شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr كتبه: كامران بخاري، روبن بلاكبيرن- ترجمة: علاء البشبيشي * الخلاصة: اليمن هي أحدث ساحات الصراع- الإقليمي والطائفي- المتنامي بين الرياض وطهران. وفي ظل قيادة المملكة للتدخل العسكري في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران، كَثُر الحديث عن حشد المعسكر السني لمواجهة التهديد الذي تمثله القوى الشيعية الصاعدة. بيدَ أن المصالح المتنافسة تمثل حجر عثرة في طريق التحالف السني الناشئ. * التوقعات: – المصالح المتنافسة ستعوق تحالف المعسكر السني. – هناك اختلاف في الرؤى السعودية والتركية بشأن مستقبل العالم العربي. – أُبعِدَت باكستان جغرافيًا عن “الشرق الأوسط”، ولا تجمعها بالسعودية روابط طائفية وثيقة. – التحالف الذي تقوده الرياض في اليمن يمثل تجمعا عربيا أكثر من كونه كتلة سنية، والخلافات متواجدة حتى بين العرب. *التحليل: أثار تمرد الحوثيين في اليمن رد فعلٍ من بعض الدول السنية، تُوِّجَ بحشد السعودية ائتلافا قوامه 10 دول؛ لشن حملة جوية وفرض حصار بحري ضد الحوثيين، وتوجيه تركيا انتقادات لاذعة وغير مسبوقة ضد إيران لدعمها ضد الحركة. حتى باكستان، التي أبعدت عن الشرق الأوسط جغرافيا، تم جرها إلى الصراع (وإن كان برلمانها حسم تدخلها بريًا في اللحظات الأخيرة، لكنها استرضت المملكة بتقديم مساعدات أخرى).. كل هذا النشاط؛ خلق ضجة حول ظهور كتلة سنية. مما لا شك فيه أن الصراع في اليمن زاد الاستقطاب الجيوسياسي الطائفي، الذي قدح زناده صعود حكومة يسيطر عليها الشيعة في العراق منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وفاقمته الحرب الأهلية السورية. وكم هي خاطئةٌ؛ فكرة أن: محاولة إيران توسيع نفوذها في شبه الجزيرة العربية دفعت السنة في المنطقة إلى الاصطفاف ضد طهران وحلفائها. ذلك أن الجهود التي تقودها السعودية لحشد الدول السنية تكشف انقسامات كبيرة بين هذه البلدان. (توازن القوى الطائفي في الشرق الأوسط) (1) تركيا صحيحٌ أن تركيا- الدولة السنية الأقوى في المنطقة- انتقدت بشدة، على لسان رئيسها رجب طيب أردوجان، دعم إيران للحوثيين في أواخر مارس، واتهمها بالسعي إلى الهيمنة على المنطقة، قائلا: “هذا أمر يزعجنا، وكذلك السعودية ودول الخليج”، واصفًا الوضع بأنه لا يطاق، ومطالبا طهران بسحب أي قوات لها في اليمن وسوريا والعراق. ومع ذلك، لم تشارك تركيا بأي قوات في حرب اليمن. فلا يستسيغ الأتراك أن تكون بلادهم جزءا من تحالف تقوده السعودية، بينما ترغب أنقرة في القيادة الإقليمية. وفي المقابل، يرغب السعوديون في رؤية الأتراك يشاركون في مبادرتهم، لكنهم يشعرون بالقلق من طموحاتهم الإقليمية. فبعد كل شيء، جاء ظهور النظام السعودي في منتصف القرن الثامن عشر في سياق معارضة الهيمنة التركية على الأراضي العربية. وحتى إذا لم تمتنع تركيا عن المشاركة، فإن السعوديين وفاعلين عرب آخرين لا يشعرون بالارتياح حيال فكرة الاصطفاف مع تركيا؛ ذلك أن القيام بذلك سوف يمنح أنقرة الفرصة للهيمنة على المنطقة. ومن ثمَّ، يريد العرب أن تساعدهم تركيا في مواجهة إيران، دون أن يؤدي ذلك إلى تمهيد الطريق أمام التطلعات التركية. علاوة على ذلك، هناك تنافر كبير في الرؤى بين تركيا والسعودية فيما يتعلق بمستقبل المنطقة. (1) فبينما تريد أنقرة إعادة صياغة العالم العربي وفق رؤيتها الخاصة، التي من أجلها تدعم جماعات من طراز الإخوان المسلمين. (2) ترى السعودية أن الإسلام السياسي وعملية الدمقرطة يعتبران مزيجًا فتاكا. ورغم ما سبق، فحينما يتعلق الأمر بطهران- خاصة الصراعات مثل تلك الموجودة في سوريا والعراق؛ حيث تلتقي مصالح أنقرة والرياض إلى حد ما- يمكن للبلدين أن يستفيدا من التعاون على المستوى التكتيكي. ولمَّا كانت الحكومة المدعومة إيرانيا في سوريا تمنع تركيا من توسيع نفوذها في العالم العربي؛ دأبت أنقرة على التعاون مع الدوحة في سوريا، وها هي تقوم بالتنسيق مع الرياض. هذا يوضح- جزئيا- المكاسب التي حققها الثوار مؤخرًا ضد دمشق. وبالمثل، يحتاج السعوديون إلى العمل مع الأتراك لإسقاط الحكومة السورية، وسدّ ثغرة رئيسية تُمَكِّن إيران من اختراق العالم العربي. بَيْدَ أن الأهدافه المتباينة ستجعل المنافسة المستقبلية بين الأتراك والسعوديين قدرا محتوما. (2) باكستان خلافا لتركيا، فإن قوة باكستان التقليدية ضعيفة نسبيا. فقد استُبعِدَت جغرافيا من منطقة الشرق الأوسط، وليس لديها طموحات لقيادة المنطقة. ومع ذلك، فإن العلاقات السعودية مع باكستان تمثل أيضا مشكلة، حتى في ظل التحالف التاريخي الوثيق بين البلدين. حيث كانت الرياض مصدرا هاما للمساعدات المالية والنفطية المقدمة إلى إسلام أباد خلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها البلاد. وفي المقابل، قدَّم الباكستانيون دعما عسكريا للسعوديين، سواء من ناحية تأمين المملكة أو مصالحها في المنطقة. علاوة على ذلك، تعاونت مخابرات البلدين عن كثب؛ لأول مرة عبر الجهود المبذولة لدعم المتمردين الإسلاميين في أفغانستان خلال الثمامنينيات والتسعينيات، ولاحقًا في القتال ضد المجاهدين على مدى العقد الماضي. ورغم هذه العلاقات الوثيقة، رفضت باكستان علنا إرسال قوات إلى اليمن. فمن وجهة النظر الباكستانية، ينتشر جيشها بالفعل على مساحات شاسعة في سياق محاربته لأيديولوجية سعودية المنشأ، ألحقت قدرا كبيرا من الألم بباكستان. وبعد العراق، كانت باكستان ساحة لمعركة طائفية دموية، بين السنة والشيعة، أتت على الأخضر واليابس. وبينما تكافح إسلام أباد بالفعل للتعامل مع هذا الصراع المزدوج، فإن آخر ما تريده هو الانضمام إلى المنافسة بين الرياض وطهران، لا سيما في اليمن. ذلك أن مشاركتها في حرب اليمن؛ قد تبدد المكاسب التي حققتها ضد المتطرفين الدينيين على مدار السنوات الست الماضية. علاوة على ذلك، يشكل الشيعة قرابة 20% من سكان باكستان، ويفترض أن تقوم الدولة بحماية هذه الأقلية ضد هجوم المليشيات السنية. وفي المقابل يوجد العديد من الجماعات الباكستانية التي تدعم بصخب الاصطفاف الوثيق مع السعودية، وتشكل موقف إسلام أباد، المتمثل في: عدم التسامح مع أي تهديد لسلامة المملكة الإقليمية. بيدَ أن المزاج العام يميل إلى أن السعوديين لا يمثلون تهديدا للسعودية؛ لأن الرياض هي التي شنت الهجوم. بينما يأتي التهديد الذي يواجه السعودية، والعالم الإسلامي الأوسع، من الأيديولوجية السلفية السعودية، والمتمردين عليها، من أمثال: تنظيمَي الدولة والقاعدة. (السكان الشيعة في الشرق الأوسط الأكبر) ورغم كونها دولة سنية، تمتلك باكستان القليل من القواسم المشتركة مع السعودية والعالم العربي. فإلى جانب الاختلافات الجغرافية والعرقية، يختلف الإسلام السني الباكستاني عن التفسير السلفي السعودي. كما تؤكد باكستان على الفرق بين ثقافتها السياسية الديمقراطية والطابع الاستبدادي السعودي. وبعدما جهر البرلمان الباكستاني برفض المشاركة بقوات عسكرية، تدرك الرياض الآن أنه لم يعد يمكنها الاعتماد على إسلام أباد كالسابق. وبما أن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن مكون من دول عربية؛ فإن الجهود المبذولة بصدد تشكيل قوة عسكرية عربية. (3) العالم العربي إذا كان ذلك كذلك؛ فإن الحديث المتكاثر عن المعسكر السني هو في حقيقة الأمر حديثٌ عن المعسكر العربي. لكن المملكة العربية السعودية، وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، يتحملون نصيب الأسد من العبء في اليمن؛ لأن الدول العربية الثلاث الكبرى- مصر وسوريا والعراق- فقدت أهميتها الاستراتيجية منذ السبعينيات. (1) تعثرت محاولات مصر للقيادة الإقليمية؛ عندما تمخضت الحروب، والمنافسة البينية العربية، والضعف الاقتصاد هيكليا، عن أفول الحكومة الناصرية. (2) في سوريا، ترسخت سلطة الطائفة الأقلية العلوية في حكومة البعث السوري، خلال عهد الرئيس حافظ الأسد، وقادت البلاد- في ظل التنافس مع بغداد- خارج المظلتين السنية والعربية. (3) أضعفت حرب الخليج عام 1991 العراق كدولة عربية سنية، قبل أن تسقط بغداد لاحقًا في فلك إيران بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. (التحالف العسكري الذي تقوده السعودية) علاوة على ذلك، قُسِّم العالم العربي الذي يهيمن عليه السنة منذ فترة طويلة بين الملكيات المحافظة والدول الجمهورية المتطرفة، وهي الفجوة التي حلَّت- خلال العقود الثلاثة الماضية- إلى حد كبير مكان الصراع الأيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين أو التقليديين. وفي ظل ضعف الدول العربية الأكثر مؤسسية، صعدت الممالك الغنية بالنفط كقيادة للعالم العربي، وهذا هو السبب في أن دول مجلس التعاون الخليجي أكثر فعالية من جامعة الدول العربية. لفترةٍ طويلة، كانت الأداة الرئيسية التي تستخدمها دول الخليج في تشكيل المنطقة، هو: ثقلها المالي. تاريخيًا، كانت مصر قوية سياسيا وعسكريا، لكنها ضعيفة ماليا؛ وبالتالي أصبحت تعتمد اعتمادا كبيرا على سخاء الخليج في مرحلة ما بعد حسني مبارك. وزادت الاضطرابات في المنطقة بشكل كبير بعد الربيع العربي، الذي ترك السعودية وحلفائها في الخليج ليتولوا قدرًا أكبر من القيادة، خاصة في ظل بدء الولايات المتحدة تقليص انخراطها في المنطقة، والتعامل مع إيران. هذا هو السياق الذي برز فيه التدخل العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. بـ 100 طائرة، وبعض الوحدات البحرية، و150 ألف مقاتل، اضطلعت المملكة بالجزء الأكبر من المهمة. وجاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية؛ بـ30 طائرة، رغم امتلاكها مؤسسة دفاعية متطورة، ومشاركتها في العمليات داخل ليبيا وسوريا. وساهمت الكويت والبحرين بـ15 و12 طائرة على التوالي، في حين شاركت قطر بـ10 طائرات حربية. وتشير التقارير إلى أن كلا من الأردن والمغرب قدم ست طائرات، في حين أرسلت السودان أربع طائرات حربية، رغم أنه لم يتضح ما إذا كانت هذه الطائرات قد شنت غارات جوية، وإذا حدث ذلك فكم عددها. أما مصر- صاحبة أكبر جيش عربي- فقدمت بعض الدعم الجوي والبحري، لكن التفاصيل أيضًا غير معروفة بدقة. ويأمل السعوديون في أن تقدم القاهرة قوات برية، لكن مصر- برغم اعتمادها المالي على المملكة ودول الخليج الأخرى- قاومت هذه الرغبة. فمن وجهة النظر المصرية، لا يمثل تمرد الحوثيين في اليمن هذا القدر من التهديد الذي تراه السعودية، كما أن القاهرة مهتمة بمسائل أخرى في مجالها المباشر، مثل: ليبيا وغزة. وفي حين تعتمد الدول العربية على السعودية في قيادة التحالف، فإنها ليست مرتاحة لإخضاع سيادتها الوطنية لمؤسسة فوق وطنية تهيمن عليها المملكة. وفي حين تعتمد الدول العربية على الرياض لقيادة التحالف، فإنها لا تشعر بالارتياح حيال إخضاع سيادتها الوطنية إلى مؤسسة فوق وطنية تهيمن عليها المملكة العربية السعودية. هذه الدول لديها أولويات مختلفة، وتواجه تحديات مختلفة؛ وبالتالي فلابد وأن تحدث خلافات بينها. حتى فيما يتعلق اليمن، حاولت مصر المشاركة بالحد الأدنى، ولدى الإمارات العربية المتحدة مخاوف بشأن الحرب. كما أن تغيير القيادة في الرياض حرَّك أمواج القلق. والدول العربية لا تشعر بالقلق فقط من الانتقال السياسي الجاري في المملكة، لكنها أيضا قلقة من الأيديولوجيا السلفية السعودية التي لا تزال عاملا مزعزعا للاستقرار، يمكن للجهاديين استغلالها. هنا تكمن المعضلة الاستراتيجية: يحتاج العالم العربي إلى السعودية، لكنه يخشى هيمنتها. علاوة على ذلك، فإن طبيعة الدولة السعودية يعيق قدرة الرياض على القيام بمتطلبات القيادة. ذلك أن نظامها الملكي يعتمد على “السلفية”، في إطار ترتيبٍ فريد لا ينطبق على دول أخرى، مثل، مصر، أو حتى على أنظمة ملكية أخرى، مثل: الإمارات العربية المتحدة. وبينما تسعى كافة الدول العربية للحد من الإصلاحات الديمقراطية، تغيب الرؤية المتماسكة لكيفية ارتقاء وتطور الحكومات العربية. ورغم هذه العقبات الكثيرة، لا يوجد بديل للمملكة العربية السعودية، التي تدِّعي قيادة العالم العربي السني. وسيكون على السعوديين قيادة أي قوة عسكرية عربية مشتركة، لكن جزءا رئيسيا من هذا الجهد سيوجه لكي تلعب مصر، التي تمتلك قوات كثيرة، دورًا أكبر. إلى جانب ذلك، يجب العمل على العديد من القضايا الهامة، مثل: الخدمات اللوجستية، وقابلية التشغيل البيني، وصنع القرار السياسي. حتى حاكم دولة الإمارات العربية المتحدة “بحكم الأمر الواقع”، الأمير محمد بن زايد آل نهيان، دعا مطلع الشهر الماضي إلى إنشاء سلطة سياسية للإشراف على القوة العربية المتصورة. وفي حين تناضل المملكة العربية السعودية من أجل حشد العالم العربي، فإن تركيا، التي يمثل تقدمها السياسي والاقتصادي نموذجًا أكثر جاذبية للشباب العربي، سوف تمثل تحديًا لقراراتها بشكل مستمر. وتتمتع تركيا أيضا بميزة كونها سنية، وتتبوأ وضعًا أفضل لمواجهة إيران، مقارنة بـ”الآخر” الطائفي. أما الآن، فإن التحالف العربي بقيادة السعودية يعتبر قوةَ استجابة ضعيفة نسبيا؛ وهذا هو السبب في أن الرياض وحلفائها الخليجيين كانوا حريصين على تأمين الدعم الأمريكي في قمة كامب ديفيد منتصف مايو. ومن نواحٍ كثيرة، نشأت مشكلات تكوين المعسكر السني؛ لأن الأغلبيات عادة ما تكون مجزأة داخليا، في حين تميل الأقليات للمزيد من التماسك. وبالمثل، فإن القيادة السنية متنازع عليها، في حين أن إيران لا تواجه تحديات من دول شيعية أخرى. * شؤون خليجية