في الثالث عشر من سبتمبر نشر الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية بيانًا صحفيًا لـ “إعلان جون ألين مبعوثا رئاسيًا خاصًا للتحالف الدولي لمكافحة “الدولة الإسلامية”.. وهو نفسه الجنرال الذي عُلِّق منصبه كقائدٍ أعلى لقوات حلف الناتو- أحد أرفع المناصب في الجيش الأمريكي- بسبب تحقيق أُجرِي معه على خلفية مراسلات اعتبرت “في غير محلها” مع امرأة، قبل تبرئته لاحقا. وبعد تقاعده في فبراير 2013، رفض عرض الرئيس الأميركي باراك أوباما بتولي القيادة العليا لحلف الأطلسي؛ لأسباب صحية وعائلية.
 
وهذه ثلاث نقاط هامة، تجيب عن ثلاثة أسئلة محورية نصَّ عليها بيان الخارجية الأمريكية:
(1) لماذا اختارت الإدارة الأمريكية “ألين”؟
–  لأنه “قائد بارز ووطنيّ، وأحد الخبراء العسكريين الأكثر احترامًا وخبرة. ومسيرته الاستثنائية في الجيش تتحدث عن نفسها؛ سواء كقائد لقوات إيساف والناتو في أفغانستان خلال الفترة الهامة ما بين 2001 وحتى 2013، أو كنائبٍ لقيادة الأنبار خلال الصحوة السنية، أو كمفكر وعالم ومدرس في الأكاديمية البحرية الأمريكية. كما له يدٌّ في الخدمة العامة منذ عودته إلى الحياة المدنية”، حسب وصف وزير الخارجية جون كيري.
(2) ما هي المهمة الموكلة إليه باختصار؟
– نصَّ البيان على أنه “سيساعد في بناء التحالف والحفاظ عليه حتى يتمكن من العمل عبر مسارات متعددة بهدف إضعاف “الدولة الإسلامية”؛ ثم تدميرها في نهاية المطاف”.
(3) ماذا عن “إسرائيل”؟
– سؤالٌ ذكيّ.. بالطبع أشار إليها كيري، في قوله: “عملنا بشكل وثيق جدًا مؤخرًا في وضع أساليب جديدة لتلبية الاحتياجات الأمنية طويلة الأمد لدولة إسرائيل. ولم يكن شيء سيسرني أكثر من انضمام السيد ألين إلينا، وتفرغه للعمل في وزارة الخارجية”.
يُشَار أيضًا إلى أن كيري أوفد “ألين” في زيارة غير معلنة إلى تل أبيب، أواخر أغسطس الماضي، كمستشار أمني له؛ لمناقشة إمكانية تجديد محادثات السلام مع الفلسطينيين بمجرد انتهاء عملية غزة، حسبما ذكر راديو إسرائيل، في حينها، وأشارت إليه ماري هارف، مساعدة المتحدثة باسم الخارجية، لاحقًا.
الاختيار المنطقي:
وفي مقالٍ نشرته الواشنطن بوست، وصف دان لاموث، هذا الاختيار بأنه “منطقي”، وسرد مجموعة من الأسباب، يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين:
 
(1) خبرته في الاستفادة من العناصر المحلية:
يقول لاموث: “لعب “ألين” دورا في تمكين العشائر العراقية ضد تنظيم القاعدة في عام 2007، حيث اجتمع مع شيوخ السنة في محافظة الأنبار، وعرض عليهم الحماية والحوافز المالية إذا رفضوا المتشددين السنة المتحالفين مع المليشيات. وهي الاستراتيجية التي آتت أكلها، وخففت من وتيرة العنف فيما كان أكثر مناطق العراق عنفا. حينها صرَّح في مقابلة مع يو إس إيه توداي قائلا: “في كل مكان شهدنا فشلا.. حدث ذلك في العراق في المجمل لأننا رفضنا دور القبائل والمشايخ”.
(2) قدرته على التفاعل مع القيادات صعبة المِراس:
ورجَّح “لاموث” أن يقابل هذا التعيين “بحفاوة بالغة في الداخل والخارج؛ فـ “ألين” ليس فقط مقاتلا محنّكًا شديد المِراس، لكنه أيضًا يمتلك خبرة واسعة في مجال الدبلوماسية، وقدرة على التفاعل مع قادة الدول- خاصة في الشرق الأوسط- المشارِكة في الحملة ضد “الدولة الإسلامية”. وبناءً عليه، يُتَوَقّع أن يساعد في إدارة بعض العلاقات المعقدة، اللازمة لمحاربة الدولة الإسلامية، مع دول مثل تركيا والسعودية. وله تجربة ناجحة في التفاعل مع الرئيس الأفغانيّ حامد كرزاي، المعروف بصعوبة التعامل معه.
الكثير من السياسة
ولأن “ألين” يتبع هذه المرة وزير الخارجية جون كيري، وليس وزارة الدفاع، يقول محللون إن مهمته ستكون سياسية أكثر من كونها عسكرية، ويشير “لاموث” إلى أن: “الحملة التي يقودها “ألين” لن تشمل فقط ضرباتٍ عسكرية، ولكن أيضًا جهودًا تهدف للإضرار ماليًَا بـ”الدولة الإسلامية”، وردع المقاتلين الأجانب عن السفر إلى العراق وسوريا للانضمام إلى القتال”. وهو الدور الذي تعينه عليه:
(1) خلفيةٌ دراسيَّة عميقة، بدءًا من تخرجه في أكاديمية البحرية الأمريكية عام 1976، وحصوله على بكالوريوس في تحليل وإدارة العمليات العسكرية، وثلاث ماجستيرات؛ الأول: في علم الدراسات الأمنية من جامعة جورج تاون، والثاني: من جامعة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) في استراتيجية الاستخبارات، والثالث: في استراتيجية الأمن القومي من الكلية الحربية الوطنية. إضافة إلى تلقيه عدة دورات استخبارية، أصبح بعدها أول عضو من المارينز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
(2) وخبرة أكاديمية طويلة بدأت منذ عام 1988، حين تفرّغ للتدريس بالأكاديمية البحرية الأميركية، ليُكَرِّم بعدها بثلاثة أعوام كأفضل محاضري العلوم السياسية في الأكاديمية، الذي عُيّن نائبا لمديرها في 2001، قبل تبوأه منصب مدير العلاقات العامة بمكتب وزير الدفاع، في عام 2006.
دمَّروا “الدولة الإسلامية”
من اللافت أن “ألين” نشر مقالا مطولا في موقع ديفينس وان تحت عنوان “دمروا الدولة الإسلامية”، بتاريخ 20 أغسطس، أي قبل 23 يومًا من تعيينه رسميًا مبعوثًا رئاسيًا، يدافع فيه بقوة عن قرار الرئيس أوباما بتوجيه ضربة عسكرية للدولة الإسلامية؛ من أجل “العراقيين الذين هم بحاجة إلى مساعدتنا، وأصدقائنا وشركائنا في المنطقة الذي يتطلعون مرة أخرى للولايات المتحدة كي تتولى زمام القيادة، وتتخذ إجراءات حاسمة”، على حد قوله.
 
يوفر هذا المقال إطلالة هامة على الكيفية التي سيدير بها الجنرال حربه؛ حيث تحدَّث عن “تسليح الأكراد، وإعادة بناء قوات الأمن العراقية على أسس غير طائفية، والمساعدة في فتح جبهات ضد “الدولة الإسلامية” شمالًا على طول دجله، وغربًا في محافظة الأنبار، وعلى طول نهر الفرات. إلى جانب الدعوة إلى تغيير عميق في المعادلة السياسية والعلاقات في بغداد”. والدعم الكبير الذي ينبغي على “شركائنا التقليديين في المنطقة تقديمه؛ لأنها معركتهم بقدر ما هي معركتنا”. وضرورة “التنسيق الإقليميّ الشامل، وعدم ترك أي حلفاء محتملين خارج اللعبة، أو ترك أي ملاذات آمنة أو مساحة للمناورة”.
وركَّز في مقاله أيضًا على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه القبائل السنية في سوريا والعراق، والمقاومة السورية الحرة، في تفكيك “الدولة الإسلامية”. قائلا: “لأنهم متواجدون على الأرض، فإنهم ضروريين لنجاح الحملة”. مشيرًا إلى أن العديد من هذه القبائل تقاتل بالفعل، وغيرها الكثير على استعداد للانخراط في المعركة، وهم يستجدون الدعم الأمريكي والدولي، وينبغي أن يمثل تقديم الدعم الاستشاري والعسكري لهم أولوية قصوى”.  
ومثلما بدأ “ألين” مقاله باسترجاع مشهد إعدام الصحفي الأمريكي جيمس فولي، ختم بالقول: “ينبغي ألا نغفر هذه الفعلة، أو ننساها؛ لأنها تجسد ما تمثله هذه المجموعة. إن “الدولة الإسلامية” كيانُ منبوذ إنسانيًا، ويجب القضاء عليه. وإذا تأخرنا اليوم، سندفع الثمن غدًا”.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…