مجتمع كاريل ميرفي: رياح الإصلاح تتحدى الأحادية الدينية في السعودية لـ العالم بالعربية منشور في 5 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة وعرض: علاء البشبيشي هذا هو المقال الأول من سلسلةٍ خُماسيّة عن الداخل السعودي للصحفية المستقلة المقيمة في الرياض كاريل ميرفي؛ تتحدث فيه عن المشهد الديني الأحادي الذي تحتكره العائلة المالكة السعودية للحفاظ على مصالحها، وكيف تثبَّط هذه القبضة الرسمية الإبداع، وتعيق حتى برامج التحديث الحكومية، لكن الكاتبة في المقابل تستشرف رياحًا إصلاحية تهبٌّ في الأفق، قِوَامها الشباب، ووقودها الوعي. تخوض المملكة العربية السعودية غِمَار تَحَوُّلٍ اجتماعيّ بطيء، لكنه كبير؛ قِوامُه “طفرة شبابية” غير مسبوقة بلغت سن الرشد. وينطوي هذا التحول على تغيُّرات في المواقف الدينية لدى الأشخاص العاديين، فضلًا عن التحولات التي شهدتها العلاقة بين آل سعود والمؤسسة الدينية الرسمية. وهكذا وَلَّى الزمن الذي كان بإمكان الدولة فيه استخدام الدين- بدلًا من القمع السافر- لفرض سلوك اجتماعي موحد وعرقلة العمل السياسي. بين الأمس واليوم في العشرينيات من عمره، كان حمزة السالم يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويريد إغلاق البنوك؛ استنادًا إلى تحريم الإسلام للفائدة، ويتعهد بتجنب السفر إلى البلدان غير المسلمة. يومها “كان نقيًا، ووهابيًَا صميمًا”، على حد وصفه، لكنه اليوم، وقد بلغ الـ 48، ينتقد علانية طريقة تطبيق الوهابية- الرواية الرسمية للإسلام في المملكة- والدور الذي يلعبه رجال الدين مستغلين نفوذهم الكبير في الحياة العامة، ويرى أن السعودية الآن تشهد نسخة أرثوذكسية من الإسلام، مُكَافِحَة للفكر ومُكَبِّلة للإبداع ومُعوِّقَة حتى لبرامج التحديث الحكومية. لا يعني ذلك أن السالم يريد التخلي عن الوهابية، بل يريدها أن تؤتي ثمارها بما يعكس روح الإسلام الحقيقية كما كانت على عهد النبي محمد. وهذا يعني- من وجهة نظره- إزاحة الوسطاء بين المسلم وربه، وترك الناس أحرارًا في الاسترشاد بالأحكام الشرعية الإسلامية التي تراكمت على مدار 14 قرنًا من الزمان لإصدار أحكامهم الأخلاقية الخاصة على ما هو حق وباطل، وليس إجبارهم على التقليد بخنوع. ويردف السالم: “أنا أقول دومًا إن الفكر الوهابي ممتاز. إنه بالضبط النمط الذي أراد النبي محمد أن يطبقه المسلمون”. لكنه يؤكد أن المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة لم تطبقه بشكل صحيح؛ ويُرجِع ذلك إلى “طريقة تفكيرهم، وإعادة تدويرهم للفتاوى القديمة”. تجاهل رسمي ما يقوله السالم ليس سوى غيضٌ من فيض النقد الموجه للمشهد الديني في المملكة العربية السعودية، وما الرجل إلا أحد الشخصيات الدينية والفكرية المعاصرة التي تتحدى الوهّابية، أو بالأحرى كيفية تطبيقها. وهؤلاء ليسوا روادًا، ولا يعزفون سيمفونية واحدة، بل تتنوع انتقاداتهم ما بين سياسية ودينية، ترتدي تارةً ثوب كتب مطبوعة، وأحيانًا أخرى تطير على جناح تغريداتٍ تويترية، وهم في الغالب أصوات منفردة، يكاد التواصل بينهم يكون منعدمًا. لكن جهودهم تبلورت في عريضة مُفَصَّلة، أُرسِلَت عام 2003 إلى ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز، تطالب بإصلاحات سياسية تشمل إجراء انتخابات وسيادة القانون وحرية التعبير والتجمع. لكن عبد الله حين أصبح ملكًا بعدها بعامين تجاهل هذه المطالب السياسية، لكنه أطلق إصلاحات تعليمية، وأرسل الآلاف من السعوديين للدراسة في الخارج، وخفف القيود المفروضة على الصحافة، وكبح جماح الشرطة الدينية جزئيًا، وسمح للمرأة بدور أكبر في مكان العمل والحياة العامة. بيدَ أن هذه التحركات لم تحظ بشعبية في أوساط كثير من رجال الدين، الذين لم يعجبهم أيضًا رؤية اجتماع الملك عبد الله مع البابا بنديكتوس الثالث عشر في عام 2007، واستضافة مؤتمر حوار الأديان في إسبانيا. ونتيجة لذلك تجاهل ديوان الملك عبد الله حاملي لواء الوهابية، سواء كانوا من رجال الدين المستقلين أو المعينين من قبل الدولة، وفي المقابل فقدت هذه السلطات الدينية المصداقية في السنوات الأخيرة، خاصة في أوساط الشباب السعودي، الذي يرى أن فتاواهم الدينية منفصلة عن الواقع. رياح الإصلاح ومع انتشار الإنترنت، جذبت هذه الانتقادات- الموجهة للنسخة الرسمية من الإسلام في السعودية- جمهورًا أكبر، فتفتحت العقول وذابت عزلة المملكة. لكن أصحاب هذا التوجه لا يزالون يواجهون خطر الانتقام، بحسب جرأة كتاباتهم وحجم جرعتها السياسية (لم يتعرض السالم لأي إجراء انتقاميّ رغم انتقاداته العلنية، ربما لأنه يبتعد عن السياسة). ولأن التيارات والمؤسسات الدينية لا تولي اهتمامًا بحرية الإنسان وحقوق الشعب، أصبح الشباب السعودي يبحث عن الحرية والحقوق الفردية أكثر من الدين، بعدما فتح الربيع العربي آفاقه على أفكار جديدة. ويرى هؤلاء النقاد أن رجال الدين حينما يصدرون أحكامهم القاطعة على كافة التفاصيل الصغيرة في الحياة، ينشأ جيل لم يعرف في حياته شيئًا سوى التلقي (للأحكام الدينية)، وإذا لم يسمح الإنسان لعقله بالتفكير، فليس بإمكانه أن يصبح مستقلًا ولا خلاقًا أو تحليليًا. وبهذا الفهم يرى هؤلاء النقاد أنهم وهَّابيون “مائة في المائة”، وأنهم ينتصرون للوهابية الحقيقية، التي هي في الأصل امتداد لرسالة الإسلام الصحيحة، وليس النسخة الرسمية التي يتبناها آل سعود للحفاظ على مصالحهم. * صحافية مستقلة تقيم في السعودية. عملت لفترة طويلة مراسلة لصحيفة واشنطن بوست وحازت جائزة بوليتزر للمراسلين الدوليين عام 1991، وجائزة جورج بولك للمراسلين الأجانب عام 1990 عن تغطيتها لأخبار الكويت بعد الغزو العراقي وما تلاه من حرب الخليج عامي 1990 و1991. ألفت كتاب “الشغف بالإسلام” الذي يناقش الصحوة المعاصرة للإسلام وجذور التطرف الديني في الشرق الأوسط.