ترجمة: علاء البشبيشي 

يشارك المسؤولون الصينيون والأمريكيون في نقاشات هادئة، لكنها مكثفة خلف الكواليس، حول دورٍ أكبر يمكن أن تلعبه الصين في تحقيق الاستقرار للعالم الإسلامي، من خلال استثمارات موجهة في مشاريع البنية التحتية وفيرة الوظائف داخل المناطق التي مزقتها الحرب في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

وخلُصَت إدارة أوباما إلى استنتاجٍ متأخِّر، مفاده: أن الحرب ضد تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى لا يمكن كسبها في نهاية المطاف بالوسائل العسكرية وحدها، بل يجب أن يكون هناك تحول اقتصادي متعدد الأجيال في العالم الإسلامي لمكافحة انتشار الفكر الجهادي.  

حزام واحد.. طريق واحد 

ومنذ وصل شي جين بينغ إلى السلطة في بكين قبل عامين، وهو يروِّج لبرنامج “حزام واحد، طريق واحد” للاستثمار في السكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ والبنية التحتية الحيوية الأخرى في جميع أنحاء أوراسيا، من وسط الصين إلى ساحل المحيط الأطلسي في أوروبا الغربية.  

وبالفعل شهد “طريق الحرير الجديد” استكمال خطوط السكك الحديدية المخصصة للشحن من تشونغتشينغ في وسط الصين، إلى ميناء دويسبورغ الألماني، على مسافة 11 ألف كيلو متر (7000 ميل تقريبا). وحين زار شي جين بينغ ألمانيا في مارس 2014، كان مع المستشارة الألماية أنجيلا ميركل في دويسبورغ لاستقبال أحد قطارات الشحن أثناء وصوله، بعدما قطع مسافة النقل في نصف الوقت، وحدَّ من التكاليف بشكل كبير، مقارنة بالشحن البحري.  

تجارة حرة وبنك استثمار 

وفي 5 يونيو، تحدث شي جين بينغ في الجلسة الافتتاحية للاجتماع الوزاري السادس لمنتدى التعاون بين الصين والدول العربية في قاعة الشعب الكبرى في بكين، مستفيضًا عن أهمية “طريق الحرير البحري” لبناء العلاقات الاقتصادية بين الصين والعالم العربي. وخلال هذا الاجتماع، تطورت الخطة إلى إقامة منطقة تجارة حرة للصين ودول المجلس التعاون الخليجي. 

وفي وقتٍ لاحق، انضم عدد من الدول العربية، منها السعودية ومصر، إلى بنك الاستثمار في البنية التحتية AIIB برعاية الصين؛ والذي سيمول بعض مشروعات البنية التحتية على طول طريق الحرير البحري، ويمتد من الصين عبر جنوب شرق آسيا إلى أفريقيا، وعبر قناة السويس إلى البحر المتوسط.  

وتمتلك الصين احتياطيات من النقد الأجنبي تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار، أوضح شي جين بينغ أنه مستعد لإنفاقها على مشروعه “حزام واحد، طريق واحد”. 

الاستثمار في مناطق الفوضى 

والسؤال الذي يشغل المفاوضين الأمريكيين هو ما إذا كانت الصين ستكون مستعدة للاستثمار في المناطق الواقعة على طول طريق الحرير لكنها تعاني من عدم الاستقرار والفوضى والحروب. هل ستضع الصين رؤوس أموالها في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من المناطق التي يصطبغ وضعها الأمني بالغموض، في أحسن الأحوال؟ 

وراء الكواليس، تحاول واشنطن تشجيع مثل هذه الاستثمارات الصينية. فخلال اجتماعاتهما في نيويورك وواشنطن في سبتمبر، اتفق الرئيسان “أوباما” و”شي” على إضافة عملة الرنمينبي إلى سلة حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي؛ وهو الاتفاق الذي دعمته الولايات المتحدة. وفي بداية سبتمبر، أعلن صندوق النقد الدولي إضافة الرنمينبي إلى سلة حقوق السحب الخاصة، وهي المرة الأولى التي تضاف فيها عملة بهذه المواصفات إلى الصندوق.  

خطة مارشال مأمولة 

وأعلنت بكين مؤخرًا أنها ستبني أول قواعدها البحرية الخارجية في جيبوتي على ساحل شرق أفريقيا عبر اليمن. ولأن الولايات المتحدة وفرنسا تمتلكان قواعد هناك بالفعل، لم يمكن للاتفاق بين جيبوتي والصين أن يتم دون موافقة أمريكية مسبقة. وهو ما يمثل خطوة صينية هامة لإنشاء أول تواجد دائم لها في الخارج. وهو موقع بالغ الأهمية على طول طريق الحرير البحر المقترح.  

وتختبر واشنطن ما إذا كانت الصين مستعدة الآن لنشر احتياطاتها الهائلة من العملة الصعبة للاستثمار في أجزاء من العالم الإسلامي تواجه مشكلات اقتصادية وأمنية خطيرة توفر خصبة خصبة لتجنيد الجهاديين.  

وعندما يزور شي جين بينغ واشنطن في مارس 2016 لحضور مؤتمر دولي حول الانتشار النووي والأمن، تأمل إدارة أوباما أن تستطيع الإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة والصين بخصوص خطة مارشال للشرق الأوسط. ويتزامن ذلك مع الموعد المستهدف لتنفيذ اتفاقيات فيينا بشأن تشكيل مجلس للحكم الانتقالي في سوريا وصيغة دستور جديد، في حال نجاح تطبيق وقف إطلال النار في يناير.  

حذر أمريكي 

وحتى الآن، اتخذت إدارة أوباما نهجًا فاترًا حيال برنامج شى جين بينغ “حزام واحد، طريق واحد”؛ خوفًا من كونه- أولا وقبل كل شيء- مشروعًا جيوسياسيًا صينيًا لكسب نفوذ عالمي من خلال تقديم حوافز استثمارية واسعة النطاق، وأنه في نهاية المطاف سيضعف النفوذ الأمريكي في مناطق رئيسية من أوروبا وآسيا وأفريقيا. كما رفضت إدارة أوباما دعوة الصين للانضمام إلى بنك AIIB، حتى بعد انضمام حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين: بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية وإيطاليا.  

ومع ذلك، تستكشف واشنطن الآن ما إذا كانت الاستثمارات الصينية سوف تستهدف دولا عربية لدى الولايات المتحدة مصالح استراتيجية فيها لكنها لا تستطيع توفير أموال كافية لتنميتها اقتصاديا. فيما تُعَوِّل إدارة أوباما- جزئيًا- على مخاوف الصين المتزايدة حيال انضمام مئات الويغور من شمال غرب منطقة شينيجيانج الصيني إلى صفوف تنظيم الدولة. 


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …