الرئيسة في العمق ميدل إيست بريفنج: الشرق الأوسط.. إلى أين؟

ميدل إيست بريفنج: الشرق الأوسط.. إلى أين؟

15 second read
0

ترجمة: علاء البشبيبشي

في عام 1945، توصل الرئيس فرانكلين روزفلت إلى اتفاق تاريخي مع مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن سعود؛ صاغ دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بقدر ما شكَّل المنطقة في نواحٍ كثيرة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات بين العرب والولايات المتحدة حجر الزاوية، ليس فقط في السياسات الإقليمية، ولكن أيضًا في الحسابات العالمية. 

بعد سبعين عامًا، وقَّع الرئيس باراك أوباما اتفاقا مع إيران. 

الخطاب يظهر من عنوانه

صحيحٌ أنه قد يكون من السابق لأوانه القول بأن الحليف الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة استُبدِل؛ لأن صفحات حول الأحداث الإقليمية ودور واشنطن لم تُكتَب بعد، لكن دروس الماضي علمتنا أن القصة القادمة ستعتمد على كيف كانت البداية. 

ونقطة البداية واضحة بالفعل؛ فإيران تمتلك قوة عسكرية كبيرة، وميزان القوى، والقدرات على الأرض، بين واشنطن وطهران- من زاوية إقليمية- تُنبئ بعلاقات مختلفة تماما بين أوباما والملالي عن العلاقات التي بدأها روزفلت مع السعوديين. 

نجحت إيران في الحفاظ على قدراتها النووية، وسوف تتمتع بحرية أكبر للحركة على مسرحٍ عالميّ متجانس نسبيًا بعد رفع العقوبات، وفي غضون أسابيع ستنهمر عليها الأموال، كما تلقى وكلاءَها وعودا بزيادة كبيرة في المساعدات الإضافية، بالإضافة إلى الدَفعة النفسية التي حصل عليها الوكلاء بتوقيع الاتفاق، بل إن نظام آيةالله الآن أكثر استقرارا أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق.

تحدي “المصالح المتعارضة”

يبدو من المنطقي بناء جسر مع بلد كهذا، لكن المسألة لم تكن أبدًا متعلقة بالصفقة النووية ذاتها، بل كان الأمر دائمًا يتعلق بما تنطوي عليه الصفقة. وكما هو حال في أي علاقة بين قوة عظمى وشريك إقليمي، يبقى سؤال: “أين توضع الحدود بين مصالح الجانبين الوطنية المتعارضة في المنطقة”؛ هو محل التحدي.

وهنا يكمن التناقض الجوهري في الصورة الكاملة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية الجديدة. ففي كل خطوة تخطوها طهران في الشرق الأوسط سوف تُساءَل الولايات المتحدة إلى أي مدى توافق على سلوك صديقها الجديد.

وليس سرًا أن طهران لديها طموحات لإحياء إمبراطوريتها الإقليمية القديمة بقدر حديث أردوغان الصريح عن الإمبراطورية العثمانية الجديدة. بل تحدث أحد الملالي الكبار مؤخرًا حول كون بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية الناهضة. 

وسوف تظهر طموحات إيران الإقليمية بوضوح أكثر في المستقبل- نتيجة للدفعة التي حصلت عليها نتيجة الصفقة- لتفرض بعض الخيارات الصعبة على الإدارة الأمريكية. وإذا تجاوزت طهران قواعد السلوك القانوني الدولي- كما هو الحال القائم بالفعل- قد تتردد الولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات حاسمة خوفًا من أن تستأنف طهران جهودها النووية المجمدة، أو تصبح أكثر عدوانية بعدما رأت التردد الأمريكي في استخدام القوة العسكرية. 

حتى العقوبات- مثل تلك المفروضة على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية- ستكون صعبة، ومن المتوقع أن تقود إلى استئناف الأنشطة النووية. 

بين المطرقة والسندان

وهكذا يبدو أن الآثار المترتبة على الاتفاق النووي معلقة بخيطٍ رفيع. حيث تصر الإدارة الأمريكية على تأكيد أن علاقتها مع العرب لن تتأثر بعلاقتها الجديدة مع إيران. لكن من الناحية الموضوعية، أين يمكن لأي شخص أن يقف في أزمة مثل القرم؟ روسيا أم أوكرانيا؟ الحقيقة أن الأزمة الإقليمية حينما تصل لمستوى معين من النضج؛ يصبح العثور على فُرجَة بين المطرقة والسندان مستحيلا. 

– فهل وصلنا إلى مستويات مماثلة في الشرق الأوسط؟ 

– نعم بالفعل. 

في سوريا، تقاتل قوات إيران وحزب الله علنا في بلدٍ ليس بلدهم. 

وفي العراق، وفقا حتى للبيانات الرسمية الأمريكية، تتواجد سرايا القدس الإيرانية.

كما أن طبيعة الاستقطاب في الشرق الأوسط حادة حقًا. وهذه مشكلة ليس فقط للمنطقة، بل ستكون مشكلة للولايات المتحدة من الآن فصاعدًا. ذلك أن المسافة بين الجانبين المتحاربين لا يسمح للولايات المتحدة باستخدام أي من أدوات الغموض. إما أن تقف هنا أو هناك. ولن يكون بمقدور أمريكا المحافظة على علاقتها مع الجانبين دون أن تضطر لمواجهة توتر ثنائي، إن لم يكن شيء أكبر، مع الجانب الآخر. هذا التوتر في حد ذاته يشكل عاملا مزعزعا للاستقرار في الشرق الأوسط. 

قصة الأحمق

ورغم ذلك، ثمة تبريرات يطلقها بعض الخبراء المخضرمين في واشنطن للمنطق وراء الصفقة. إذ يحذرنا أحدهم ألا نتوقع تغييرا في سلوك إيران بين عشية وضحاها. علاوة على ذلك، يخبرنا بأن دمج إيران في العالم والاقتصاد الدولي سوف يهذب سلوكها الإقليمي بتقديم حوافز معينة. 

لكن ألم نسمع الكلام ذاته سابقًا عن روسيا؟

يحذرنا الخبير من أن إيران ستتبع مصالحها الوطنية في كافة الأحوال، وفي بعض الأحيان ستتعارض هذه المصالح بشدة مع سياسة الولايات المتحدة. 

حسنًا، سمعنا قصة الغبي الذي وضع قدمه بداخل قارب والأخرى في قارب آخر وظل يؤكد للجميع بأنَّه يقف بثباتٍ شديد بينما كان القاربان يتباعدان. 

الآن، دعونا نفترض أن إيران تدخلت في البحرين- على سبيل المثال- بناء على حسابات مصلحتها الوطنية. لن يفاجئ ذلك أحدًا. بل إن خامنئي أطلق بالفعل تهديداته صوب الدولة الجزيرية الصغيرة فور توقيع الاتفاق النووي. 

لكن بفضل تحذير الخبير المبكر، نحن على استعداد لئلا نتوقع حدوث تغيير في سلوك طهران بين عشية وضحاها على أي حال. فبعد كل شيء- حسبما يقول- سيستغرق الأمر وقتًا حتى يصبح سلوك إيران معتدلا. 

– لكن حتى إذا اتفقنا مع هذا الرأي، ماذا يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة غير المحددة؟ 

– سيستمر القاربان في الابتعاد عن بعضهما البعض!

مليشات العراق الممولة إيرانيًا

الفائدة الأخرى التي أشار إليها الخبير هي أن “إيران تمول مليشيات العراق”- على حد وصفه- وهي تعتبر القوة الأكثر فعالية على الأرض في مكافحة تنظيم الدولة. 

حسنًا، هل هذه المليشيات أكثر فعالية من القوات الأمريكية التي أرسلت لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق في خضم اندفاع الرئيس جورج بوش؟ 

قيل إن تنظيم القاعدة هُزِم في العراق، وأن المهمة “أُنجِزَت”. لكن ذلك لم يحدث؛ فقط عادت القاعدة في ثوب تنظيم الدولة.

يتوقف كل هذا على كيفية تعريف هذا الخبير- وأمثاله- لمصطلح “الهزيمة”. أما نحن فنعتقد أن القوات الأمريكية حينما غادرت العراق تركت وراءها مهمة غير مكتملة: بناء هيكل سياسي شامل يعالج محنة السنة وجميع الأقليات الأخرى في العراق. 

ومادام السنة وغيرهم لا يزالون مستبعدين ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية؛ سوف تستمر جماعات عنف جديدة في الظهور بعد هزيمة القديمة. 

رئيس الوزراء العراقي، وقادة الشيعة العراقيين الآخرين الحقيقيين (بالمعنى الشامل للكلمة) مثل: مقتدى الصدر وعمار الحكيم، يدركون ذلك جيدًا. لكن خمِّن من يمنع حدوث ذلك؟ إنها “المليشيات الممولة إيرانيًا” التي يتحدث الخبير عنها. كل ما كان عليه فعله هو متابعة أخبار العراق عن كثب قبل الكتابة عما يتوقعه من “المليشيات الممولة إيرانيًا”.

من الواضح أن الخبير اكتشف بعض الجمال الخفيّ في الاتفاق النووي. لكن الدور الإيراني في العراق لن يؤدي إلى هزيمة تنظيم الدولة، بل إلى عملية تجديد طويلة المدى. 

أما ما يؤدي حقا غلى هزيمة التنظيم هناك فهو التوصل إلى حل سياسي يمنح جميع العراقيين- بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو الجنسية- حقوقا متساوية.

ويبقى شعاع الأمل الوحيد، الخافت، هو العدد القليل من مشاه البحرية الشجعان الذين يدربون متطوعي العشائر العربية في قاعدة التقدم لتأسيس ما نأمل أن يكون منطقة منيعة ضد تنظيم الدولة وسط العراق. 

وبمجرد هزيمة التنظيم؛ من المؤكد أن “المليشيات الممولة إيرانيا” سوف تتحول ضد كافة قوى القبائل السنية، ولن تترك أي مركز حضري سني حررته بالنيابة عن طهران. 

أليس ذلك مجرد إعادة إنتاج لتنظيم الدولة؟ هل هذا هو تعريف الخبير لـ”هزيمة” داعش على أيدي “المليشيات الموولة إيرانيا”؟ 

كسب المعركة وخسارة الحرب

يأتي النصر أحيانا خاليا من أي انتصار حقيقي. والمشكلة في العراق سياسية في المقام الأول، وعسكرية في المقام الثاني، لا العكس. 

لكن بطريقة ما، تعتقد إدارة أوباما أن الاتفاق النووي انتصار؛ لأنها أوقفت حصول إيران على القنبلة، وساعدت على تجنب الحرب، وفتحت جبهة جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية. 

لكن هذه الحجج ذاتها تكشف سوء فهمٍ لكيفية سير الأمور في الشرق الأوسط. 

حقيقة الأمر أن الرئيس أوباما وافق على استبدال إيران الأقل خطورة (إيران شبه النووية) بإيران الأكثر خطورة (إيران النووية). والآن، على الأمريكيين أن يعتبروا إيران الأقل خطورة حليفًا.. عليهم أن يجدوا مكانا لسياستهم الإقليمية في مكان ما داخل فضاء أوباما الساحر بين المطرقة والسندان. 

لكن إذا اعترف الرئيس بأن إيران لا تزال تمثل خطورة، مثلما فعل بالفعل؛ يجدر به الاستعداد لشرح الأسباب التي دفعت إدارته إلى غض الطرف عندما رأت فيلق القدس الإيراني- الذي تعتبره أمريكا إرهابيًا- يقاتل في سوريا والعراق.

كما يجدر به الاستعداد لما ستفعله الولايات المتحدة حينما تقل مساحة الالتفاف اللفظي والغموض الاستراتيجي إلى ما يقارب الصفر. 

ذلك أن الخطب البليغة لا تساعد كثيرًا في أوقات الحرب.

قناعات أوباما الكاسدة

يُقال إن الولايات المتحدة كانت تزِن أفعالها في الشرق الأوسط؛ لتتجنب إغضاب الإيرانيين أثناء المفاوضات. وهو الأمر الذي سينكره ممارسو الالتفاف المحترفون بالطبع، رغم وجود العديد من الأدلة الظرفية التي تُظهِر أن الإدارة وازنت بالفعل بعض قراراتها لتجنب إزعاج الملالي.

هذه هي الصفقة التي حصل عليها أوباما: خسر الرئيس ثقة العرب لكسب إيران الخطرة. 

وبالمناسبة، سيكون من الصعب أن تتكيف إيران مع المعايير الدولية. ففي طهران، لدينا مزيجا من التفوق القومي، والمعتقدات الدينية الصارمة، والصور القديمة للإمبراطورية العظمى التي حان وقت بعثها.

هل هذه صفقة جيدة؟ الرئيس مقتنع أنها كذلك.

فاز الرئيس- في الواقع- بمعركة في الشرق الأوسط، لكنه خسر الحرب هناك. والمشكلة تكمن في أنه يحتفل بفوزه في المعركة دون أن يرى خسارته للحرب. 

هزّ الاتفاق النووي الأساس الذي وضعه الرئيس روزفلت. وسوف يضع الولايات المتحدة في المعسكر ذاته مع دولة ذات طموحات جامحة تتناقض مع كافة تفاصيل المصالح الأمريكية في المنطقة. 

وإذا كان الرئيس أوباما يعتقد أن بإمكانه الاختباء في منطقة الغموض الرمادية، من خلال التأكيد على العلاقات “المتينة” مع العرب، والالتزامات التي “لا تتزعزع” بأمنها، قد يكون من المفيد تذكيره بأنه لم يعد أحد في الشرق الأوسط يشتري هذه البضاعة.


 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران …