الرئيسة في العمق روبرت كابلان، جورج فريدمان: لماذا يتحالف الغرب مع المستبدين في الشرق الأوسط؟

روبرت كابلان، جورج فريدمان: لماذا يتحالف الغرب مع المستبدين في الشرق الأوسط؟

3 second read
0

– لماذا يتحالف الغرب مع المستبدين في الشرق الأوسط؟
– لأن المصلحة تقتضي ذلك.
هذا باختصار ملخص الحوار الذي أجراه روبرت دي كابلان، كبير المحللين الجيوسياسيين في ستراتفور مع جورج فريدمان، رئيس ومؤسس المركز؛ لمناقشة المفارقة الكامنة بين:
(1) حديث الولايات المتحدة عن الديمقراطية، وكونها دولة ديمقراطية، تدعم بناء الديمقراطيات في أنحاء العالم، وتريد العمل مع الديمقراطيين في كل مكان.
(2) كيف أن الغالبية الساحقة من حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط هم في الواقع مستبدون، وإن في بعض الأحيان ليبراليين مستبدين.
في البدء أشار “كابلان” إلى صعوبة اعتراف الحكومة الأمريكية – وكذلك وسائل الإعلام في بعض الأحيان- بهذا الواقع، قبل أن يطلب رأي “فريدمان” الذي استهلَّ بشرحٍ براجماتيّ، ربما يعتبره البعض مراوغًا، قائلا: ليست هناك طريقة أكثر استعلائية وإمبريالية من الإصرار على أن الشخص الذي تتحالف معه لابد وأن يلتزم بقيمك الأخلاقية. فأنا أؤمن بالديمقراطية الليبرالية، لكني في المقابل أدرك أن وجهة نظري لا يتبناها الجميع حول العالم. وأعتقد أن الأيديولوجية التي تتبناها الولايات المتحدة، والتي لا تقتصر على جانب معين بل تشمل كافة الجوانب، تهدف إلى تنوير المحرومين من التنوير. والإسلام، دين- أو أيديولوجية، أيا كان ما تريد تسميته- معقد ومتطور وقديم جدًا، ولديه نظام سياسي متطور للغاية، ولا يشبه تلك الأنظمة التي انبثقت عن فكر التنوير الفرنسي. وعلينا أن نتعايش معهم في هذا العالم، وفي الوقت ذاته تبني وقبول حقيقة أنهم مختلفون تماما عنا. دائما يثير اهتمامي في أوساط أنصار التعددية الثقافية أنهم يحتفون بجميع صنوف الثقافة، ومن ثمَّ حينما تعمل مع شخص يمتلك ثقافة مختلفة لا تشترك مع قيمك الخاصة فإنك تواجه انتقادًا. لكن الرئيس لا يمتلك خيار عدم المشاركة.
ذكَّرت هذه الكلمات كابلان بما قاله جورج كينان، أحد مخططي السياسات الخارجية الأمريكية في آواخر الأربعينيات والخمسينيات، و”مهندس” سياسة احتواء الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة: “الطابع المحلي للدولة أقل أهمية من سلوكها الدولي، والولايات المتحدة مجبرة على التعامل مع الدول على أساس سلوكها الدولي وليس طابعها المحلي”. وأردف مطبقًا ذلك على عالم اليوم: “حينما تنظر إلى الشرق الأوسط من المغرب إلى الشام تجد أن أمريكا لديها حليف جيد وموثوق به في المغرب، التي تحكمها دكتاتورية. صحيحٌ أنها تتحرك نحو مزيد من الديمقراطية الدستورية، بيدَ أنها لا تزال ملكية دكاتورية. ولدى أمريكا أيضًا حلفاء أقوياء في عمان، التي تُحكَم بطريقة ليبرالية، لكن السلطان قابوس دكتاتور مستبد. ولديها حليف قوي في الأردن، وهي أيضًا ملكية دكتاتورية. ولديها حليف قوي في السعودية، التي تحكمها ليس فقط ملكية دكتاتورية، ولكن أيضًا معادية لليبرالية. وفي مصر تجد أمريكا نفسها الآن مع دكتاتورية عسكرية جديدة. لكن في حرب غزة الأخيرة، وجدنا في مصر دكتاتورية تتبنى وجهة نظر أكثر تواضعًا واعتدالا للحل مما لدى تركيا الاستبدادية. ومن ثمَّ، أينما يمَّمتَ وجهك في الشرق الأوسط، مع استثناء أو اثنين، لن تجد ديمقراطيات يمكن اعتبارها حلفاء جديرين بالاعتماد عليهم.
هنا أردف فريدمان قائلا: حينما ينظر بعض الأمريكيين إلى العالم ويرون أنَّك لست ديمقراطيًا، فهذا حتما بسبب شخص شرير فرض ذلك، وليس لأن ثقافتكَ ليست ديمقراطية. علينا أن نتعامل مع العالم كما هو، وهذا ليس خيارًا. والنموذج الذي أراه أكثر دلالة في هذا السياق هو رغبة فرانكلين روزفلت الفاضلة في وقف أدولف هتلر، والتي لم تتحقق إلا عن طريق الاصطفاف مع جوزيف ستالين، القاتل المهووس. ومَن يقول: إننا لا ينبغي أن نتعامل مع الدول غير الديمقراطية، عليه أيضًا أن يقول: إننا لم يكن ينبغي أن نصطفَّ مع الاتحاد السوفيتي ضد هتلر. لكن ذلك قد يؤدي إلى نتيجة كارثية. لذلك أعتقد أن النقطة التي تحدث عنها “كينان” هامة للغاية، فسلطتنا ليست مطلقة، ولا نختار الدول التي نريدها، ولا نستطيع تشكيل حياتهم الداخلية. فأي شيء كان بإمكاننا فعله على ظهر هذا الكوكب إذا لم نصطف مع جوزيف ستالين؟
بدوره عاد “كابلان” إلى “كينان” مرة أخرى، وعدَّد بعض مناقبه بدءًا من هزيمة هتلر واليابان، وصولا إلى رغبته في إعادة بناء أوروبا، ليسأل فريدمان: في ظل إدراك كينان لمحدودية القدرة الأمريكية، ما الذي كان ليقوله لو شارك في النقاش السياسي اليوم؟
أجاب “فريدمان” عن هذا التساؤل بالإحالة إلى تجربة فرانكلين روزفلت، وتوضيح كيف كان ملتزمًا بتعزيز الديمقراطية مع إدراكه بأن ذلك لن يكون متوافقًا تماما مع المصلحة الوطنية الأمريكية.
بات واضحًا من سير الحوار أنَّ المصلحة أعلى صوتًا من الأخلاق- المتغيرة النسبية بحسب “فريدمان”- ولم يبقَ سوى أن يختم كابلان بفتح القوس الزمنيّ أمام احتمالية احترام الديمقراطية الحقيقية، دون استثناءات بدافع المصلحة، فقال: أود أن أختم بالقول: إن الديمقراطية قابلة للتحقيق لكن على المدى الطويل جدًا، والسياسة الخارجية، برغم أنها ينبغي أن تنظر للمدى التاريخي البعيد، فإنها تركز في المقام الأول على الحاضر.
وبدوره ختم فريدمان الحوار بمزيد من التأكيد على فكرته: هناك العديد من المجتمعات التي ترفض أفكارنا الديمقراطية وتعتبرها غير أخلاقية وغير عادلة. هم يحتفون بالأسرة والجماعية. ومن ثمَّ فالهوس الأمريكي بالفرد وحقوقه ليس محل إجماع عالمي، وعلينا أن نضع في اعتبارنا أن هناك بلدانا مقبولة لكنها لم تختَر أن تكون مثلنا.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

خريطة تفاعلية لمسرح عمليات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

تقدم هذه الخريطة التفاعلية التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عرضًا لمسرح عملي…