شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي بوفاته، عاد السياسي العراقي أحمد الجلبي مرة أخرى إلى الأخبار: المنتقصون منه يعربون عن غضبهم حيال تلفيقه معلوماتٍ استخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي يُفتَرَض أنها خدعت واشنطن، وجعلتها تخوض الحرب. أما المؤيدون فيزعمون أنه كان معارضًا بطلا، لم يضيع أبدًا الفرصة لتحويل بلاده المضطربة إلى جنة. لكن القصة الحقيقية التي غابت عن كلا الفريقين، أن السيد الجلبي لم يكن السبب وراء الحرب، بقدر ما كان مساعدًا مواتيًا لشنها. كان الحل لمشكلات أمريكا، وليس مشكلات العراق. وحتى إذا لم يكن موجودًا أصلا، كان داعموه سيستحضرون بديلا ليخدم ذات الغرض. منذ توليها مسئولية تأمين منطقة الخليج الغنية بالطاقة في عام 1980، واجهت الولايات المتحدة تحديًا يتمثل في: كيفية حماية مجلس التعاون الخليجي من الديكتاتوريات الأقوى في الشمال، أي: العراق وإيران. وحينما غزا صدام حسين الكويت، في عام 1990، أصبح الوضع حادًا، وألزمت واشنطن نفسها بدحر قواته، فشنت حرب الخليج في العام التالي. لكن بمجرد تحرير الكويت، ظلت إدرة الرئيس جورج دبليو بوش عالقة مع المشكلة الأصلية المتمثلة في حماية دول مجلس التعاون الخليجي من الهجمات المستقبلية. صحيحٌ أن أحدًا لم يرغب في المضي قدما إلى بغداد واقتلاع أنياب العراق، لكن أيضًا لم يكن أحد يريد ترك حامية كبيرةٍ ودائمة في الخليج مثل تلك التي أبقتها الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية. من أجل ذلك، اخترعت الإدارة خيارًا ثالثًا، مُقْنِعَةً نفسها بأن بعض الشخصيات العسكرية العراقية غير المعروفة ستطيح بالسيد صدام بعدما خسر الحرب، وتحافظ على النظام، وتكون بمثابة حليف سلطوي آخر يُعتَمَد عليه في المنطقة. لكن لم يظهر مثل هذا الشخص، حيث تمكن السيد صدام من قمع انتفاضات ما بعد الحرب، فتورطت واشنطن على مضض في التزامٍ على الطريقة الكورية كانت تسعى إلى تجنبه. ورثت إدارة كلينتون هذه السياسة، وحافظت عليها طيلة ثماني سنوات. لكن سياسة الاحتواء كانت لها سلبيات واضحة: مكلفة، ومحفوفة بالمخاطر، وتهدف إلى التعادل وليس الفوز، وأسهمت في معاناة رهيبة بين أبناء الشعب العراقي. من أجل ذلك، ظل الجمهوريون، وحتى بعض الديمقراطيين، يطالبون بالبديل، لكن بالطبع ليس بديلا ينطوي على خيارات أسوأ من ترك يد السيد صدام طليقًة، أو استعمار العراق. دخل السيد الجلبي، وقدم حلا. ووعد أن فريقه من العراقيين في المنفى- بقليل من المساعدة- سيحلون كافة مشاكلنا. كانوا سيبدأون انتفاضة تتصاعد ككرة الثلج، وتحشد قوتها من توافد العراقيين المظلومين للوقوف تحت راياتها، وصولا إلى الإطاحة بالسيد صدام، وتشكيل حكومة جديدة ديمقراطية، ورأسمالية، وموالية للولايات المتحدة، وحتى مؤيدة لإسرائيل. كان هذا العرض جيدًا جدًا لدرجة تعذُّر تطبيقه. بل في الواقع، تعامل المحترفون من أجهزة الأمن القومي البيروقراطية في الولايات المتحدة مع العرض، والسيد الجلبي، بازدراء. أو كما قال الجنرال أنتوني زيني، قائد القيادة المركزية، في عام 2000، مشيرًا إلى الفشل الذريع في خليج الخنازير: “كان العراقيون في المنفى يتعهدون بتحقيق شيء مستبعد الحدوث. سوف يقودوننا إلى خليج الماعز”. لكن السيد الجلبي كان ذكيًا. وأخبر منتقدي الإدارة بما أرادوا سماعه: يمكنكم التخلص من سياسة الاحتواء والسيد صدام بدون أي تكلفةٍ أو جهدٍ أو التزام مستقبلي يُذكَر. ومثل مشاهدي الإعلانات السُذَّج، لم يستطع مؤيدوه الأمريكيون مقاومة الإغراء. ثم تولى جورج دبليو بوش السلطة، ولأنه كان عازما على نبذ سياسات العراق التي انتهجها والده وكلينتون، فقد ملأ المستويات العليا في إدرته بمؤيدي السيد الجلبي. ثم وقعت هجمات 11 سبتمبر. فقرر مسؤولو إدارة بوش- الذين ملأوا الفضاء ضجيجا لسنوات بشأن الخطر الذي تمثله العراق، وأقنعوا أنفسهم بأن هذه المخاطر يمكن القضاء عليها بسهولة وبثمن بخس- التحرك ضد السيد صدام بمجرد الانتهاء من أفغانستان. لكن الجيش الأمريكي رفض مجاراة خطط المنفيين العراقيين المثيرة للسخرية بشأن التمرد المتصاعد، وأصروا على مسار أكثر ثباتا يتمثل في الغزو المباشر. لكن لا أحد في واشنطن، سواء من العسكريين أو المدنيين، أراد تحمل مسؤولية حكم العراق بعد ذهاب السيد صدام، لذلك لم يُصَدَّق على هذه المهمة. أما التفاصيل فتم العمل عليها في وقت لاحق (ربما بما في ذلك دور الجلبي). الجميع يعرف النتيجة: بدأ العراق، الذي تُرِك دون معالجة، في الانهيار. وتحت وطأة الشعور بالهلع، ارتجلت إدارة بوش احتلالًا تحت سلطة الائتلاف المؤقتة، وحكم بول بريمر الثالث. لكن استراتيجية “بصمة القدم الخفيفة” التي انتهجتها الإدارة، وعدم التخطيط لما بعد الحرب؛ تسبب في أضرار، حيث تصاعدت الفوضى في البلاد، دون أن تتعافى منها تماما أبدًا. لذلك، نحِّ جانبا المعلومات الاستخباراتية المشكوك فيها حول أسلحة الدمار الشامل (فلم يكن الخطأ كله يعود إلى السيد الجلبي)، وانسَ الأوهام التي تُصوِّر الجلبي كما لو كان جورج واشنطن العراق. كان دور الجلبي يقتصر على المساومة، والترويج لتفكير لسحري عبر طمأنة صناع السياسة الأمريكيين بأن بإمكانهم الحصول على كل شيء، دون أن يضطروا إلى اتخاذ الخيارات الصعبة التي تنطوي عليها السياسة الخارجية في العالم الحقيقي. ربما لم يعد السيد الجلبي في الجوار، لكن أمثاله ما يزالون على قيد الحياة. ولسوء الحظ، في كل دقيقة يولد مصاصون جدد.