الرئيسة في العمق المعلوم من المفاوضات بالضرورة.. إطلالة على الطاولة وما تحتها!

المعلوم من المفاوضات بالضرورة.. إطلالة على الطاولة وما تحتها!

24 second read
0

علاء البشبيشي

  1. التصعيد العسكري هو أفضل استعداد للمفاوضات.
  2. “صنبور السلاح” ورقة حاسمة في المفاوضات
  3. تتأجَّل المفاوضات إذا كان أحد الأطراف يحرز تقدُّمًا عسكريًا على الأرض
  4. يدفع ركود القتال على الخطوط الأمامية باتجاه التفاوض.
  5. قد تصبح الحوادث الصغيرة ورقة ضغطٍ على الطاولة
  6. الصعود المفاجئ لقوة مناوئة يعيد ترتيب الأوراق
  7. حتميةتغيير قواعد التفاوض لتواكب المستجدات
  8. الأضعف هو الذي يسعى بجدية أكبر للتفاوض
  9. إذا كان أحد الأطراف يتآكل ذاتيًا، فمن الذكاء عدم تعجّل المفاوضات.. بل امنح خصمك المزيد من الوقت ليحرق نفسه.
  10. بعض المفاوضات وقود الحرب
  11. من الصعوبات التي تعوق التفاوض كثرة الفاعلين المتشاكسين.
  12. المفاوضات ليست نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة أخرى قد تكون أصعب
  13. لمفاوضات ليست حلا سحريًا لكافة المعضلات، بل وسيلة لها حدود وسقف لا تستطيع تجاوزه.
  14. التدخل الخارجي يُعلي مصلحة الرعاة
  15. المرونة في المفاوضات تتساوى عكسيا مع تكلفة الاستثمار
  16. الانقسام الداخلي يعوق التسوية أو الحسم
  17. تضارب أجندات الحلفاء مضيعة للفرص
  18. استنبات الثقة في أرض الخيانة هو أكبر عقبات المفاوضات
  19. التفاوض يكون أحيانا أفضل الخيارات السيئة
  20. محدودية الخيارات تجبر على التفاوض
  21. المصالح تجعل المستبعد ممكنا
  22. المفاوضات قد تكون بديلا للانفجار
  23. توسيع نطاق المشاركين في المفاوضات ضرورة للنجاح وضمانة للاستدامة

 (1)

التصعيد العسكري هو أفضل استعداد للمفاوضات. ففي ساحات الصراع التي لا يستطيع أحد أطرافها الحسم بالقاضية؛ تصبح معظم موجات التصعيد مجرد مقدمة للمفاوضات الحتمية. ببساطة؛ تحاول كافة الأطراف امتلاك أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب على الطاولة. أما من لا يمتلك القدرة على التصعيد أصلا؛ فغالبًا لن يجد مقعدًا على طاولة المفاوضات، اللهم إلا تحت أقدام الرعاة الأقوياء.

باختصار: أحيانا يكون ثمن الهدوء؛ “عاصفة” قبله. أما من يقدِّم العربون “هدوءًا”- حتى لو كان أحوجَ الناس إليه- بلا مقابل؛ فسيخرج غالبا من “المولد بلا حمُّص”، كما يقول المصريون.

وأحدث مظاهر ذلك، ما وصفته وكالة أسوشيتد برس  بـ “استعراض روسيا قوتها العسكرية في سوريا قبيل محادثات السلام”- جولة جنيف الفاشلة- وتحليق الطائرات العسكرية الروسية بكثافة، انطلاقًا من قاعدتها على الساحل السوري، التي تعج بنشاطٍ ملحوظ.

خلال هذه المرحلة، تحاول كافة الأطراف ترجمة مواقعها على أرض المعركة إلى ورقة للتفاوض، وهو ما يفسر استمرار هجمات نظام الأسد في ظل تعثُّر مفاوضات السلام، حسبما رصد معهد هدسون.

ولأن “المفاوضات صنعة”؛ اقتحم الحوثيون الحدود مع السعودية، وقصفوا مدن عسير ونجران وجيزان، ونسَّقوا مع حزب الله (المخابرات السعودية رصدت اتصالات رفيعة المستوى)، قبل أن يجلسوا أول مرة على طاولة التفاوض في مسقط. باختصار جمعوا أكبر قدر ممكن من الأوراق.

وبالفعل، حين حملت المفاوضات أوزارها كان أول مطلبٍ أمريكيّ موجه للحوثيين هو: وقف انتهاك الحدود، والامتناع عن قصف المدن السعودية، وفي المقابل كان الحوثيون مستعدون: نريد بضعة ملياراتٍ تعويضا عن الحرب، واعترافًا سعوديًا رسميا بالمذبحة اللي نفذتها المملكة في اليمن.

وسبق أن أشارت مؤسسة جيمس تاون لمكافحة الإرهاب في تقرير لـ مايكل هورتون تحت عنوان “الهجوم المضاد الحوثيين في اليمن: الاستراتيجية والأهداف والنتائج”، إلى أن بعض الهجمات الحوثية المضادة في اليمن يكون غرضها الأساسي هو تعزيز الموقف التفاوضي للجماعة الشيعية وحلفائها حال انطلقت جولة جديدة من المحادثات، دون أن ينفي ذلك وجود أهداف استراتيجية هامة أخرى. وفي المقابل أكد مركز ستراتفور أن العمليات التي تقودها السعودية في اليمن تعزز الموقف التفاوضي للمملكة وحلفائها. 

/

 “عندما تكون التسوية هي النتيجة النهائية المتوقعة؛ غالبا ما يكون من الحكمة أن تبدأ من موقف متطرف”

(الاقتصادي الإنجليزي، جون مينارد كينز- كتاب “العواقب الاقتصادية للسلام”)

/

هذا هو السبب الذي يجعل “صنبور السلاح” ورقة حاسمة في المفاوضات؛ فتحت عنوان “محادثات السلام السورية في جنيف.. ما تحتاج إلى معرفته” نشرت صحيفة التليجراف تقريرا أعده ريتشارد سبنسر، جاء فيه: “قال المتمردون منذ وقت مبكر إن الأمريكيين وحلفائهم الخليجيين حجبوا عنهم إمدادات الأسلحة الثقيلة مثل صواريخ “تاو” المضادة للدبابات؛ لإجبارهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذا في حد ذاته يعني أنه بمجرد بدء المحادثات، سوف تُستَأنَف إمدادات الأسلحة. بعدها، يمكن أن يحاول المتمردون تحقيق المكاسب اللازمة للتفاوض من موقع القوة”.

فيما نقل تقريرٌ نشرته “واشنطن بوست” مؤخرًا عن أحد قادة المعارضة قوله إن الولايات المتحدة ضغطت على أنقرة والرياض لمنع تقديم الأسلحة للقوى السورية المعارضة، وهو ما “ترك المعارضة في وضع هش للرد على عنف النظام والطيران الروسي”، حسب قوله.

وفي سياق تأكيد أنه بالإجبار لا الطمأنة يُدفَع الخصم إلى طاولة التفاوض، كتب نيكولاي كوزانوف في معهد تشاتام هاوس: “بدون القوات البرية الإيرانية التي تقاتل المعارضين لنظام الأسد، ستواجه موسكو صعوبة في تحقيق أهدافها هناك. فضلا عن احتياج روسيا إلى الدعم العسكري والسياسي الإيراني لإجبار المعارضة السورية والجهات الراعية للتفاوض مع بشار”.

/

“تصبح المفاوضات كناية عن الاستسلام إذا لم تلقي القوة بظلالها عبر الطاولة” (الخبير الاقتصادي الأمريكي، جورج برات شولتز)

/

وفي المقابل، تتأجَّل المفاوضات إذا كان أحد الأطراف يحرز تقدُّمًا عسكريًا على الأرض. فبعدما كان الحديث الغربي، قبيل التدخل الروسي في سوريا، يدور حول ضرورة تسريع التسوية قبل أن تصل المعارضة لنقطة تغريهم بعدم التفاوض؛ انطلاقا من قناعتهم بأنهم إذا كانوا يستطيعون بالسلاح الوصول إلى خط النهاية، فلماذا يجلسون على طاولة مفاوضاتٍ تجبرهم على تقديم تنازلات.

بعدما كان هذا هو الحديث السائد قبل شهور، ونتيجةً للتقدم الذي أحرزته القوات الموالية للأسد وروسيا وإيران وحزب الله في شمال وجنوب سوريا؛ أصبح الدكتاتور وحلفاءه لا يرون أي مبرر للتخلي عن أهدافهم الأساسية أو قبول عملية سياسية تؤدي إلى انتقال السلطة. بل أعرب الأسد علنا عن عزمه استرداد كافة الأراضي السورية التي مزقتها الحرب، وأصبحت التحليلات الروسية والإيرانية تتحدث صراحة عن أن تغيير النظام أصبح اليوم أبعد منالا.

لذلك قالت صحيفة وول ستريت جورنال: “لا غروَ أن تأجلت محادثات السلام في جنيف الأسبوع الماضي بعد مرورٍ وقتٍ قصير من بدايتها؛ فلم يكن هناك سلامٌ أصلا يمكن الحديث بشأنه. وأكَّد أنتوني كوردسمان، رئيس كرسي “أرليه بورك” في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)- في سياق تعليقه على اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأمريكي والعاهل السعودي في واشنطن، على أن “الاجتماعات بين رؤساء الدول المتحالفة نادرا ما تُخاطِر بإظهار أي شكل من أشكال المواجهة. بل عادة ما يتم الإعداد لهذه النوعية من اللقاءات بعناية مسبقا؛ للخروج بنتائج إيجابية بدلا من استخدامها للتفاوض في الواقع، ما يجعلها تنتهي تقريبا ببيان يركز على أكثر النقاط التي نوقشت خلال الاجتماع إيجابية”.

(2)

في المقابل، يدفع ركود القتال على الخطوط الأمامية باتجاه التفاوض. حيث تطفو الرغبة في إجراء محادثات عادة حينما يتراجع الزخم العسكري. رأينا ذلك بشكل واضح في اليمن، حيث كان التطور الملحوظ الوحيد في الصراع خلال بعض الأسابيع يحدث على الجبهة الدبلوماسية، حسبما رصده مركز ستراتفور.

والسبب وراء أن العامل الرئيس الذي يدفع الطرفين صوب الحوار، هو الركود على الخطوط الأمامية؛ أن: المزيد من التحركات العسكرية- مثل الدفع باتجاه صنعاء- من المرجح أن يكبد المهاجمين ثمنا باهظًا، من حيث الإصابات والعتاد. وبقدر ما تدفع قوات التحالف ثمنا كبيرا مع استمرار عملياتها العسكرية، يعاني الحوثيون والقوات المتحالفة مع صالح أيضًا من تدهور كبير في القوات، إلى جانب عجزهم عن تحقيق مكاسب على أرض المعركة. وفي ظل القيود العسكرية المفروضة على الجانبين، يصبح حتميًا في بعض الأوقات أن يتحوَّل التركيز إلى المفاوضات.

وكلما لم تأتِ رياح التفاوض بما تشتهيه، يُنصَح فورًا بـتأجيل المفاوضات، والعودة إلى الميدان لتغيير الواقع على الأرض، وامتلاك أوراق ضغط جديدة. في هذا السياق، كشف ستراتفور يوم 3 أغسطس عن زيارة رئيس مكتب الأمن الوطني السوري، اللواء على المملوك، الرياض خلال شهر يوليو. ويُعتَقَد أنه التقى بن سلمان، الذي طلب ثمنا باهظا للتعامل مع النظام السوري هو: قطع العلاقات مع إيران.  وذكر المركز أيضًا أن ثمة محاولات روسية وأمريكية للتوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ما بعد الأسد لكن هذا يتطلب اتفاق الرعاة وإقناع المتمردين للتفاوض مع العلويين.

وعلى وقع التطورات الميدانية في سوريا حينها، كان واضحًا أن تلك الجولة من المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وكان لابد من إحداث تغيير على الأرض لحلحلة الأزمة، ربما تمهيدًا للعودة إلى طاولة المفاوضات بأوراق وشروط جديدة.

/

“لا يمكنك الذهاب إلى طاولة المفاوضات وأنتَ تُشهِر سلاحًا، لكن ينبغي أن تُبقيه على كتفك” (السياسي الجنوب أفريقي، جو سلوفو)  

/

خلال هذه المرحلة، قد تصبح الحوادث الصغيرة ورقة ضغطٍ على الطاولة. من أجل ذلك لفت مركز ستراتفور إلى أن هناك نقطة توتر محتملة أخرى، يجدر مراقبتها، تتمثل في فريق الصيد القطري الذي يحتجزه رجال القبائل الشيعة في العراق. بالنظر إلى أن رجال القبائل كانوا قد طالبوا بالإفراج عن النمر في مقابل القطريين المحتجزين. صحيح أن تحقيق هذا المطلب كان نتيجة مستبعدة تماما، إلا أن إعدام النمر في خضم مفاوضات الرهائن لا يبشر بالخير بالنسبة للقطريين.

كما أن الصعود المفاجئ لقوة مناوئة يعيد ترتيب الأوراق. وهل استفاد أحد من صعود تنظيم الدولة مثل بشار الأسد وحلفائه الإيرانين والروس؟ وفي ذلك يقول شهير شهيد ثالث في ميدل إيست مونيتور: فجأة ظهر عامل جديد، هو صعود المتشددين في سوريا، يمثلهم في المقام الأول تنظيم الدولة. هنا تحول موقف الإدارة الأمريكية العدائي تجاه النظام الإيراني، وتعزز موقف طهران في سوريا مقارنة بمنافسيها الإقليميين.

كان هذا التغيير غير العادي في موقف الولايات المتحدة واضحا عندما أدلى وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بشهادته يوم 11 مارس أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قائلا: “إن التفويض باستخدام القوة في سوريا- قيد النظر الآن في الكونجرس- يستهدف تنظيم الدولة تحديدًا. هناك من يرغبون في أن يشمل ذلك الأسد، لكنه ليس كذلك”.

بعد أربعة أيام، قال كيري في برنامج “واجِه الأمة” على شاشة سي بي إس: “إن الولايات المتحدة سيكون عليها “التفاوض في نهاية المطاف” مع الأسد.

هذا يعني حتمية تغيير قواعد التفاوض لتواكب المستجدات. فحتى في عالم الاقتصاد، اضطرت إيران إلى صياغة نموذج تعاقدي جديد يهدف إلى جذب شركات النفط العالمية للقيام بمشاريع مشتركة في البلاد. وبموجبه سيكون لدى الشركة الأجنبية عدة سنوات لاستكشاف وتطوير الحقول، تعقبها 15-25 عامًا من حقوق الإنتاج.

خلال ذلك الوقت، ستدفع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط المملوكة للدولة للشركة بناء على صعوبة العمل في الحقل، وحجم الإنتاج، وأسعار النفط.

ويختلف هذا النموذج التعاقدي كثيرا عن نموذج عقد “إعادة الشراء” الذي استخدمته إيران في العقدين الماضيين. فبموجب عقود إعادة الشراء، كانت شركة النفط الأجنبية تمول الاستثمار الأولي لمشروع الطاقة، ثم تدفع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط للشركة الأجنبية نقدا لتغطية تكاليف التشغيل. وبعد فترة تفاوض، تتولى الشركة الوطنية المسئولية الكاملة عن العمليات.

(3)

ومن الواضح أيضًا أن الأضعف هو الذي يسعى بجدية أكبر للتفاوض. وهو ما أشارت إليه صحيفة واشنطن بوست حين سعت إدارة أوباما بجدّية إلى تسوية تفاوضية للحرب التي تضاءلت جدًا احتمالية إحراز نصر فيها، بعد المكاسب التي أحرزها التدخل العسكري الروسي أخيرًا على الأرض لصالح قوات الحكومة السورية.

ورغم تأكيد الصحيفة، في تقريرها الذي أعدته رئيسة مكتبها في بيروت ليز سلاي، على أن هذه المكاسب صغيرة وتم إحرازها بشق الأنفس، إلا أنها في الوقت ذاته ترسل ظلالا من الشك على إمكانية عقد مفاوضات جادة لإنهاء الصراع الذي يبدو أن الأسد وحلفاءه باتوا الآن مقتنعين أنهم قادرون على كسبه.

/

“الزميل الذي يقول إنه سوف يلتقي بك في منتصف الطريق عادة ما يعتقد أنه يقف على الخط الفاصل” (أورلاندو  باتيستا).

/

فإذا كان أحد الأطراف يتآكل ذاتيًا، فمن الذكاء عدم تعجّل المفاوضات.. بل امنح خصمك المزيد من الوقت ليحرق نفسه. وهي النصيحة التي أسداها موقع ميدل إيست بريفنج للسيسي: رغم أنه في سباق مع الزمن. لكن إذا كان بإمكانه التمسك بموقفه برغم ضغوط دول الخليج، فعليه ألا يتعجل التفاوض مع الإخوان بأي شكل من الأشكال. صحيحٌ أن الزمن يتغير، لكن التجربة أثبتت أن خطة وزير الدفاع السابق طنطاوي للسماح للإخوان بحرق أنفسهم عن طريق حكم مصر لفترة وجيزة آتت أُكُلها”.

لكن من الهام أيضَا التنبيه على أن التوازن العسكري قد يصبح قاتلا؛ لأنه يدفع أصحاب المصالح الخارجيين إلى زيادة الدعم العسكري لوكلائهم. وعلى الرغم من أن هذا يحقق التوازن في ساحة المعركة، إلا أنه يؤدي أيضا إلى المزيد من خفض الحافز لدى الجانبين للوصول إلى تسوية بشأن المضي قدما صوب المفاوضات، بحسب توقعات ستراتفور لمستقبل العالم في 2016.

لكن هنا يكمن الخطر الكامن في انزلاق المهمة إلى ساحات صراعٍ أوسع. ونظرا لمدى قتامة أفق للتفاوض بشأن تسوية النزاع، يمكن للمنطقة كلها أن تجد نفسها متورطة في حرب صعبة دون نهاية واضحة في الأفق.

/

“من خُدع الغشاشين أن يعرضوا تضحيات غير ضرورية أو غير ممكنة لتجنب تقديم التضحيات اللازمة” (الكاتب الروسي إيفان جونتشاروف).

/

بل إن بعض المفاوضات وقود الحرب. أليس لافتًا أن روسيا انتقلت إلى سوريا بعد أسابيع قليلة من توقيع الاتفاق النووي مع إيران؟ موقع ميدل إيست بريفنج يقول: أيًا ما أُعِدَّ سلفا بين الروس والإيرانيين خلال المفاوضات النووية، فقد أدى إلى سلسلةٍ من التحركات المنسقة عقب اختتام المحادثات. 

وأضاف: نحن لا نعرف بالطبع ما خططت له البلدين، وكيف استعدا لاستخدام الاتفاق النووي لخلق سياق استراتيجي ملائم لأهدافها، لكننا رأينا خططهما تتجسد في شكل قوات برية روسية في سوريا، ووجود مخابراتي رسمي في العراق”. 

وحذرت مؤسسة التراث: الاتفاق الإيراني، الذي توصل إليه الرئيس أوباما، لا يمنع إيران من الوصول إلى الحافة، بل في الواقع تزيد هذه الصفقة المثيرة للجدل احتمالية نشوب الحرب. وإذا تمت الموافقة عليها؛ فإنها ستفكك العقوبات التي اضطرت إيرات للجلوس على طاولة المفاوضات.

وقال مركز ستراتفور: ستتخطى الآثار المترتبة على الصفقة ما هو أبعد من مؤشرات الدولار وبراميل النفط الخام. في الواقع، لا تمثل نهاية فترة المفاوضات الشاقة إلا مجرد بداية لفترة متقلبة جدا في الشرق الأوسط. حيث ستكون القوى السنية في المنطقة، مع المملكة العربية السعودية وتركيا في الصدارة، أكثر نشاطا في إحداث توازن ضد القوة الإيرانية، بموازاة التنافس فيما بينها. وسوف تحصن إسرائيل علاقاتها في المنطقة وتُنَوِّعها بأقصى ما تستطيع؛ بحثًا عن حلفاء تجمعها بهم مصلحة مشتركة في احتواء وكلاء إيران المتشددين.

(4)

من الصعوبات التي تعوق التفاوض كثرة الفاعلين المتشاكسين. ولمَّا كانت ساحة المعركة السورية تنقسم بين مجموعة مذهلة من المنافسين والمصالح؛ فإن هذا كله يؤكد أن أي محاولة لتطبيق وقف إطلاق نارٍ، أو التوصل إلى اتفاق نهائي لتقاسم السلطة، ستكون محدودة للغاية، بحسب توقعات ستراتفور لمستقبل العالم في 2016.

ويأتي في هذا السياق حرص تنظيم الدولة على شن عدة هجمات في توقيت انعقاد الجولة الأخيرة من المفاوضات السورية في جنيف، وهو ما اعتبرته الصحف الأجنبية رسالةً مفادها: نحن هنا!

وذهب ستراتفور في تحليلٍ آخر إلى أن إعدام النمر سيُعَقِّد المفاوضات الصعبة بالفعل بشأن الانتقال السياسي في سوريا. لافتًا إلى امتداد المعركة بالوكالة في سوريا بين السعودية وإيران إلى لبنان، حيث تتوقف التسوية المؤلمة التي طال انتظارها بخصوص الرئاسة على التفاهم بين طهران والرياض.

وتحت عنوان “لماذا يعتبر تجسير الفجوة بين إيران والسعودية أمرًا حيويًا من أجل السلام في سوريا والمنطقة” نشر موقع طهران تايمز مقالا للدبلوماسي الإيراني السابق والأكاديمي سيد حسين موسويان، خلص إلى أن “الرياض غير مستعدة للتفاوض الجاد مع طهران في الوقت الحالي؛ لأسباب عديدة” ذكر المقال منها من وصفه بـ “الابن المتهور، محمد بن سلمان، الذي يتقاتل من أجل السلطة وتسلق هرم الخلافة”. محذرًا: “إما أن تُحَرِّك السعودية وإيران المفاوضات، أو تواصلان السير على طريق التصعيد، وهي الضمانة العملية للدخول في حرب حتمية مدمرة.”

هذا يلفت الأنظار إلى أمرٍ آخر، مفاده أن المفاوضات ليست نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة أخرى قد تكون أصعب. وفي هذا الباب، نشر تشاتام هاوس مقالا لـ بيتر ساليزبيري تحت عنوان “ينبغي أن تكسر الأمم المتحدة دائرة الفشل الانتقالية في اليمن” ، استهله بالتحذير من أن “الوساطة الحالية إذا لم تتجنب الأخطاء الرئيسية التي شهدتها فترة الانتقال السياسي في اليمن من 2012 إلى 2014؛ لن يكون من المرجح أن تقدم حلا للمشاكل السياسية في البلاد”.

وأضاف: “تكمن القوة الصلبة الآن في أيدي مجموعات محلية مسلحة، منقسمة على أساس الهوية، ولديها جداول أعمال متعارضة، وستطالب بأخذها على محمل الجد في الجولة الجديدة من المفاوضات حول مستقبل اليمن. وهذه المجموعات ليس لديها ثقة كبيرة في قدرة الإدارة المركزية على العمل لصالحها، ومن غير المرجح أن تخضع بسهولة لإرادة حكومة صنعاء أو أي جهة أخرى. ولضمان مصالحها الجماعية، ستطالب بحكم ذاتي على الأقل، وفي حالة الحراك يصل الأمر إلى الانفصال التام عن الاتحاد الذي يستمر منذ ربع قرن مع الشمال”.

ورأى موقع ميدل إيست بريفنج أن أي فرص لنجاح المحادثات النفطية السعودية-الروسية الحالية تعتمد بشكل رئيس على مدى الدافع الذاتي لدى الرياض. فإذا كان هذا العامل هو: تحقيق التوازن في العلاقة بين البلدين، في ظل المناخ المتوتر حاليًا بسبب سوريا، فإن المفاوضات الجارية بين وزارتي النفط في البلدين قد تتمخض عن نتيجة إيجابية. لكن الرياض، في هذه اللحظة الحرجة، لديها وجهات نظر مختلفة على طاولة النقاش داخل الدوائر النفطية الرسمية.

/

“تفاوض مانديلا شخصيًا مع الحكومة العنصرية آنذاك، بعد عقود من قولهم: “ليس بمقدور السجناء التفاوض”. وبعد خوضه كفاحًا مسلحًا أجبر الحكومة على الرضوخ، قرّر أن الوقت قد حان لبدء المحادثات مع المستبدين الذين قمعوه. (رئيس تحرير مجلة تايم الأمريكية، ريتشارد ستينجل)

/

من أجل ذلك، يذهب بعض المحللين إلى أن فلترة مراكز القوى ضروري للسلام. وفي هذا كتب مارينا أوتاواي في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين: لا تقتصر القضية فقط على الهويات الطائفية والعرقية، بل تتمثل المسألة في العدد الكبير من مراكز السلطة والقوة المنظمة التي تمتلك أجنداتها الخاصة، والتي تحظى بدعم منظماتها العسكرية الخاصة في كثير من الحالات: هناك منطقة كردستان؛ حيث تتنافس على السلطة الأحزاب السياسية المدعومة من المليشيات. وهناك المناطق السنية؛ حيث تحاول المليشيات القبلية، وعناصر نظام صدام حسين، والسلطات المحلية المنتخبة، والمسئولون الحكوميون، السيطرة على ما يستطيعون من المساحة الواقعة خارج سيطرة تنظيم الدولة. وهناك شيعة ينضوون تحت لواء المليشيات التي توجهها إيران، وآخرون ولاؤهم لآية الله السيستاني، ومجالس محافظات راغبة في المزيد من السلطة، وعلى الأقل إقليم واحد، في البصرة، يلمح بالانفصال عن البلاد.

والسؤال- وسط هذا كله- ليس ما إذا كانت هذه الأهداف والمطالب واقعية، أو جيدة للبلد أو للجهات الفاعلة الخارجية، بل تكمن المسألة في أن هذه القوى المتنافسة تتمتع ببعض الدعم، ولن تختفي تحت شعار حكومة شاملة، حتى إذا تم تشكيل حكومة كهذه. لذلك تعتمد نجاة العراق على ما إذا بالإمكان هزيمة بعض مراكز القوى هذه- وعلى الأخص تنظيم الدولة- عسكريًا، وما إذا كان الآخرون مستعدون للتفاوض على اتفاقٍ يسمح لهم بالبقاء كجزء من دولة موحدة”.

/

“المفاوضات بشأن فطيرة متقلصة الحجم تمثل صعوبة خاصة؛ لأنها تتطلب توزيع الخسائر على المشاركين”. (عالم النفس الأمريكي-الإسرائيلي، دانيال كانمان)

/

وبذلك يتضح أن المفاوضات ليست حلا سحريًا لكافة المعضلات، بل وسيلة لها حدود وسقف لا تستطيع تجاوزه. وهو ما أكد عليه ريتشارد هاس في بيتسبرج بوست جازيت، حين قال: لقد حان وقت الاعتراف بحتمية تقسيم العراق ودعم استقلال كردستان. كفانا أوهامًا؛ فتغيير النظام ليس هو الدواء الناجع، والمفاوضات لا يمكنها أن تحل كل الصراعات ولا حتى معظمها. كما لا يمكن للدبلوماسية أن تعمل في سوريا إلا إذا اعترفت بالحقيقة على الأرض بدلاً من السعي لنقلها.

وأخيرًا؛ ينبغي على صناع القرار الاعتراف بحدودهم وإمكانياتهم؛ لأنه في الوقت الراهن وفي المستقبل المنظور ستكون منطقة الشرق الأوسط بمثابة حالة يجب إدارتها أكثر من كونها مشكلة يجب حلها.

وفي ليبيا، نَصَّت توقعات ستراتفور للربع الرابع 2015، على أن عملية التفاوض، بوساطة أمية، “ستظل هي محور التحول السياسي في ليبيا، في ظل حصول العملية على دعم المعسكرين المتنافسين في طرابلس وطبرق، إلى جانب مختلف الميليشيات والدوائر القبلية، بما يكفي للحفاظ على استمرارها. وسوف يتم تحديد مواعيد نهائية، ثم يتم وتجاوزها، لكن الحوار سوف يستمر ليكون بمثابة مسرح للحكومات الغربية لفحص وسطاء السلطة المحليين، قبل تشكيل حكومة وحدة وطنية في نهاية المطاف.

وفي توقعات 2016، قال ستراتفور: سوف تشجع الجزائر المفاوضات بين الفصائل الليبية المتنافسة، وتستضيفها؛ في محاولة للتخفيف من حدة عدم الاستقرار على الحدود الشرقية الجزائرية، مع تجنب الاشتباكات العسكرية المباشرة خارج حدودها.

أما المفاوضات، التي تتم بوساطة الأمم المتحدة، لتشكيل حكومة وحدة ليبية بين المعسكرين المتنافسين في طرابلس وطبرق، فستواصل التقدُّم بصعوبة تحت وطأة الخلافات المستعصية بين الأطراف المتحاربة.”

(5)

وإجمالا، من المفيد استصحاب حقيقة أن التدخل الخارجي يُعلي مصلحة الرعاة، وأن هناك دول على ظهر هذا الكوكب تتعامل مع سكان هذا الشطر البائس من العالم، باعتبارهم مجرد ورقة ضغط يمكن استخدامها لتحقيق مكاسب، ربما في مساحات أخرى بعيدة تماما عن نطاق تفكير معظمنا.

فمنذ وقتٍ مبكر في سوريا، كان واضحًا أن أوراق المفاوضات، التي يستعد بوتين لخوضها، بأكبر قدر ممكن من أدوات الضغط، تتخطَّى مجرد تقرير مصير رئيس دولةٍ عربيةٍ كان على وشك الإطاحة به، كـ بشار، إلى: تأسيس تواجدٍ طويل الأمد في المنطقة، والحفاظ على العلاقة مع طهران في ظل تطور التقارب الأمريكي-الإيراني، وصولا إلى إجبار الولايات المتحدة على الانخراط في حوار جاد بشأن الكثير من الملفات، وإقناع معظم القوى الأوروبية أن التفاوض مع الدب الروسي أكثر جدوى من مواجهته.. هذا ما ذهب إليه كثير من التحليلات الغربية المنشورة منذ منتصف العام السابق، ولحقتها تحليلات عربية تدور حول ذات المعنى، تُفَصِّل المُجمَل.

كما أن بوتين ليس شخصا عقائديا حتى النخاع. صحيح أنه قومي ينتمي للمدرسة الروسية القديمة، ويكره ‫أوباما، ويسعى ليحل مكان الولايات المتحدة كقوة وسيطة في الشرق الأوسط. لكن ذلك لا يعني أنه يحفظ وُدّ الوقت الذي قضاه مع ‏قاسم سليماني وحسن ‏نصرالله وغيرهما. هو يراهم ببساطة أدوات يستخدمها للحصول على ما يريدة من ‏سوريا: بسط السلطة، وجمع الريع مع الجميع؛ بدءًا من ‫إيران وصولا لـ ‏إسرائيل”؛ على حد وصف لي سميث في معهد هدسون. وبرغم كل الضجيج المثار حاليًا، لا يُستَبعَد أن أول من سيضحي به بوتين سيكون بشار شخصيًا، حين لا يصير من ذلك بُدّ.

صحيحٌ أنه كلما ضعفت الحكومة السورية كلما قلت فرص موسكو للاحتفاظ بأي تأثير ملموس في بلاد الشام، ورغم وضوح روسيا فيما يتعلق بالحفاظ على ورقة الحكومة السورية كوسيلة للدفع باتجاه تسوية تفاوضية للنزاع، إلا أنها لا تشعر بالقلق مثل الإيرانيين حول القادة الذين ستتمخض عنهم التسوية، طالما أن النتيجة ستحمي مصالحها على نطاق واسع.

هذا يعني أن المرونة في المفاوضات تتساوى عكسيا مع تكلفة الاستثمار. وهو السياق، الذي يقول عنه ستراتفور: لم تستثمر موسكو مباشرة في سوريا، وهي أكثر استعدادا للانخراط في محادثات شاملة، يُنظَر خلالها للمسألة السورية كأحد عناصر المفاوضات الأوسع نطاقا في مواجهتها مع الغرب وليس كهدف نهائي.

 وبالتالي يمكن لروسيا أن تتحمل إظهار بعض المرونة في المفاوضات، بما يتيح مجالا لتغيير القيادة السورية إذا كان يمكن انتزاع بعض التنازلات الأساسية في المقابل.

/

“التفاوض يعني الحصول على أفضل ما لدى خصمك” (الموسيقي الأمريكي من أصول أفريقية، مارفين غاي).

/

وخَلُصَت ورقة بحثية نشرتها مؤسسة “راند” وأعدها الثلاثي: السفير السابق جيمس دوبينز والمحلل جيفري مارتيني، وفيليب غوردون من مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن إيران سوف تكون حذرة في التفاوض على أي صفقة قد تضعف موقف الحكومة. هذا لا يتعلق كثيرًا بالأسد نفسه، بقدر تعلقه بالخوف من أن تغيير القيادة في هذا الوقت قد يزعزع، وفي نهاية المطاف يضعف، تماسك القوات الموالية السورية.

لكن نيكولاي كوزانوف يلفت الأنظار في معهد تشاتام هاوس إلى أنه بدون القوات البرية الإيرانية التي تقاتل المعارضين لنظام الأسد، ستواجه موسكو صعوبة في تحقيق أهدافها هناك. فضلا عن احتياج روسيا إلى الدعم العسكري والسياسي الإيراني لإجبار المعارضة السورية والجهات الراعية للتفاوض مع بشار.

وبينما يمكن لأي دور تلعبه موسكو في إيجاد تسوية أن يستخدم للتفاوض مع الولايات المتحدة حول القضايا الأخرى ذات الصلة. ستكون الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض على القضايا التكتيكية، لكنها ستحرم موسكو من النفوذ الذي تسعى إليه، من خلال ربط التعاون في مكافحة الإرهاب بالنقاشات الاستراتيجية الأوسع نطاقًا، وستعمل لإدارة الأمريكية، بدلا من ذلك، على دعم الحلفاء الأوروبيين على الخطوط الأمامية مع روسيا.

وكان المركز توقع في بداية عام 2015، أن تقوم موسكو- القلقة من تطوير التقارب الأمريكي-الإيرانيّ، والعالقة في مواجهة مع الولايات المتحدة- بتعزيز موقفها كوسيط في الصراع السوري، لتستخدمه كورقة ضغط في مفاوضاتها الأوسع نطاقا مع واشنطن. وأينما تعثرت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، سترتدي روسيا ثوب حلال المشاكل؛ في محاولةٍ لإعادة بناء مصداقيتها في المنطقة، وجعل نفسها طرفًا لا غنى لأمريكا عنه.

وكتب هيرالد فيرسن في مجلة مفتاح: إن الطريقة الوحيدة التي يمكن لروسيا أن تضمن بها مواصلة احتكار الغاز في أوروبا الغربية هي دعم نظام الأسد، وأن تصبح لاعبًا مهما ومؤثرا في أي مفاوضات تُجرى بعدما تضع الحرب أوزارها. 

وببقاء الأسد في السلطة، والاعتراف بأن روسيا وليس إيران هي الحليف الوحيد الذي بإمكانه الحفاظ على بقائه؛ ربما تستطيع روسيا ضمان دور حاسم في الشؤون السورية، بما في ذلك حق الاعتراض على أي مشاريع لمد خطوط أنابيب يمكن أن تهدد مصالح موسكو.

صحيحٌ أن هناك أسباب أخرى إضافية تقف وراء إرسال بوتين قواته إلى سوريا، لكن يُرَجَّح أن الغاز الطبيعي كان في عقله عندما قرر فجأة اتخاذ هذه الخطوة.

حتى في ملف اللاجئين، أشار ستراتفور إلى أن الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي يجلب بعض الفوائد السياسية المحتملة. حيث وعد الزعماء الأوروبيون بعقد قمتين ثنائيتين سنويًا مع تركيا، وربما الأهم من ذلك إعادة تشغيل عملية انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي عبر فتح المفاوضات بشأن السياسة النقدية. وهي أحد فصول الانضمام القليلة الذي لم تقدم جزيرة قبرص اعتراضا بشأنها. 

ولطالما عارضت الحكومة القبرصية انضمام تركيا دون إحراز تقدم كبير في 

وأخيرا، عرض الاتحاد الأوروبي “تسريع” عملية رفع القيود على تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك الذين يزورون منطقة شنغن. ومثل إنفاق الأموال، سيتم ربط هذا أيضًا بالتقدم التركي في تنفيذ التدابير الحدودية والتقييمات المستمرة. 

وفي توقعاته لمستقبل العالم في 2016، قال ستراتفور: هذا يجعل اندفاع تركيا لمتابعة مشاريع الطاقة في أذربيجان والمناطق الكردية في العراق أكثر إلحاحا. وسوف تكون تركيا أيضا مجبرة أكثر على تحقيق تقدم في المفاوضات حول إعادة توحيد قبرص لشق طريقها صوب مشاريع الطاقة شرق البحر المتوسط.

(6)

يكاد المحللون والمراقبون للشأن المصري يتفقون على أن الانقسام الداخلي يعوق التسوية أو الحسم، سواء في صفوف المعارضة، أو داخل النظام.

على سبيل المثال، يرى موقع ميدل إيست بريفنج أن هناك معسكران داخل الإخوان: (1) يقول أحدهما إن استمرار التكتيكات العنيفة الحالية سيضعف الجماعة أكثر، وبالتالي سيحرمها من فرصة التفاوض المثمر مع النظام. هذا المعسكر يدعو إلى المصالحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة بناء المنظمة من جديد. (2) في مواجهة هذه الرؤية، يوجد معسكر آخر، قِوامه الشباب، يستشرف تحوُّلا في الأفق ضد السيسي، ويحث على الصبر انطلاقًا من رفضه لأي “استسلام” متسرِّع. وتوافق أغلبية شباب الجماعة على استمرار تكتيكات المواجهة لمحاربة النظام، وهم يعتقدون أن الوقت في صالحهم، لا في مصلحة السيسي.

وفي المقابل، هناك توجهان متشابهان داخل النظام، ليسا متعلقان مباشرة بالجماعة لكنهما ذوا صلة بموقفها الشعبي: (1) تقديرات النظام مفادها أن عقد صفقة مع الجماعة يعني استسلام المجموعة وقبولها بالحدود التي ترسمها السلطات لمجالات أنشطتها. (2) لكن هناك بعض وجهات النظر في أوساط الشريحة العليا من المسئولين المصريين تدعو لمزيد من المرونة من جانب النظام. لكن أولئك الذين يعتقدون أن المصالحة سياسة حكيمة يمثلون أقلية صغيرة. بينما الغالبية من المؤسسات والمسئوليين المعنيين لا يريدون أن يرو الإخوان مرة أخرى على المسرح السياسي.

كما أن تضارب أجندات الحلفاء مضيعة للفرص. إذ تنهمر الدلائل تترى منذ وقت مبكِّر على أن التوصل إلى تسوياتٍ مُستدامة في المنطقة، سوف يتأخَّر. ومردُّ ذلك إلى أسباب كثيرة، أحقرها: تضارب الأجندات الإقليمية التي أهدرت فرصًا ذهبية كان بالإمكان استغلالها لوقف شلال الدم في أكثر من بقعةٍ منكوبة. وهو ما يُرَجَّح أن يستمر لفترةٍ أطول، اللهم إلا إذا تأمَّل الفاعلون الرئيسيون كُلفة تقاعسهم الباهظة، واقتنعوا أخيرًا بأنَّ دورهم قادم حتمًا، إن لم يُصَوِّبوا مسارهم ويصححوا أخطاءهم.

/

“دعونا لا نتفاوض أبدًا بدافع الخوف. بل دعونا لا نخشى التفاوض على الإطلاق”. (جون. ف. كنيدي، خطاب التنصيب- واشنطن- 20 يناير 1961).

/

ويظل استنبات الثقة في أرض الخيانة هو أكبر عقبات المفاوضات. فليس أكثر انتشارا في المنطقة اليوم من الشعور بالخيانة: الجميع تقريبا يشعر أنَّه وقع ضحية خيانة حدثت، أو يترقب خيانة تلُوح في الأفق.. بدءًا من الحكام وصولا إلى الشعوب، لا يُستثنى من ذلك أحد تقريبًا؛ سواء كان مسلحًا أو سلميًا، قويًا أو ضعيفًا.

بل لمَّا كثُرَت الاختبارات، وثقلت الأعباء، وتكالبت الجراحات، وبُليَت سرائر، وبعُدَت على البعض الشُّقة؛ تسلَّل مثل هذا الشعور إلى قلوب الخواصّ، حتى تغلغل في صميم العلاقات بين أقرب الناس، فعشَّش في كياناتٍ وقرى وبيوت، ولا أدرى هل باض وفرَّخ أم ليس بعد- شكَّ الكاتب- حتى امتلأت القلوب مرارةً تضطرم تحت رماد الصمت.. مؤقتًا!

نتج عن ذلك كله أزمة ثقة؛ سيكون اجتيازها ليس فقط تحديًا لجهود تسوية الصراعات المستعرة، ولكن أيضا عقبة كأداء يلزم اجتيازها للانتقال من مرحلة الهدم إلى البناء. ألم تر- مثلا لا حصرًا- أن الشكوك السعودية العميقة إزاء نوايا طهران هي التي تقود سياسة المملكة في كثير من الملفات.

ومن أخبركَ يومًا بأنَّ الثقة يمكن أن تُمنَح فقد كَذَبَك. إنما تُكتَسَب، واكتسابها صعب، وأصعب منها استعادتها بعد خيانة.. والخبر الجيد في هذا كله، أنَّ مصطلح “الثقة”، بعدما مرَّ باختباراتٍ شاقة، ستُعاد صياغته من جديد؛ ليتناسب مع فداحة المصاب، وليليق بالدروس التي حُفِرَت في القلوب بالدم.

وعلى عِظَم فضل التغافل عن السفاسف، فإنَّ أخشى ما يُخشى على العرب في قابل الأيام: النسيان؛ فإنما هو آفة هذه المنطقة البائسة من العالم.

بل ذهب ستراتفور إلى ما هو أبعد؛ إذ رأى أنّ أزمة المصداقية دولية الطابع، وستخيم على العالم كله خلال الشهور المقبلة: مصداقية أمريكا في الشرق الأوسط والمناطق الروسية والمحيط الصيني- مصداقية موسكو في الأوساط الأوروبية- مصداقية الحزب الشيوعي الصيني- مصداقية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مواجهة الأزمات الأوروبية المعقدة- مصداقية حكومتي تركيا وفنزويلا في الداخل- وصولا إلى المصداقية بين الدول الكبرى والنامية فيما يتعلق بالتغير المناخي.

لا أحد يصدق أحدًا (حرفيًا).. وهذه ستكون أكبر معضلة في طريق أي تسويات مستقبلية، وأي شراكات لاحقة. والخبر الجيد: أنَّ صفوف الخصم تعاني من الداء العضال ذاته، ولدى الشعوب من أدوات الشفاء، والدوافع، ما ليس لديه.

من أجل ذلك اقترح الدبلوماسي الإيراني السابق والأكاديمي سيد حسين موسويان، مجموعة بدائل في مقال نشره موقع طهران تايمز تحت عنوان “لماذا يعتبر تجسير الفجوة بين إيران والسعودية أمرًا حيويًا من أجل السلام في سوريا والمنطقة”:

(1) محادثات رسمية رفيعة المستوى بين وزراء الخارجية وغيرهم من كبار ممثلي الحكومات المعنية. وللأسف لا تُظهِر الحكومة السعودية تقبلا لهذا الخيار في هذه المرحلة

(2) البديل الثاني هو تواصل المسئولين السابقين والشخصيات الحكومية غير البارزة والخبراء لمناقشة حزمة إجراءات تهدف إلى بناء الثقة والتحرك صوب طاولة الحوار الرسمية. وبالفعل بذلت جهود على هذا الصعيد، لكن من الأهمية بمكان توسيعها بشكل كبير.

(3) ثمة طريقة أخرى للهروب من ضغط المفاوضات العامة، وتتمثل في تبادل البلدين مبعوثًا خاصًا، لعقد اجتماعات سرية رفيعة المستوى لمناقشة تفاصيل الخلافات. وقد سبق لي المشاركة في خطوات مشابهة خلال منتصف التسعينيات باعتباري دبلوماسيًا بارزًا ومستشارا للرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني؛ تمخضت عن اتفاقات مهدت الطريق لعلاقات ودية بين البلدين استمرت حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية.

قريبًا من هذا المعنى، كتب محمد الشامي في معهد تشاتام هاوس: ينخر انعدام الثقة في عصب العلاقة بين الأطراف خلال جولات المفاوضات المختلفة في اليمن. وغالبا ما تفرض القوى الوطنية الأقوى همينتها على نتائج المفاوضات، مثل: المؤتمر الشعبي العام، والحوثيين، والتجمع اليمني للإصلاح، كما تتأثر بدول أخرى، خاصة المملكة العربية السعودية وإيران.

واستخدمت هذه الجهات المفاوضات لكسب دعم وسائل الإعلام والجمهور، بدلا من العمل للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف. كما استخدمت هذه القوى الإقناع والإجبار مع المجتمعات المحلية للحصول على الدعم، مستغلة احتياجاتها للخدمات الأساسية، مثل: المياه والكهرباء والوقود والغاز والأمن.

(7)

والتفاوض يكون أحيانا أفضل الخيارات السيئة. حيث يذهب البعض إلى أن التفاوض مع إيران كان أفضل الخيارات السيئة، حيث نفى هاردن لانج وشلومو بروم في ناشيونال إنترست عدم وجود خيار أفضل من التوصل إلى تسوية تفاوضية: “البديل الوحيد المتاح للدبلوماسية هو توجيه ضربة عسكرية في نهاية المطاف. وحتى إذا نجحت الضربة، فإنها ستؤخِّر البرنامج النووي الإيراني سنتين أو ثلاث فقط، وهي الفترة الأقل بكثير من تلك التي وفرتها الصفقة”. 

وأضافا: “بعد الضربة، يُرَجَّح أن تستحث إيران الخطى باتجاه القنبلة عن طريق إعادة بناء برنامجها النووي باستخدام مرافق أكثر تأمينًا. كما سينهار التوافق الدولي بشأن فرض العقوبات، وسينتهي المطاف بإيران وقد امتلكت برنامج أسلحة نووية، وخففت العقوبات ضدها بحكم الأمر الواقع، وهي النتيجة الأسوأ من أي شيء آخر”.

هذا يفسر إعادة (أوباما) تقديم المفاوضات مع الخصوم باعتبارها أداة رئيسية للسياسة الخارجية. وفي حين أن الاتفاق النووي الإيراني قد يكون معيبًا، فإن الفكرة ستسمر، وستتعزز إذا تكلل الاتفاق بالنجاح، على حد قول ألين ل. كيسويتر في ميدل إيست إنستيتيوت.

/

“الاتفاقيات الناتجة عن مفاوضات- وهي الطراز الوحيد الذي تم يتوصل إليه في أوقات السلم- هي تنازلات من حيث التعريف”. مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، برنت سكوكروفت)

/

كما أن محدودية الخيارات تجبر على التفاوض. وآية ذلك اتفاق إعلان المباديء بين مصر والسودان وإثيوبيا، الذي علق ستراتفور عليه بالقول: إن مصر وجدت نفسها مضطرة للتفاوض حول سد النهضة حيث إن خياراتها باتت محدودة بعد اكتمال 40% من المشروع.

وفي حالةٍ مشابهة، رجَّح ستراتفور ألا تشهد السياسة السعودية حيال الإخوان تغيرا جذريا لكن النبرة العدائية قد تهدأ في ظل حاجة المملكة لتدشين تحالف سني لمواجهة خطر تنظيم “الدولة”.. هذا يشير إلى أن وجود مساحة للتفاوض لكنها ليست بالمرونة ولا بالاتساع الذي أشار إليه البعض فور تولي الملك سلمان مقاليد الحكم.

ولأن المصالح تجعل المستبعد ممكنا؛ لم يستبعد ستراتفور أن تتخلى مصر وتركيا عن بعض خلافاتهما؛ من أجل مصلحتهما، مستندة إلى معلومات حصلت عليها من مصادر قريبة من المفاوضات الجارية برعاية سعودية أن المستقبل القريب قد يشهد اتفاقا بين البلدين، تلغي مصر بموجبه أحكام الإعدام الصادرة بحق قيادات الإخوان في مقابل اعترافٍ رسمي بحكومتها.

ورغم أن المصريين يحرصون على تجنب لعب أي دور في سوريا يساعد في الوصول إلى حل تفاوضي أوسع يدمج المتمردين المعتدلين مع القوات السورية الموالية للنظام، يعمل السعوديون بجد لتغيير هذه الظروف، ومواءمة موقف مصر للاصطفاف مع موقفهم. وفي هذا السياق قام السعوديون بتقوية العلاقات مع مصر عبر عدد من المشروعات الاقتصادية، ويتطلعون إلى إصلاح العلاقات المصرية-التركية.

كما أن المفاوضات قد تكون بديلا للانفجار. ففي تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب بعنوان “المفاوضات مع حماس حول اتفاق طويل الأجل”، قال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد شلومو بروم إن التقارير المتفائلة بشأن الاتفاق الوشيك بين إسرائيل وحماس حول اتفاق طويل الأمد تتعلق إلى حد كبير بمصالح العديد من الجهات الفاعلة التي تضطلع بالتواصل مع الجانبين. محذرًا من الوضع في غزة “قنبلة موقوتة؛ سوف تنفجر في نهاية المطاف”، ناصحًا إسرائيل باتخاذ إجراءات لتحسين الوضع هناك قبل حدوث ذلك.

وينصح كثيرون بأن توسيع نطاق المشاركين في المفاوضات ضرورة للنجاح وضمانة للاستدامة. فخلال ندوة استضافها برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، تحت عنوان “اليمن بين الحرب والحل السياسي، نصح الناشط الشبابي والمدرب الحقوقي محمد الشامي بألا تقتصر المفاوضات على الحكومة والمتمردين الحوثيين، وشدَّد على أن الحل الدائم ينبغي أن يتضمن إشراك كافة الأطراف، بما في ذلك المجتمع المدني.

هذا المعنى ذاته أكدت عليه توصيات مجموعة الأزمات الدولية يوم 24 سبتمبر، إلى المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني والحكومة اليمنية والداعمين الدوليين للمرحلة الانتقالية (بما في ذلك المبعوث الخاص للأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء).

وشملت التوصيات التي جاءت تحت عنوان “قضية اليمن الجنوبي: تَجَنُّب الفشل”: إشراك مجموعة أوسع من النشطاء الجنوبيين في المفاوضات التي ستعقد دون شروط مسبقة، خصوصاً قادة الحراك خارج وداخل البلاد. وأن تلعب دول الخليج دور أكثر فعالية في التيسير وربما الوساطة، إلى جانب الأمم المتحدة، في المفاوضات المستمرة. ودعم توسيع المفاوضات حول قضية بنية الدولة دون شروط مسبقة وبمشاركة طيف أوسع من نشطاء الحراك.

وحول دور القوى القبلية المحوري في أي متغيرات داخلية، قال ستراتفور: توجد في صفوف الحرس الوطني أيضًا العديد من الجماعات القبلية القوية، التي تعتبر مفتاح توازن القوى المحلية. وقد شهد العديد من هذه القبائل نموًا في نفوذها بموازاة صعود نفوذ الحرس الوطني، وربما تتردد في التنازل عن هذه المكانة. كما يتمتع رئيس الحرس الوطني، الأمير متعب بن عبدالله، باحترامٍ نابع من خبرته/تدريبه العسكريـ/ـة الكبيرة. وعلى الجانب الآخر، لا تعدو خبرة وزير الدفاع الحالي، ولي ولي العهد محمد بن سلمان، إشرافه على عاصفة الحزم في اليمن. وعليه سيحتاج الملك سلمان إلى التفاوض بحرص على أي إصلاحات لتجنب الإساءة إلى هذه القوى القبلية.

/

إذا تولَّت النساء إدارة العالم لن يكون لدينا حروب، فقط مفاوضات مكثفة كل 28 يومًا. (الممثل الكوميدي الأمريكي، روبن ويليامز)

/

ورأت صحيفة الجارديان أن “محادثات السلام السورية سيكون لديها فرصة أفضل مع إضافةٍ رئيسيةٍ واحدة: المرأة”. قائلة: “تفاجأ قليلون من انهيار عملية السلام. وأقلهم نساء سوريا اللواتي استُبعِدنَ إلى حد كبير من كافة مراحل المفاوضات”.

وأضافت الصحيفة البريطانية: “رغم أن الناشطات في حلب لم يشاركن في جنيف، إلا أنهن لم ينتظرن لتلقي دعوة لدفع عملية السلام والأمن في الداخل: تطوعن في المستشفيات الميدانية تحت القصف، وواصلن تشغيل المدارس، والدفاع عن حقوق الفتيات”.

وتساءلت الصحيفة البريطانية: “هل يجد احترام إنسانية المرأة السورية مكانا على طاولة المفاوضات حينما تُستأنَف عملية السلام مرة أخرى الشهر المقبل؟”. ونقلت الصحيفة البريطانية عن الناشطة السورية “ميمونة” قولها: ” عندما بدأنا الثورة السورية، كانت أيضا ثورة نساء. وحينما ستضع الحرب أوزارها، سوف تظل إنجازات المرأة باقية”.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…