية تنطوي على مخاطر إثارة التوترات مع دول المصب. وفي غياب التنسيق الإقليمي وسوء الأوضاع الأمنية على طول النهرين، كانت الجماعات الإرهابية- بما في ذلك تنظيم الدولة- قادرة على استخدام المياه باعتبارها هدفا وسلاحًا في الوقت ذاته.والنتيجة لم تكن فقط تدمير البنية التحتية ذات الصلة بالمياه مثل الأنابيب ومحطات الصرف الصحي والجسور والكابلات المتصلة بالمنشآت المائية، ولكن أيضا استخدام المياه كأداة للعنف من خلال الإغراق المتعمد للمدن، وتلويث المسطحات المائية، وتدمير الاقتصادات المحلية نتيجة تعطيل توليد الكهرباء والزراعة.منذ عام 2013، شن تنظيم “الدولة” قرابة 20 هجمة كبيرة (وكذلك عدد لا يحصى من الاعتداءات الصغيرة) ضد البنية التحتية المائية في سوريا والعراق. وشملت بعض هذه الهجمات إغراق القرى، والتهديد بغمر بغداد، وإغلاق بوابات السد في الفلوجة والرمادي، وقطع المياه عن مدينة الموصل، وإشاعة تسميم المياه في المدن السورية الصغيرة، على سبيل المثال لا الحصر.معظم هذه العمليات مُوَجَّه ضد القوات الحكومية، ويستهدف محاربة الجيش باستخدام الماء كسلاح، على الرغم من أن بعض البنية التحتية المائية المستهدفة عرقلت تحركات القوات. ولهذه الجهود أيضا- في كثير من الأحيان- فائدة إضافية تتمثل في تعزيز محاولات التجنيد؛ فمن خلال السماح بتدفق المياه إلى المدن المتعاطفة مع قضية تنظيم “الدولة”، أو حتى مجرد القيام بعمل أفضل في توفير الخدمات الضرورية؛ يمكن للتنظيم جذب المزيد من الرجال والنساء إلى صفوفه.ومع تواجد الماء في جوهر الاستراتيجية التوسعية، ضَمِنَ تنظيم “الدولة” أيضا أن المسطحات المائية والبنية التحتية الموازية انتقلت إلى واجهة الصراع الدائر في الشرق الأوسط. وبدورها مكَّنت السيطرة على الموارد المائية الرئيسية والسدود التنظيم من إحكام قبضته على الإمدادات المستخدمة لدعم الزراعة وتوليد الكهرباء. على سبيل المثال، منح سد الموصل تنظيم “الدولة” سيطرةً على ما يزيد عن 75٪ من توليد الكهرباء في العراق.وفي عام 2014، أغلق التنظيم سد النعيمية في الفلوجة، ودمرت الفيضانات اللاحقة 200 كيلومتر مربع (حوالي 77 ميل مربع) من الحقول والقرى العراقية. وفي يونيو 2015، أغلق التنظيم سد الرمادي في محافظة الأنبار، ما حدَّ من تدفق المياه إلى الأهوار العراقية الشهيرة، وأجبر العرب الذين يعيشون هناك على الفرار. صحيحٌ أن قوات التحالف والحكومة في كلا البلدين تمكنت من استعادة بعض مواقع المياه الرئيسية، إلا أن التهديد بحدوث مزيد من الضرر لا يزال قائما.في الوقت ذاته، استخدمت الحكومات والجيوش تكتيكات مماثلة لمكافحة تنظيم “الدولة”، عبر إغلاق بوابات السدود أو مهاجمة البنية التحتية المائية الواقعة تحت سيطرتهم. لكن مقاتلي تنظيم الدولة ليسوا الوحيدين الذين تضرروا من هذه الجهود؛ بل عانى سكان المناطق المجاورة أيضا. كما اتُّهِمَت الحكومة السورية مرارا بحجب المياه، والحد من تدفقات أو إغلاق بوابات السد خلال القتال ضد التنظيم أو الجماعات المتمردة، واستخدام الحرمان من المياه النظيفة كتكتيك قسري ضد العديد من ضواحي دمشق التي يعتقد أنها متعاطفة مع الثوار.إيجاد حل إقليمينظرا لأهمية المياه لتوليد الكهرباء والإنتاج الزراعي، فإن لديها القدرة على تشغيل أو تدمير الاقتصاد. ولأن المسطحات المائية في كثير من الأحيان تتجاوز حدود البلد الواحد، يُظهِر التاريخ أن التنافس على موارد المياه يمكن في كثير من الأحيان أن يُسَوَّى سلميا من خلال التعاون الإقليمي. في أواخر عام 2010، بدا أن قادة تركيا وسوريا ولبنان والأردن على وشك إحراز تقدم نحو إقامة منطقة اقتصادية متكاملة. ودعا قادة هذه الدول إلى تعاون على مستوى المنطقة فيما يتعلق بالسياحة، والخدمات المصرفية والتجارية والقطاعات الأخرى، إلى جانب إمكانية وضع الأساس لمزيد من الاتفاقات بشأن توزيع الموارد الطبيعية المشتركة مثل المياه. ورغم ارتفاع السقف، كانت الأفكار والمشاعر التي تقف وراء المقترحات قادرة على تحويل المنطقة.لكن السياسة بسطت سيادتها، كما هو الحال في كثير من الأحيان، وخلال أقل من عام كانت اللحظة قد فقدت زخمها. وإذا كانت تركيا والعراق وسوريا استغلت تلك الفرصة حين كانت الظروف السياسية مواتية، لكانت وجدت أنه من الأسهل معالجة تقدم تنظيم الدولة لاحقًا بشكل جماعي. بطبيعة الحال، من السهل أن ننظر إلى الوراء، ونرثي الإجراءات التي لم تُتَّخذ، لكن لا تزال هناك فرصة أمام هذه الدول للتعاون، والشروع في عمل جماعي لحماية الموارد المائية التي يتشاركون فيها.ليس هناك شك في أن تنظيم الدولة لديه استراتيجية واضحة جدا، تمتد حتى أبعد من سوريا والعراق، وتشمل المنطقة على نطاق أوسع. حيث أنشأ التنظيم قواعد في أنحاء شمال أفريقيا، بعدما اتبع مسارًا مماثلًا للسيطرة على الموارد الرئيسية واستخدامها كسلاح ضد السكان والحكومات التي تسعى لإجبارها أو تدميرها. حان الوقت لكي تعيد الدول المجاورة والمجتمع الدولي النظر في ما يعرفونه عن تكتيكات تنظيم “الدولة”، وصياغة خطة عمل جديدة. ويجب على القوات التي تقاتل التنظيم أن تنظر إلى المنطقة كحوض واحد متكامل، وجلب المسطحات المائية- واستطرادا، السكان الذين يعتمدون عليها- إلى صدارة استراتيجياتها. لطالما شكلت المياه جوهر الحضارات. والشرق الأوسط- ناهيك عن تنظيم “الدولة”- ليست بِدْعًا في ذلك. شؤون خليجية