بعدما عُثِرَ عليه ميتًا داخل منزله في العاصمة بغداد، استقبلت واشنطن بوست خبر وفاة أحمد الجلبي (71 عاما)، إثر نوبةٍ قلبية، بتقريرٍ لـ لافداي موريس وبراين مورفي، استهلاه بالحديث عن “ادعاءاته الكاذبة حول ترسانة صدام حسين التي ساعدت في استنهاض غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003″، مرورًا بـ “إرثه السياسي المرتبط ارتباطا وثيقا بالحرب، وسنوات إراقة الدماء والاضطرابات التي تلتها”، على حد وصفهما.
وأضاف التقرير: “يرى كثيرون أنه ساعد في إطلاق شرارتها باعتباره كان مستشارا موثوقًا لصناع السياسة السياسيين والعسكريين الأمريكيين، وكان يتلقى مقابل ذلك أجرًا كبيرًا. كما أصبح اسمه مرادفًا للمعلومات الاستخباراتية الناقصة- وأحيانا الخاطئة- التي استخدمت لدعم تأكيدات الرئيس جورج بوش وآخرين حول امتلاك الرئيس العراقي أسلحة دمار شامل”.
وأشار تقرير الواشنطن بوست إلى أن دور “الجلبي” السياسي استمر برغم ذلك كله، وإن تضررت سمعته أكثر لدى المسئولين الأمريكيين على خلفية الاشتباه في عمله مع الإيرانيين خلف الكواليس، وهي التهمة التي نفاها. و”حتى خلال سنواته الأخيرة تردد اسمه كثيرًا كمرشح محتمل للقيام بأدوار قيادية (كان لا يزال حتى العام الماضي يوصف بأنه زعيم محتمل). لكن إرثه سيظل إلى الأبد مرتبطًا بغزو العراق”.
هذه الانتقادات تكررت في معظم التقارير التي نشرتها الصحف الغربية تعليقا على وفاة “الجلبي”، الذي وصفه دانيال دومبي وإريكا سولومون في فاينانشيال تايمز: بأنه “سياسي علماني، من الأغلبية الشيعية. لم تكن حياته المهنية أقل إثارة للجدل من الحرب التي كان بطلها”.
وأشار التقرير إلى “مقابلةٍ أجرتها دورية فورين بوليسي العام الماضي مع “الجلبي”، أصرَّ خلالها على أنه لم يكن مصدر المعلومات الكاذبة حول تطوير صدام حسين أسلحة دمار شامل في أوائل الألفية الثانية، ولا الاستخبارات الخاطئة التي استشهد بها بوش خلال مسيره صوب الحرب. لكن الكثير من العراقيين ما يزالون يلقون اللوم عليه لدوره في جهود اجتثاث البعث، مشيرين إلى أن ذلك كان السبب الأساسي وراء الآلام المستمرة التي تعاني منها البلاد”.
وحول تداعيات هذا الحدث، نقل التقرير عن الشيخ سمير عبيد، مستشار المجلس القبلي في شرق بغداد، قوله: “دُمِّرَ جيشنا، وواجهنا موجة من التهديدات لبقاء بلدنا، من القاعدة والآن تنظيم الدولة. ولا تزال بلدنا تكافح ضد هذا التهديد”.
فيما وصف المحلل العراقي جياد “الجلبي” بأنه “جزء من جيل سياسي يتلاشى الآن من المشهد، حيث أصبحت سيطرة الولايات المتحدة على العراق عام 2003 مجرد ذكرى بعيدة. وباعتباره احد شخصيات التاريخ العراقي الحديث، يعتبر أحد العمالقة. هكذا يراه السياسيون العراقيون، لكن معظم الناس يعتبرونه قائدًا من عصرٍ يُراد لصفحته أن تُطوى”.
وفيما ذكر التقرير الذي نشرته شبكة إن بى آر الإخبارية  أن “الجلبي” حصل على لقب “الرجل الذي دفع أمريكا إلى الحرب” بعد اكتشاف خطأ المعلومات التي زود بها الأمريكيين. اختار “بن ماتيس-ليلي” لتقريره المنشور في مجلة سليت عنوان “وفاة أحمد الجلبي محامي حرب العراق المدعوم أمريكيا والذي فقد مصداقيته عن عمر يناهز 71 عاما”.
من جانبها قالت دويتشه فيله: إنه “ترك وراءه إرثا ممزقًا، وبلدًا تسوده الانقسامات”. ووصفته وول ستريت جورنال، في مستهل تقريرها الذي أعده مات برادلي من بغداد، ومارجريت كوكر من لندن، بأنه “شخصية مثيرة للجدل، لدوره في الفترة التي سبقت وأعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003”.
أما مجلة النيوزويك فأعادت نشر تقرير رويترز الذي وصف “الجلبي” بأنه “السياسي العراقي زلق اللسان، الذي حثّ الولايات المتحدة على غزو العراق في 2003”.
ونقلت عن رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي قوله: “سيذكره البعض بالخير، لكن آخرون- لأكون صادقًا- لم يحبوا سياسته ولم يريدوها. لكن بغض النظر، خسر العراق رجلا كانت له مساهمة هامة، والتزاما هاما، تجاه الوطن، وحاول تقديم ما في وسعه لهذا البلد”.
وكذلك تصريح البرلماني العراقي مثال الآلوسي: “سعى (الجلبي) بكل الطرق لتحقيق هدف يؤمن به، وهو: إسقاط نظام صدام القمعي، وبناء دولة مدنية. سلك كل طريقٍ ممكن، سواء كان ذلك مقبولا أم لا”.
فيما استهلت الجارديان تغطيتها لخبر وفاة “الجلبي” بالإشارة إلى أنه كان الرجل المفضل لدى البيض الأبيض بعد تقديمه معلومات تدعم غزو العراق وإسقاط صدام حسين. مشيرة إلى ما نتج عن ذلك من “انهيار خطط الانتقال السياسي السلس في البلاد، ومعاناة العراق طيلة سنوات من إراقة الدماء”.
ولفت تقرير إنترناشيونال بزنس تايمز إلى أن “الجلبي” “ينتمي لعائلة شيعية عراقية بارزة، وكان على علاقة وثيقة مع عدد من الصحفيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ومستشاري الرئيس جورج بوش من المحافظين الجدد، وعدد من العراقيين في المنفى، كان معظمهم يتلقى أموالا لتقديم معلومات استخباراتية عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حسبما أفادت صحيفة نيويورك تايمز”.
وأضافت الصحيفة أنه “حصل على ملايين الدولارات من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ومع ذلك نأت إدارة بوش بنفسها عنه لاحقًا بعدما ظهر زيف الأدلة التي قدمها على امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل”.
وكتب أليكس ماكدونالد في ميدل إيست آي إن “رؤيته العلمانية، ودماثة سلوكه، جعلتاه شخصيةً معروفة في أوساط المشرعين الغربيين، بيدَ أنه لم يتمكن من بناء الاحترام ذاته في وطنه العراق”. مستشهدًا بمقابلة أجراها الجلبي مع صحيفة التليجراف عام 2004، أكد فيها أنه غير نادم على المعلومات المضللة التي قدمها، طالما أنها حققت النتيجة التي كان يرجوها. قائلا: “نحن أبطال في الخطأ. ها قد رحل الطاغية صدام، وها هم الأمريكان في بغداد. ما قيل قبلها ليس مهما. إدارة بوش تبحث عن كبش فداء”.
ولفت الكاتب إلى أنَّه برغم ذلك كله، لم يتمكن من استلام مقاليد الحكم بعد سقوط صدام، وفشل حزبه في تحقيق نتائج كبيرة عبر الانتخابات البرلمانية. ورغم التوقعات حول خلافته المحتملة لنوري المالكي في 2014، أدى افتقاره إلى القاعدة الداعمة داخل العراق في نهاية المطاف إلى تبوأ حيدر العبادي المنصب.
مستشهدًا بما كتبه المعلق ريتشارد سيمور في صحيفة الجارديان البريطانية عام 2014: “حتى بالنسبة لإدارة بوش، لم يكن الجلبي شخصا موثوقا فيه للغاية. فقد كان اسمه يُذكَر دائمًا كلما تطرق الحديث عن أموال مفقودة في العراق. وكان مقربًا جدًا للمخابرات الإيرانية، وعندما حاولت الإدارة كبح جماحه، مال لفترة وجيزة نحو التيار الصدريّ، وقرر معاداة الاحتلال الذي ساعد في جلبه”.
وأضاف “ماكدونالد”: “حتى إرثه ثبت أنه سيكون مثيرًا للجدل. فبينما يعتبره البعض شخصية عراقية بارزة أسمهمت في إنهاء حكم صدام حسين الاستبدادي، سيذكره آخروه باعتباره الرجل الذي جلب الدمار إلى العراق، وضبط أكثر من مرة متلبسًا بالفساد”.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …