شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشيأصدرت فرنسا والسعودية بيانا مشتركا، منذ أسابيع، يدعو إلى أن يكون الاتفاق النووي الإيراني الذي سيُتَوَصَّل إليه مستقبلا “قابلا للتحقق” و”لا يشكل خطرا على المنطقة”. جاء البيان عقب زيارةٍ قام بها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى الرياض، التقى خلالها العاهل السعودي في مقر إقامته الخاص، لأكثر من ساعة. وكانت الرحلة تهدف، في أحد جوانبها، إلى تأكيد التزام باريس بأمن واستقرار ممالك الخليج.مشاركة متناميةتؤكد الزيارة الروابط المتينة بين باريس ودول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الرياض، في ظل تنامي الانخراط الفرنسي في شؤون الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يتضح من مشاركة فرنسا في التحالف ضد الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، ومساهمتها في ضربات التحالف الجوية ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا. كما برزت باريس، وليس واشنطن، باعتبارها القوة غربية التي تتقاطع مخاوفها في المنطقة مع مخاوف دول الخليج، خاصة عقب اندلاع الربيع العربي عام 2011. الهيمنة الفرنسية.. غياب الرغبة والقدرة لكن فرنسا ليست على وشك أن تحل مكان الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأكثر أهمية لاستقرار وأمن منطقة الخليج؛ فإلى جانب أنها غير مهتمة بأن تصبح القوة العسكرية الخارجية الأساسية في المنطقة، فإنها لا تمتلك القدرة التي تؤهلها لذلك. والحاجة إلى شركاء مؤهلين؛ هي التي تجمع بين السعودية وفرنسا. وغياب الأمان في مواجهة التهديدات النابعة من منطقة شديدة القرب من الوطن؛ هو الذي يصوغ شكل التحرك الفرنسي في الشرق الأوسط.جذورٌ ممتدة تمتد الجذور الفرنسية في الشرق الأوسط لأكثر من ألف عام. حيث شكلت القوات والقادة العسكريون الفرنسيون أحد المكونات الرئيسية للقوات المسيحية في بدايات الحروب الصليبية. وكان النبيل الفرنسي جودفري دي بوايون هو مؤسس مملكة بيت المقدس في عام 1099. وحتى عام 1830، حددت سلسلة من الحروب والعلاقات التجارية وتبدل التحالفات علاقة فرنسا مع العالمين العربي والعثماني. وفي مقابل فقدان الأراضي في نصف الكرة الغربي (خاصة أمريكا الشمالية)، انتشر النفوذ الاستعماري الفرنسي في كافة أنحاء المغرب العربي إلى غرب إفريقيا وبلاد الشام. وما بين عامي 1848 و1962، كانت فرنسا تدير الجزائر والمناطق المحيطة بها في وهران والقسطنطينية، ليس كمستعمرات ولكن كإدارات فرنسية. ولأكثر من قرنٍ تمددت الدولة الفرنسية على جانبي البحر الأبيض المتوسط. وقد عزز اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 النفوذ الفرنسي في بلاد الشام؛ حيث مُنِحَت فرنسا بموجبه الأراضي العثمانية السابقة، فيما أصبح اليوم لبنان وسوريا وأجزاء من تركيا والعراق، بالاتفاق مع بريطانيا وروسيا.تطوَّر الدولة الفرنسيةهذا التاريخ الطويل كانت له آثارًا راسخة على تطور الدولة الفرنسية. فالتركيبة السكانية في فرنسا، كما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية المجاورة، تعكس تدفقًا للمهاجرين من مستعمراتها السابقة. حيث توافد العرب- خاصة الجزائريون والمغاربة- وسكان غرب أفريقيا، وكثير منهم مسلمون، بشكل مطرد على المناطق الحضرية الفرنسية. ورغم أن الاتحاد الأوروبي لا يسمح بجمع بيانات ديموجرافية على أساس الدين والعرق، قدرت المنظمات الغربية غير الحكومية، مثل صندوق بيو الخيري، أن المسلمين في فرنسا يمثلون أحد أكبر التجمعات السكانية عددا في أوروبا، بواقع 4.7 مليون نسمة. كما أن فرنسا لديها أيضا أكبر عدد من السكان العرب في أوروبا.تشكيل النظام السياسيهذا التدفق للأجانب شكَّل النظام السياسي الفرنسي. حيث شهدت الحرب الجزائرية الدامية من أجل الاستقلال (1954-1962) انهيار الجمهورية الرابعة، وعودة شارل ديجول إلى الحياة السياسية. وبشرت مذبحة عام 1961 بحق الجزائرين المؤيدين للاستقلال في باريس بحالة من عدم اليقين السياسي في الستينيات، بلغت ذروتها في أعمال الشغب الفرنسية عام 1968. كما أثرت الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات أيضا على فرنسا، حيث شُنَّت هجمات على مترو باريس، وتناثرت شائعات عن تخطيط إسلاميين جزائريين لتدبير ارتطام طائرة ببرج إيفل. وكثيرًا ما حشد حزب الجبهة الوطنية السياسي أنصاره ضد تنامي النفوذ العربي والإسلامي في فرنسا. فيما عملت باريس بجد لاحتواء التهديد المستمر من الهجمات والأنشطة التي تتعلق بالإرهاب.ما وراء المكاسب الاقتصاديةلكن فرنسا لا تستطيع تشكيل الأحداث في الشرق الأوسط بنفسها، فمنذ ولادة الجمهورية الخامسة، كانت فرنسا حريصة على الاعتماد بشكل كبير على الولايات المتحدة أو شركائها الأوروبيين للدفاع عن مصالحها الوطنية. كما أن الدولة الفرنسية، المستميتة لإبقاء حالة عدم اللاستقرار في الشرق الأوسط بعيدة عن حدودها، تتودد إلى الفاعلين الأكثر قدرة وتأثيرا في العالم العربي، أي: المملكة العربية السعودية وشركائها في الخليج. وبينما تقدم السعودية وحلفائها العلاقات القبلية، وأوراق الاعتماد الدينية، والرغبة في إقامة روابط مع الجماعات المسلحة من مختلف المشارب، تصطحب باريس مكانتها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والمعدات العسكرية، والاستثمار المالي والتكنولوجي في مشاريع الطاقة الإقليمية. لكن العلاقة تمتد إلى ما هو أبعد من تحقيق مكاسب اقتصادية متبادلة، لتشمل مجال الأمن، وتصل إلى مستوى البقاء على قيد الحياة.انحياز وبالتالي انحازت فرنسا دائما إلى الدول العربية في مجموعة متنوعة من القضايا الإقليمية، بما في ذلك التقارب بين الولايات المتحدة وإيران. وبانفصالها عن مواقف المملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة، أصبحت باريس ربما القوة الغربية الأكثر تشددا وإثارة للارتياب فيما يتعلق بمفاوضات إيران النووية، وهو الموقف الذي يتبناه القادة العرب في المنطقة وإسرائيل. في الظاهر، لا تعارض فرنسا رفع العقوبات المفروضة على إيران، ذلك أن باريس وطهران تجمعهما تاريخيا علاقات سياسية واقتصادية قوية، خصوصا قبل ثورة عام 1979. لكن عندما سقط الشاه، وبالتالي دور إيران كقوة رئيسية داعمة لاستقرار المنطقة، خشيت باريس بشدة من امتلاك ايران لسلاح نووي، واشتعال نزاع مسلح أوسع بين القوى الرئيسية في الشرق الأوسط: إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية.الأخطر من الحرببيد أن ما تخشاه فرنسا أكثر من اشتعال الحرب في الشرق الأوسط، هو الصراع الذي يمكن أن يلقي بظلاله على الآلاف من رعاياها، ويؤدي إلى أزمة إنسانية أكبر قد تسوق المزيد من المهاجرين إلى حدودها. هذه المخاوف شكلت مواقف فرنسا حيال سوريا، وضد الدولة الإسلامية، ووفرت الزخم لتدخل باريس عام 2012 ضد المسلحين الإسلاميين في شمال مالي. كما تعتبر فرنسا أحد أقوى مؤيدي التدخل الغربي الجديد في ليبيا، على الرغم من أنها وجدت في السعودية شريكا أقل استعدادا من الإمارات ومصر، حيث تفضل الرياض التركيز على التهديدات الأكبر، والأقرب إلى شبه الجزيرة العربية.القيود الفرنسيةفي النهاية تفتقر فرنسا إلى الثقل العسكري والاقتصادي لتحل مكان الولايات المتحدة باعتبارها القوة الغربية المهيمنة في الشرق الأوسط، لكنها أثبتت أن بإمكانها أن تكون فاعلا خارجيًا يتمتع بالعزم والتفكير المستقل، ويتمتع بدعم إقليمي قوي. وبينما ستواصل باريس التواصل مع الدول العربية، مثل المملكة العربية السعودية، فإن هذا الانخراط سيكون تذكيرًا ضمنيًا بالقيود الفرنسية، وليس تمهيدًا لمزيد من النفوذ في الشرق الأوسط. شؤون خليجية