جرائم ضد الإنسانية، تشمل: الاغتيال، والإبادة، والتهجير القسري، والتعذيب، والاغتصاب. وجرائم حرب، تشمل: توجيه هجمات متعمدة ضد مدنيين ليس لهم علاقة بأعمال العنف الدائرة، والسلب والنهب!

كل هذه الجرائم –نقلًا عن صحيفة “إنترناشيونال هيرالد تريبيون”- قامت محكمة جرائم الحرب الدولية، الأربعاء الماضي، بتوجيهها ضد الرئيس السوداني عمر البشير، بحق المدنيين من أبناء دارفور، وصدر بموجبها مذكرة الاعتقال الدولية.

أَضِفْ إلى ذلك الحملة الشرسة التي تشنها وسائل الإعلام الأجنبية ضد البشير، ويكفيك نظرةٌ سريعةٌ على تغطية الصحافة العالمية لأخبار السودان؛ لتتبين حجم المؤامرة. فضلًا عن المطالبات الدولية بعدم تفويت هذه الفرصة لتحقيق “العدالة”، والتحذيرات التي تنطلق من كل مكان، مُرَوِّجةً “أن البشير إن لم يُقدَّم للمحاكمة فسوف تنهار “العدالة الدولية”، ويسقط قِناعها، ويبدو هُزالها، وكأنها كانت قائمةً في يوم من الأيام!

وكأن البشير هو المتسببُ في كل مشاكل كوكب الأرض؛ بدءًا من الاحترار العالمي، وانتشار فيروس أنفلونزا الطيور، وتسيير الجيوش لإبادة العراقيين، وقبلها لتحويل حياة الأفغانيين إلى جحيمٍ لا يُطاق، وبعدها لِوَضْعِ مليون ونصف المليون في غزة في محرقةٍ لم يتحرك لها العالم إلا على مستوى المشاعر الملتهبة التي لم تزد الوضع إلا سوءًا!

إنه واقعٌ يصدق فيه قول شكسبير (جلبة للاشيء)!

عدالةٌ انتقائية

وحتى لو سَلَّمْنَا بأن البشير ارتكب كل هذه الجرائم – التي تصوره وكأنه “هولاكو” العصر- أيُعقَل أنّ نظر المحكمة الدولية أصبح ضعيفًا، لدرجةِ أنها لم تشاهد ما يحدث في العراق وأفغانستان وغزة، وغيرها من مناطق العالم الملتهبة؟!

صحيحٌ أن الرئيس السوداني عمر البشير لم يكن أول الرؤساء المطلوبين دوليًّا من قِبل المحكمة الجنائية؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة سِيقَ مَوْكِبٌ من الرؤساء والوزراء إلى المحاكم الدولية زُمَرًا، لكن هذه الحقيقة تحاول كافة الأطراف الدولية جاهدةً تسليط الضوء عليها؛ لحاجةٍ في نفس “إبليس” قضاها، يعرفها حتى غير المراقبين.

صحيفة “تايمز” البريطانية سردتْ بعض الوقائع التاريخية، التي ليس بمقدور أحد إنكارها، فبالفعل مَثَل “سلوبودان ميلوسيفيتش” في 11 مارس عام 2001 أمام المحكمة الدولية لجرائم الحرب في “لاهاي” بتهمة ارتكاب جرائم ضد المسلمين في إقليم كوسوفا والبوسنة وكرواتيا، لكنه وُجِدَ ميتًا في مركز اعتقاله أثناء محاكمته في 11 مارس 2006. ولَحِقَهُ “رادوفان كاراديتش” الذي اعتُقل في 21 يوليو 2008، ولا يزال في محبسه حتى اليوم.

كذلك وجهت المحكمة الجنائية في “رواندا” تهمة الإبادة الجماعية إلى رئيس الوزراء الأسبق “جين كامباندا”، ثم سُلِّم الرئيس الليبيري السابق “تشارلز تايلور” ليُحاكم أمام محكمة أممية خاصة، على خلفية أعمال العنف في سيراليون. كما حوكم أحد أبرز قياديي عصابات “خمير روج” الشيوعية، ويدعى “داتش”، أمام محكمة أممية أخرى انعقدتْ في كمبوديا.

ويتوقع البعض ألّا يكون الرئيس البشير الأخيرَ في هذه القائمة، فقد توقع مسئولون دوليون أنْ يكون الرئيس الأمريكي جورج بوش هو الهدفَ القادِمَ لمحكمة الجنايات، مُؤَكِّدين وجود المبررات القانونية، رغم التحديات التي تحول دون ذلك. فيما توقع آخرون أن يلحق بالبشير قياداتٌ رفيعةٌ في النظام السوري، على خلفية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لكنّ نظرة سريعة على القيادات السابقة التي قُدِّمت إلى المحاكمة، والتي في طريقها إليها، تُوضح الازدواجية والانتقائية التي تمارَس بها هذه “العدالة الدولية”. صحيحٌ أن الرئيس السوداني “عمر البشير” لم يكن بِدْعًا من الرؤساء حين أدرجته المحكمة الجنائية على قائمة المطلوبين دوليًّا، كما أكدت “تايمز”، لكن هل يستحق البشير فعلًا كل هذه الهجمة؟ وأين هذه “العدالة الدولية” من مجرمي الحرب الذين لا يختلف اثنان على إدانتهم؟

وما حربُ غزة-وقبلها العراق وأفغانستان- منا ببعيد!

خيوط المؤامرة

وتتضح خيوط المؤامرة إذا ما علمنا أن الاهتمام الدولي بمأساة دارفور، لا يمكن أن يكون بدافع الإنسانية، وتقديم خدمات مجانية للمقهورين في الأرض من الشعوب، بل بدافع السيطرة والنفط والنفوذ!

فالدول الغنية لاتعرف إلا لغة المصالح، إلا إذا كان هناك مَنْ يُصَدِّقُ أن هذه الدول ستترك الأزمة المالية التي تغرق فيها لأذنيها، وتتفرغ لتكريس العدالة في الأرض!

لكن إذا كان الاهتمام بالعدالة ثمنه 500 ألف برميل نفط تُسْتَخْرَجُ يوميًّا من الإقليم الغربي بالسودان, فلا بأس أن تُعطى هذه “العدالة” بعضَ الاهتمام!

الرئيس السوداني يفهم ذلك، لذا قال في إحدى تصريحاته التي نشرتها شبكة (CNN) الإخبارية:” إن أساس المشكلة مع واشنطن هو “النفط”؛ الذي كان في فترة من الفترات مُرَخَّصًا لها، وتم تحويله لشركات صينية وماليزية وهندية”!

على الجانب الآخر لا يجدر في هذا المقام أن نُغْفِلَ دور إسرائيل؛ خاصةً بعد التصريحات المباشرة للرئيس البشير، في 20 سبتمبر 2006، والتي اتّهم فيها الغربَ بأنه يريد تقطيعَ أوصالِ بلادِه من أجل “حماية أمن إسرائيل”، قائلًا على هامش اجتماع وزاريٍّ للجمعية العامة للأمم المتحدة: “من الواضح جدًّا أنه توجد خِطَّةٌ لإعادة رسم المنطقة، الهدف الرئيسي منها هو أَمْنُ إسرائيل، وأي دولة في المنطقة يجب إضعافها، وتقطيع أوصالها، من أجل حماية الإسرائيليين، ولضمان الأمن الإسرائيلي”.

ويبدو أن كلمات البشير لم تكن مجردَ تكهنات، ففي 29 فبراير 2008، تأكّد التورط الصهيوني في دارفور فعليًّا، عندما أعلنتْ حركة تحرير السودان، جناح عبد الواحد نور، المتمردة في دارفور، عن فتح مكتبٍ لها في إسرائيل، بزعم رعاية مصالح اللاجئين السودانيين لديها، قائلةً في بيانٍ لها :”إنّ فتح المكتب جاء تقديرًا لحكومة إسرائيل؛ لحمايتها شبابَ الحركة من الإبادة، ومنحهم الحريةَ التي لم ينالوها مُطْلَقًا من قبل نظام الخرطوم”.

إنها جريمةٌ دولِيَّةٌ مكتملة الأركان بحق السودان وشعبه، ظاهرها تحقيق العدالة، وباطنها المؤامرة والكيد…وفي سبيل تحقيق هذه المصالح الدولية ليس هناك أيّ مانعٍ من إبادة الشعوب، ونَهْبِ مواردها، والمقامرة بمستقبلها، وإعدام رؤسائها في صبيحة عيدها، كـ”الخراف”، وتحويل الآخرين لمحاكمات دولية كُلَّما علا صوتُ أحدهم!

لعن الله هذا الضعف الذي وضعنا على مذابح “المجتمع الدولي”!

الرابط المختصر:

هل تريد الاطلاع على المزيد من هذه المواد؟

لتصلك أحدث المنشورات مباشرة إلى إيميلك

لا تقلق؛ نتعهد بعدم الإزعاج.

العالم بالعربية. أول منصة عربية متخصصة في رصد وتحليل اتجاهات الصحف ومراكز الأبحاث ومؤسسات استطلاعات الرأي الأجنبية؛ حتى تكتمل الصورة.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…