ستة أسئلة يجيب عنها كبير محللي الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية، علي فايز؛ لتوضيح سياق ما حدث يوم 2 يناير 2016 من إحراقٍ للسفارة السعودية في إيران، والآثار الأوسع نطاقًا للحادث على المدى الطويل.
وفي حين رصدنا سابقًا “تحويل السفارات إلى ساحات معارك“، و”مدى تأثير السياسة الأمريكية في الأزمة الإيرانية-السعودية“، وأشرنا إلى بعض المخاطر المحتملة والتوصيات الوقائية، وتطرقنا إلى “كيف يخطط السعوديون لمواجهة إيران“، تأتي السطور التالية لتسلط الضوء على الحادث من منظور السياسة الداخلية الإيرانية:

– بعد الهجوم، رأى كثيرون في الغرب- وإيران- أنها كانت محاولة واضحة لتقويض سلطة الرئيس حسن روحاني، قبيل انعقاد جولتين انتخابيتين حاسمتين الشهر المقبل.. إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا هو الواقع فعلا؟
– المشهد ليس واضحًا كما يفترِض البعض. والتعرُّف على الجاني الذي يقف وراء هذه الهجمات ليس بالسهولة التي يبدو عليها، خاصة وأن أحدا لم يعلن مسئوليته عن إحراق مقر البعثة الدبلوماسية السعودية.
ومع ذلك، إذا أراد منافسو الرئيس الإيراني قصقصة جناحيه بالفعل؛ فلديهم وسائل أكثر فعالية بكثير لتحقيق ذلك، وهم ليسوا بحاجة إلى الاختباء وراء الغوغاء. فبإمكانهم عرقلة سياسات روحاني في البرلمان، مثلما فعلوا سابقا بإقالة وزير التعليم في حكومته. كما يمكن للحرس الثوري إضعاف سلطته، على سبيل المثال عبر اعتقال عدد من المواطنين مزدوجي الجنسية الإيرانية والأمريكية بهدف إفساد أي تحسُّن في علاقات طهران مع واشنطن عقب الاتفاق النووي.
أما روحاني فيمكنه المُضِيّ قُدُما بأجندته طالما كانت تتقاطع مع أجندة النظام ومراكز السلطة الرئيسية. ومن الأمثلة على هذا النوع من التوافق في الآراء، داخل النظام الإيراني متعدد الأقطاب، الإفراج السريع عن البحارة الأمريكيين الذين احتُجِزوا هذا الشهر في الخليج، وتبادل السجناء مزدوجي الجنسية بين إيران والولايات المتحدة.
– هل هناك أي سوابق تاريخية للهجوم على البعثات الدبلوماسية؟ وهل يمكن أن تقدم الحوادث الماضية أي أدلة على هوية الجناة؟
– نعم، وقعت حوادث مماثلة في الماضي. ففي عام 2011، اقتُحِمت السفارة البريطانية في طهران، حيث أعرب المتظاهرون عن غضبهم من العقوبات التي فرضتها المملكة المتحدة لمعاقبة إيران بسبب أنشطتها النووية. لكن على النقيض حينها، أعلنت جهة معروفة مسئوليتها عن هجوم 2011 (الذراع الطلابي لقوة الباسيج شبه العسكرية)، بينما لم تتبنى أي جهة مسئولية الهجوم الذي وقع مطلع 2016.
كما ارتكبت مجموعات الأمن الأهلية بعض الاعتداءات، وهي تحظى بسجل حافل من استخدام الذرائع السياسية لتبرير سلوكها العنيف، وهو ما يأتي في سياق استخدامها من قبل عناصر الأجهزة الأمنية لترهيب المنافسين.
لكنها لا تتبع الأوامر دائمًا. ولتحركات الغوغاء تاريخ طويل وغير متوقع في السياسة الإيرانية؛ يعود إلى عام 1829 حين اقتحموا السفارة الروسية وقتلوا مبعوث القيصر، ألكسندر جريبويدوف. وفي عام 1953، جندت وكالات الاستخبارات البريطانية والأمريكية عصابات لإسقاط حكومة رئيس الوزراء الذي يحظى بشعبية، محمد مصدق. كما أحبَطَت أعمال شغب مماثلة إصلاحات الرئيس محمد خاتمي في أوائل الألفية الثانية. وكان الغوغاء هم رأس حربة الحملة التي استهدفت المعارضين عقب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2009.
– داخل إيران، كيف كان رد الفعل على ما فعله الغوغاء؟
– كانت هناك إدانة واسعة النطاق. وقبل أن يخمد دخان السفارة السعودية، كان كل الطيف السياسي والمؤسسي تقريبا قد أدانوا الهجوم. وبالإضافة إلى وزارة الخارجية، وصف الرئيس شخصيا المهاجمين بـ”المجرمين” الذين ارتكبوا أفعالا “غير مبررة على الإطلاق”، وحث على محاكمتهم.  
كما نقل مبعوث روحاني إلى الأمم المتحدة أسف بلاده للأمين العام. وانضمت بقية فروع الدولة، من البرلمان مرورا بالقضاء وصولا إلى الحرس الثوري، إلى قافلة شجب الاعتداء. وفي حين التزم آية لله خامنئي الصمت، وجَّه خطباء الجمعة في أنحاء البلاد- الذين يستقون أفكارهم من مكتبه- العتاب للمهاجمين.
وهذا يمثل تناقضا صارخا مع ما حدث عقب اقتحام السفارة البريطانية في 2011؛ حيث احتفل هؤلاء القادة بالهجوم. في ذلك الوقت، كانت وزارة الخارجية هي الصوت الوحيد الذي أدان الانتهاك الصارخ لاتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لكن في ظل وصف مراكز القوى الأخرى ما حدث بأنه “قصاص عادل” من بريطانيا.
– هل هذا يعني أن ما حدث كان في الواقع مجرد مظاهرة عفوية؟
– ليس تماما. ربما تجاهلت الدولة الاحتجاجات الأولية؛ لأن المظاهرات العفوية على هذا النطاق لا تتسامح إيران معها، وغالبا ما تُقمَع بشراسة. لكن هذا لا يعني أن الهجوم على السفارة كان برعاية الدولة. فمن المحتمل جدًا أن الغوغاء اندفعوا إلى ما وراء الحواجز، وتصاعدت الأحداث حتى خرجت عن نطاق السيطرة.
بيدَ أن الرد واسع النطاق من النخبة السياسية يلقي بظلال من الشك على احتمالية أن يكون فصيل معين هو من صنع هذه الأزمة؛ لإمالة ميزان القوى، وتشويه سمعة روحاني. وإذا كان هذا هو القصد، فالمؤكد أنه فشل حتى الآن.
– كيف بالضبط خرج الرئيس روحاني من هذه الأزمة؟ هل أضعفت موقفه في الانتخابات المقبلة؟
– لا، لم يخسر روحاني بإدانته الهجمات، ويبدو أن لا أحد غيره أحرز مكاسب جراء ذلك. وربما تكون العواقب الانتخابية المترتبة على هذا الحادث محدودة للغاية. حيث أسهمت الانتقادات الواسعة للهجمات في منع استخدامها كـ لعبة سياسية.
وبينما تحفَّزت السياسة الوطنية في مواجهة تنفيذ حكم الإعدام على المعارض الشيعي البارز في المملكة، وعقب الهجمات اللاحقة ضد البعثات السعودية، إلا أنها لم تجد صدى كبيرًا على المستوى المحلي، وهو ما سيحدد مصير المنافسات الانتخابية المقبلة.
– ما هي نوع التداعيات التي سيخلفها هذا الهجوم على علاقة إيران مع السعودية؟ هل ينبغي أن نتوقع المزيد من تدهور العلاقات بينهما؟
– حسنًا، الجانب المشرق الباهت- إن كان ثمة شيء كهذا- هو أن الإدانة الموحدة التي صدرت عن طهران ضد الهجمات قد تشير إلى وجود رغبة واسعة النطاق لتجاوز الحادث، واحتواء التوتر مع الرياض.
بل في الواقع، كان تحذير آية الله خامنئي أن آل سعود قد يواجهون عقابًا إلهيًا لإعدام الشيخ النمر أخف بكثير من تهديده بـ “ردٍ قاسٍ” في حال فشل السعوديون في سرعة إعادة جثامين الضحايا الإيرانيين الذين ماتوا في حادث تدافع الحجيج أواخر 2015.
الأهم من ذلك، اتخذت السلطات الإيرانية إجراءات ضد الجناة المشتبه بهم؛ حيث اعتقل قرابة 50 شخصًا، يرجح أن يخضعوا للمحاكمة. أيضًا، وللمرة الأولى، حُمِّل مسؤولون كبار مسؤولية الفشل في حماية الممتلكات الدبلوماسية السعودية: حيث أقيل مساعد محافظ العاصمة للشؤون الأمنية، وقائد قوات الشرطة الخاصة.
لكن لا يزال من المهم التزام الحذر. فحتى إذا كانت القيادة في طهران تكره فِكرة الانجرار إلى مزيد من التصعيد، فإن المزاج الوطني والإقليمي يبدو غير مواتٍ تمامًا لكبح الجموح. وللأسف، ففي مقابل الإجماع داخل إيران على إدانة الهجوم، ثمة حقيقة واسعة النطاق أيضًا مفادها أن المواجهة بين طهران والرياض تعتبر سمة شبه ثابتة في المشهد الإقليمي.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…