الرئيسة في العمق الموت لأمريكا.. التنافس السني-الشيعي وإعادة ترتيب الشرق الأوسط (1/2)

الموت لأمريكا.. التنافس السني-الشيعي وإعادة ترتيب الشرق الأوسط (1/2)

4 second read
0

جوزيف ف. ميكاليف

ترجمة: علاء البشبيشي

لعشرين يومًا خَـلَـت من يناير 2015، هاجم المسلحون الحوثيون من جماعة أنصار الله القصر الرئاسي في صنعاء، وبعدها بيومين قدَّم الرئيس عبدربه منصور، ورئيس الوزراء خالد بحاح، استقالتهم إلى البرلمان اليمني. ولستٍ مَضَيْن من فبراير، أعلن الحوثيون أنهم حلَّوا البرلمان وشكلوا لجنة ثورية، بقيادة محمد علي الحوثي، تتولى السيطرة الكاملة على الحكومة.

هذا الانقلاب؛ يعتبر تتويجًا لحربٍ أهلية استمرت طيلة أربع سنوات، وإن كانت جذورها تمتد إلى عام 2004، حين استولت مليشيا الحوثي على الجانب الشمالي الغربي من اليمن، إلى جانب العاصمة صنعاء؛ وبالتالي سيطرت بحكم الأمر الواقع على بقية البلاد.

الهوى شيعي

وينتمي الحوثيون إلى الطائفة الزيدية الشيعية. صحيحٌ أن الزيدية هي طائفة يمنية فريدة، تشكل نحو ثلث السكان، لكنها تشترك في العديد من أوجه التشابه مع المجتمعات الشيعية في إيران والعراق، كما أنها تحظى بدعمٍ قوي من إيران؛ التي تقول حكومة هادي: إنها زودتها بالمال والسلاح، فضلًا عن التدريب الذي قدمته عبر قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، ومليشيات حزب الله، في قاعدة سرية على الأراضي الإريترية. وتقول الحكومة أيضًا: إنها تمتلك أدلة على أن عددًا من شحنات الأسلحة التي استولت عليها الحكومة، بينما كانت متوجهة إلى الحوثيين، منبعها إيران. وإن كانت الحكومة الإيرانية وحزب الله قد أنكرا هذه الاتهامات.

انتكاسة أمريكية

أما حكومة هادي فتعتبر شديدة الموالاة لأمريكا، وتتعاون بنشاط مع الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم القاعدة. ويُقال: إن أمريكا تدير “قاعدة سرية” تنطلق منها هجمات الطائرات بدون طيار ضد مليشيات التنظيم وكذلك جماعة أنصار الشريعة المرتبطة به. هذا الطراز من الطائرات، الذي استُخدِمَ في هجوم عام 2011 ضد أنور العولقي، زعيم تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، انطلق في الواقع من قاعدة جوية تديرها وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) في المملكة العربية السعودية. بيدَ أن الأمر لم يعد سرًا بعد الآن، حيث بإمكانك العثور عليها من خلال خرائط جوجل، عبر الحدود مع اليمن. أما الإشارات الإعلامية لـ”قاعدة اليمن الجوية” فقد تشير إلى مركز قيادي أمامي يستخدم لتنسيق الهجمات، ولا تعني منشأة تنطلق منها الطائرات بدون طيار بالفعل. بالإضافة إلى ذلك تمتلك الولايات المتحدة قوات خاصة تتمركز في اليمن. ومن ثمَّ كان يُنظَر إلى الإطاحة بحكومة هادي باعتبارها انتكاسة كبيرة للمصالح الأمريكية في اليمن، وخصوصًا للحرب السرية التي كانت تشنها ضد القاعدة في جزيرة العرب.

السرّ نقيض العلن

بعد الانقلاب، أغلقت أمريكا وعدد من الدول الأوروبية سفاراتها وسحبت دبلوماسييها. بل سارع موظفو السفارة الأمريكية بالرحيل عبر مطار صنعاء الدولي على متن رحلات دولية – كيفما اتفق- بدون حجز مسبق. واضطر حراس الأمن البحري التخلي عن أسلحتهم قبل السماح لهم بالرحيل، فيما استولى مسلحو الحوثي على سيارات السفارة التي تُرِكَت في المطار. ورغم ذلك لم تُمَسَ السفارة، وعلى الأقل نجا الدبلوماسيون الأمريكيون من الإهانة، فلم يُساقوا معصوبي العينين عبر شوارع صنعاء. لكن بعد ذلك كله، ختم الحوثيون المشهد باحتفالٍ مقلق ومألوف بنجاحهم، بمظاهرات جابت الشوارع، رافعةً الشعار المقرر: “الموت لأمريكا”.

هذا ما حدث علانيةً، أما سرًا فقد أبلغ الحوثيون الولايات المتحدة برغبتهم في بقاء القوات الأمريكية الخاصة في اليمن، وأن بإمكان الولايات المتحدة الاستمرار في إدارة القاعدة السرية للطائرات بدون طيار هناك. ليس هذا فقط، بل أشاروا أيضًا إلى استعدادهم للعمل مع الولايات المتحدة في العملية الجارية ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

تحالف الأمر الواقع

ولما كان الحوثيون يسعون إلى تعزيز موقفهم في اليمن، وبالنظر إلى الخوف من أن ينزلق الموقف سريعًا إلى حرب أهلية بين الحوثيين/الشيعة والقاعدة في شبه الجزيرة العرب/ السنة؛ فلا غروَ أن يسعى الحوثيون إلى عقد تحالف هادئ مع الولايات المتحدة، بل يصبح ذلك منطقيًا إلى حد كبير.

أما التجمعان الرئيسيان الآخران في اليمن، وهما: الحراك الجنوبي العلماني الماركسي، والقبائل السنية التقليدية في الشرق والوسط، فمن غير المرجح أن تقدم الكثير من المساعدة في الحرب ضد القاعدة. وعليه وجدت نفسها الآن تفكر في تحالف الأمر الواقع مع مجموعة محافظة مليشوية شيعية تدعمها إيران، مثلما فعلت سابقًا مع المليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران.

إعادة اصطفاف سياسي

وتؤكد هذه القضية وجود اتجاه أوسع بكثير، يكتسب زخمًا متزايدًا باطراد في الشرق الأوسط، لإعادة الاصطفاف السياسي على طول المحور السني-الشيعي في المنطقة. فخلال جزء كبير من تاريخ الشرق الأوسط ما بعد الحرب، كانت السياسات الإقليمية تدور في إطار تنافس الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. لكن الصراع العربي-الإسرائيلي سرعان ما أصبح محور التنافس بين وكلاء السوفييت والأمريكيين، الذين يصطفون خلف رُعاتِهم. فبعد مغازلة قصيرة للاتحاد السوفيتي، سرعان ما تحولت إسرائيل إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة. فيما وجدت دول “خط المواجهة” العلمانية الاشتراكية، مثل: مصر وسوريا، أرضية مشتركة مع موسكو. أما النظام الملكي الأردني، الذي لم يشعر بالارتياح يومًا مع خطاب الكرملين الشيوعي، لكنه بارع في المناورات بين القوى العظمى المتنافسة، فقد نجح في أن يأكل على كافة الموائد. كما حدثت اصطفافات مماثلة، كانت مستقرة بشكل ملحوظ رغم الصراعات التي لم تكن أقل دموية، على الصعيد السوري-اللبناني، العراقي-الإيراني، العراقي-الكويتي، والحروب الأهلية في إثيوبيا والصومال واليمن.

الانتقال بين المعسكرات

ومن وقتٍ لآخر، قد تنتقل الدول بين المعسكرات؛ مثلما تحوَّلت مصر من المعسكر السوفييتي إلى الأمريكي؛ بعد اتفاقية كامب ديفيد، وانتقلت إيران من المعسكر الأمريكي إلى (أقل أو أكثر) نظيره السوفييتي في أعقاب الثورة الإيرانية، وتحوَّلت إثيوبيا من المعسكر الغربي إلى السوفيتي قبل أن تعود مرة أخرى إلى المعسكر الغربي، وانتقلت الصومال من المعسكر السوفيتي إلى المعسكر الغربي، قبل أن تنزلق إلى الفوضى.

تحوُّلات تاريخية

وبشكل عام، أثبتت هذه الترتيبات أنها طويلة العمر، وتستمر عادة لعقود، كعادة حكومات الشرق الأوسط وحكامه. وغالبًا ما يشير المؤرخون إلى “نقاط تحول” تاريخية، يكون لها تأثير كبير، بشكل غير متناسب، على البلد أو المنطقة. هذا النوع من الأحداث هو الذي “أعاد ترتيب المسار التاريخي في المنطقة” بطريقة جديدة وغير متوقعة على الإطلاق. بيد أن أهمية هذه النقاط/الأحداث لا تظهر إلا بعد سنوات من وقوعها.. هكذا علمتنا الخبرات السابقة.

وخلال السنوات الأخيرة أصبح من الواضح أن هناك نقطتي انعطاف هامتين في تاريخ الشرق الأوسط الحديث:

الأولى: كانت الثورة الإيرانية عام 1979؛ التي استبدلت بالحليف الغربي حكومة مليشوية معادية للغرب ولأمريكا، ليس هذا وفقط، لكن الأهم أنها بشرت بصعود المذهب الشيعي السياسي، الذي يجمع بين قوة دولة كبيرة وغنية بالنفط، وأجندة سياسية مليشيوية شيعية الهوى.

الثاني: الغزو الذي قادته أمريكا للعراق عام 2003، وأسفر عن سقوط حكومة صدام حسين، الذي كان يعتبر تهديدًا وجوديًا لإيران، لكنه استعاض عن ذلك بحكومة موالية للشيعة، أثبتت أنها محور النفوذ الإيراني، عبر العراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية، الذي أصبح يطلق عليه “الهلال الشيعي/النفوذ الإيراني”، ويعتبر أحد المظاهر الواضحة لـ”إحياء الشيعة”.

* اقرأ في الجزء الثاني:

– 3 حروب أهلية في العراق وسوريا واليمن واضطرابات متنامية

– تنافس على الزعامة السنية بين السعودية وتركيا

– عيوب الاستراتيجية الأمريكية؛ فوائد لروسيا والاتحاد الأوروبي

– استراتيجية “القاعدة” و”الدولة” لكسب الجهاديين حول العالم

– فرص وتحديات تواجه أمريكا في خضم التنافس السني الشيعي.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران …