ماذا بعد؟ السياسة الخارجية السعودية الجديدة.. هل يصبح القادم أسوأ حقًا؟ لـ العالم بالعربية منشور في 8 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي يعكس الهجوم السعودي على اليمن سياسة خارجية جديدة تضغط بحزم لتحقيق ما تراه المملكة استحقاقًا لها في الشرق الأوسط، بل وتستخدم قواتها المسلحة لضمان مصالحها. وبعد قرون من الاعتماد على الإمبراطوريات الخارجية- البريطانية أولا ثم الأمريكية- لتأمين أراضيها وحماية مصالحها الإقليمية، يبدأ آل سعود في الاعتماد على مواردهم الخاصة. حتى بات من الصعب تبيُّن الدور- إن كان ثمة شيء كهذا أصلا- الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذه السياسة الخارجية المتطورة. وبينما تخطط المملكة لمستقبلها، فإن التحالف الذي كان يومًا جوهر التوجه السعودي الدولي لم يعد يحظى اليوم بكثيرٍ من الاعتبار. من المؤكد أن هناك دور للولايات المتحدة في اليمن، من حيث توفير المعلومات الاستخباراتية للسعوديين ودعم جهودهم دبلوماسيا. لكن نظرا لحجم الخلافات بين الجانبين حول القضايا المركزية- مثل: كيفية التدخل في الحرب الأهلية السورية، والمفاوضات النووية مع إيران- فإن المملكة العربية السعودية لم تعد مقيدة بالتحالف الأمريكي. والآثار المترتبة على ذلك، في منطقة تشهد تحولا عنيفًا، بالغة الأهمية. تحالف استثنائي غالبا ما ننسى أن تاريخ التحالف بين الولايات المتحدة والسعودية لم يكن هادئًا يومًا. هو تحالفٌ عتيد، تعود نشأته إلى أوائل القرن العشرين. حيث لعبت شركات النفط الأمريكية دورا حاسمًا في اكتشاف النفط من قلب الصحراء السعودية، ما حوَّل المملكة إلى عملاق الطاقة الذي هي عليه اليوم. ومع ذلك، كان هناك دائما عنصر تناقضٍ في العلاقة بين النظام الملكي الإسلامي والديمقراطية الليبرالية. كما كان الشك في عزم الولايات المتحدة والتزامها باستقرار المنطقة ضيفًا روتينيًا على السعوديين. في عام 1958، صعدت جمهوريات متطرفة وثورات متشددة عصفت بمعظم أنحاء الشرق الأوسط. وبدت القومية العربية، وراعيها، المصري جمال عبد الناصر، في صعود. وكانت الحكومات المحافظة في الأردن ولبنان على حافة الانهيار، بينما كان النظام الملكي في العراق مقطوعة الرأس في الواقع. وقتئذٍ ناشد السعوديون الولايات المتحدة للتدخل عسكريا بالحماسة ذاتها التي يطالبون بها اليوم بالتدخل في سوريا، لكن التأثير كان محدودًا. وحينما أطيح بنظام الشاه في إيران عام 1979، شعر السعوديون بالغضب من الولايات المتحدة بالقدر ذاته حينما انتحوا جانبًا يشاهدون انهيار حكومة حسني مبارك في مصر عام 20114. وفي أعقاب مآسي 11 سبتمبر، سُلِّطت الأضواء على علاقة السعودية بالإسلاميين الراديكاليين ومحاولتها لنشر رؤيتها الصارمة للإسلام عبر العالم الإسلامي. وأصبحت العلاقة المالية بين تنظيم القاعدة والمواطنين والجمعيات الخيرية في السعودية مصدرا للخلاف بين البلدين. ورغم أن هذا الخلاف ليس جديدًا على الإطلاق، ظل هذا التحالف قائمًا. وخلال الحرب الباردة، اتحد الجانبان في محاولة لمنع تقدم الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط. كما انضمت السعودية، المناهضة بشدة للشيوعية، إلى الجهود الأمريكية لاحتوائها، وبذلت الكثير لدعم الوجود الأمريكي في المنطقة. كما كان للسعوديين دور فعالا في دعم المقاتلين الإسلاميين ضد السوفييت في أفغانستان، ما ساعد في هزيمة الجيش السوفيتي، وإحراز نصر مهم للغرب في الحرب الباردة. وفي التسعينيات، كان شبح صدام حسين يسكن عقول السعوديين كما الأمريكيين. وحين قام الدكتاتور العراقي بالغزو الكارثي للكويت عام 1990، كان لا بد من طرده بالقوة بأيدي قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة التي حصلت على دعم سعودي كبير. حتى الحرب على الإرهاب جعلت النظام الملكي والولايات المتحدة يعملان سويا للقضاء على التهديد المشترك. كل هذه المصالح المتداخلة جعلت العديد من المسئولين السعوديين رفيعي المستوى يطالبون بالحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، رغم الشكاوى التي تصدر بين الحين والآخر فيما يتعلق بالتصميم الأمريكي. وفي النهاية، كانت نقاط الاتفاق بين القوتين أكثر من مواطن الاختلاف. واليوم، ها هو الشرق الأوسط أكثر انقساما على نفسه مرة أخرى. لكن الانقسامات هذه المرة مصبوغة بلون الطائفية. وثمة حرب باردة جديدة بين السعودية وإيران- تتسم بدعم كل طرفٍ لوكلائه- تزحف على المنطقة، وتخيم بظلالها على البحرين والعراق ولبنان وسوريا، ومؤخرًا بشكل كبير على اليمن. هذه اللعبة محصلتها صفر، في نواحٍ كثيرة، وهي لا تشبه الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. فبينما تمضي إيران قُدُما في تحصين المكاسب الشيعية الجديدة في العراق، فإنها تعزز نظام بشار الأسد في سوريا، وقوات حزب الله في لبنان. كما أن إيران ليست بعيدة عن التدخل الضارّ في الحديقة الخلفية السعودية، بمحاولاتها توسيع سلطتها في البحرين واليمن. هذا التخريب الإيراني من بين أدواته؛ وحدات الحرس الثوري العاملة في العراق و”قوات الصدمة” التابعة لحزب الله في سوريا. بعيدا عن الشرق الأوسط بينما يخضع الشرق الأوسط لهذا التحول العنيف والمتقلب، يبدو أن الولايات المتحدة مصممة على عدم التورط أكثر في صراعات المنطقة. وبفخرٍ كشفت إدارة أوباما النقاب عن توجهها إلى محور آسيا- القارة التي سترسم ملامح القرن الحادي والعشرين. فالصين الصاعدة، والاقتصادات المتنامية، والمنافسات التقليدية في آسيا، أكثر أهمية لواشنطن بكثير من منطقة الشرق الأوسط وعداءاتها الدموية القديمة. وبينما تقل أهمية نفط المنطقة لمسارات عمل الاقتصاد العالمي، لم يعد يبدو أن واشنطن قلقة بشأن خفض مستوى كثير من ارتباطاتها في الشرق الأوسط. حتى جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، يمكن على ما يبدو أن تُشَنَّ من الجو باستخدام طائرات بدون طيار يتم التحكم بها عن بعد. وفي غياب الرقابة الأمريكية، تجتمع الدول العربية السنية لخوض الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط. والمملكة العربية السعودية هي النقطة المحورية في التحالف الجديد، متحالفةً بثروتها مع مصر الكبيرة لمنافسة قوة إيران المتنامية. بدورها تعهدت القاهرة بدعم المجهود الحربي السعودي في اليمن، وبينما يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الترتيب يتضمن الكثير من استعراض القوة العسكرية، ها هي الدول السنية تبدأ العمل المشترك لإحياء نفوذها. ومع ذلك، سيكون على السعوديين استخدام الجيش في هذه الحرب الباردة الجديدة بطريقة لم يفكروا فيها من قبل. وبالفعل تدخل السعوديون خلال السنوات الأربع الماضية في بلدين، هما: البحرين واليمن، وقد يشهد المستقبل القريب المزيد من مثل هذه التدخلات. هذا يعني أن الجيش السعودي عليه أن يجري عملية تحديثه الخاصة، بتشكيل فرق ضباط أكثر قدرة، وجيش ذو هيبة أكبر، مما كان آل سعود- اليقظين للانقلاب- يعتبرونه آمنًا في السابق. الخيار النووي؟ فوق كل ذلك، تحوم الحسابات النووية السعودية. ففي السنوات الأخيرة، أعرب السعوديون عن اهتمامهم بالتكنولوجيا النووية، بل أنشأوا بنية تحتية للتخصيب المحلي على غرار إيران. وربما توفر الأسلحة النووية قدرة ردع هامة لدولة ذات كثافة سكانية منخفضة وتمتلك ثروة كبيرة. وفي حال امتلاكها هذا السلاح، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تضمن عدم التحرش بأراضيها من قبل جيرانها الأكبر، الطامعين في نفطها. صحيحٌ أن المظلة الأمنية الأمريكية قدمت الاطمئنان اللازم في الماضي، ما أغني عن الحاجة إلى مثل هذه التدابير المعتمِدة على الذات. لكن الأمر لم يعد كذلك بعد الآن. ومن المهم التأكيد على أن الحسابات النووية السعودية، في الشرق الأوسط الجديد، قد لا تتوقف على تطورات البرنامج النووي الايراني. وبعدما كان يعتقد في السابق أن السعوديين سيحاولون مواكبة قدرات إيران، قد ترى المملكة أن الأسلحة النووية تمثل أهمية متزايدة لها، بصرف النظر عما يحدث على الجانب الآخر من الخليج. كان القرن العشرين دمويًا ومضطربا في منطقة الشرق الأوسط، ومن المرجح أن يكون القرن الحالي أكثر اضطرابا. حيث يشهد الشرق الأوسط اليوم صعود الدول الفاشلة، وسباقات التسلح، والصراعات الطائفية. لكن هذه المرة، قد تفتقر المنطقة إلى التأثير المهدئ الذي كانت تمارسه الولايات المتحدة، بينما يرجح أن تمضي الدول المحلية قدما في صراعاتها الخاصة بطريقتها الخاصة. في هذا الخضم، قرر آل سعود إجراء تعديلاتهم الخاصة في هذه المنطقة المضطربة، وتجاهل عقيدتهم الدفاعية التقليدية التي تعتمد كثيرا على الوجود الامريكي. وبينما يتطلع النظام الملكي إلى المنطقة، تلوح الأوقات المضطربة في الأفق. * راي تقية؛ هو باحث إيراني-أمريكي في شؤون الشرق الأوسط، ولد عام 1966 في طهران، وحاز على الدكتوراة من جامعة أكسفورد في عام 1997.