الرئيسة في العمق انسحاب البرادعي.. بين السياسي والثوري!

انسحاب البرادعي.. بين السياسي والثوري!

0 second read
0

علاء البشبيشي

يرى البعض أن انسحاب د. محمد البرادعي من السباق الرئاسي يمثل رفضا تكتيكيا لنظامٍ لا يزال يسيطر بأيدي الحكومة القديمة، ونوعًا من الاعتراض على العملية السياسية الحالية، التي همَّشته ونبذته، كما تقول المحللة السياسية هاله مصطفى، ورئيسة تحرير “ديموكراسي ريفيو جورنال”.

فيما يراه آخرون نتيجة طبيعية لفشله في حشد دعمٍ واسع النطاق، والانتقادات التي وُجِّهَت له بسبب أعوامه الطويلة التي قضاها خارج مصر، واتهامه بأنه ركب الثورة للوصول إلى السلطة، وهي الأسباب التي جعلته يبدوا في فيديو الانسحاب محبطا، على حد وصف واشنطن بوست، في تقريرٍ لـ “ليلي فاضل” و”إنجي حسيب”.

وفي حين رجَّح التقرير أن البرادعي هو المفضل ثوريا لقيادة مصر في مرحلة ما بعد مبارك، لا سيما بعدما أصبح– بعد عودته لمصر- رمزًا للحكمة والقيادة لدى العديد من الشباب الثوري، سلَّط الضوء على انقسام الشباب المصري حياله.

وفي حين نقل عن الناشطة شيماء حمدي، قولها: “البرادعي كان يمثل لي الأمل.. عليه أن يستمر”، سجَّل في المقابل استنكار المحامية المصرية– الأمريكية، نفيسة زكريا، خبر انسحاب البرادعي، واصفة ترشيحه بـ “الغطرسة”، قائلة: “لم يكن أحد سينتخبه. وبهذه الطريقة (الانسحاب) حفظ ماء وجهه”، مضيفة: “عشتُ في أمريكا 45 عاما، لكني لم أعود لمصر وأقول: مرحبا، سأكون رئيسًا؛ هذا ليس عدلا”.

هذا الرأي الأخيرى رجحه الكاتب بلال فضل، حين كتب مُتَوْتِرًا: إن قرار البرادعي لو كان ثوريا خالصا لكان اتخذه بعد أن سالت الدماء في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، وليس بعد انقضاء العزاء بسنة، على حد وصفه، لكنه انسحب لأنه سياسي محنك. ولو كان يدرك أن فرص نجاحه ضخمة لما انسحب.. كفانا مغالطة؛ هذا ليس قرارا ثوريا، لكنه قرار سياسي صحيح.

هذا الانقسام حول البرادعي، الحائز على نوبل، ليس جديدًا، بل يعود إلى مرحلة مبكرة من نشاطه في مصر، حينما انفجرت الجمعية الوطنية للتغيير من الداخل، بعدما استقال منسقها العام، د. حسن نافعه؛ بسبب تغيب البرادعي طويلا خارج مصر، وانسحب آخرون من بينهم الإعلامي حمدي قنديل، الذي فجَّر مفاجئه حينما اعترف بأنه شارك في تضليل المصريين عندما دعاهم لاختيار البرادعي رئيسًا.

أيضًا تسبب إصرار البرادعي على مطلب (الدستور أولا) باعتباره أساس البناء، في بقائه بعيدا عن الإجماع الشعبي، ودفعه إلى التغيب عن كافة اجتماعات مرشحي الرئاسة المحتملين، وجعله في مرمى انتقادات عديدة بسبب حسم هذا الخيار شعبيا باستفتاء 19 مارس. بالطبع من حق البرادعي، وبقية الـ 22.8% من المصريين، الذين صوَّتوا بـ (لا) في الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية، أن يظلوا على اقتناعهم برأيهم، لكن ليس من حق أحد القفز على اختيار 77% من المصريين، الذين اختاروا خارطة طريق واضحة ترجح وضع الدستور في ظل مؤسسات منتخبة، بدلا من وضعه في ظل مجلس عسكري عيَّنَه مبارك. ويرجح ذلك رأي المستشار البشري بأن مصلحة الوطن تقتضي أن يتم نقل السلطة من خلال انتخابات رئاسية لرئيس منتخب عقب انتخابات الشورى مباشرة حتى يوضع الدستور في ظل سلطة مدنية منتخبة وليست سلطة عسكرية؛ حتى لا يكون للأخيرة وصاية على مؤسسات الدولة القادمة.

لكن في المقابل مثَّل إصرار البرادعي على مواقفه ثباتًا، وعدم تلونٍ، يعتبر نقطة في صالحه، يُمدح بها. بل بعيدا عن هذا الانقسام، يوجد شبه اتفاق على دوره المحمود في حشد زخم شعبي وراء فكرة (التغيير)، والاعتراف بجهده في جمع مليون توقيع على مطالب ستة توافقية، بدعم مختلف بعض القوى السياسية والإخوان المسلمين، قبيل اندلاع الثورة. لكن أيضًا من الإهانة لنضال أجيال ورموز وسياسيين وعمال وطلبة اختصار فكرة الثورة في جهود شخص واحد (البرادعي)، لا سيما أنه ذاته يرفض وضعه في هذه المكانة التي لا ينبغي لفرد أن يتبوأها.

أيضًا تعترف الأغلبية بأن البرادعي كان له موقف شجاع في وقتٍ خاف كثيرون على رؤوسهم، لذلك يرى العديد، اتفقوا معه أم لم يفعلوا، أن انسحابه من السباق الرئاسي خسارة تخصم من حيوية وفاعلية المشهد الانتخابي والمشهد الثوري معا، وسواء اتفقتَ أو اختلفتَ معه مواقف لن يسعك سوى الاعتراف بأن وجوده كمرشح رئاسة محتمل أضاف كثيرا لزخم الثورة قبل وبعد 25 يناير 2011، كما أكد د. محمد البلتاجي. ويتخوف كثيرون من أن يصب هذا الانسحاب في صالح “عمرو موسى” إذا لم يتفق المرشحون الثلاثة، ذوو الخلفية الإسلامية، على التنازل لصالح أحدهم، أو لم يظهر مرشح جديد محترم وتوافقي.

وبعيدًا عن هذا الخلاف المستساغ، نشر موقع رايت سايد نيوز الأمريكي اليميني، تحليلا لـ “دانيال جرينفيلد”، قال فيه: “بإمكانك تأييد الإخوان المسلمون، أو المجلس العسكري، أو البرادعي، أو أي عفاريت ديمقراطية راقصة، لكن النتيجة دوما ستتمخض عن دكتاتورية جديدة، يدعمها البوليس السري الذي يُرهِب المواطنين وينهب البلاد. هذا هو نوع الحكومة الموجود في العالم الإسلامي”!

الأيام وحدها كفيلة بالرد على هذا الاتهام.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…