الرئيسة في العمق 3 خطوط زمنية ضرورية لفهم منطقة الشرق الأوسط

3 خطوط زمنية ضرورية لفهم منطقة الشرق الأوسط

8 second read
0

ترجمة: علاء البشبيشي
ثلاثة خطوط زمنية متمايزة؛ تشكل تطورات الشرق الأوسط، وفهمها ضروري لصياغة استراتيجية فعالة في المنطقة:
(1) خط زمني قصير الأجل؛ يُظهِر الصراعات اليومية والشئون السياسية.
(2) وخط زمني متوسط الأجل؛ يتناول التحولات الجيوسياسية التي تقاس بالعقود.
(3) وخط زمني طويل الأجل؛ يرصد التحولات الاجتماعية والثقافية.
بالطبع يحظى الخط الزمني الأول بمعظم الاهتمام؛ حيث تنهمر تقارير وسائل الإعلام بلا هوادة لرصد أحدث جولات القتال بين إسرائيل وحماس، والمفاوضات الأخيرة حول البرنامج النووي الإيراني، ونشاط المعارضة والقمع السياسي في مصر والبحرين، والمذابح والمآسي الإنسانية التي تتكشف في سوريا والعراق.
لكن التفكير السياسي في الشرق الأوسط عادة ما يرتبط بالخط الزمني الثاني؛ ففي الواقع، يستحيل فهم التاريخ والسياسة المعاصرة في المنطقة بدون فهم نشوء نظام الدولة الإقليمي بعد الحرب العالمية الأولى وزوال الدولة العثمانية.
على سبيل المثال، ثمة تذكير دائم بأن القوى الخارجية- وأبرزها المملكة المتحدة وفرنسا- هي التي أنشأت الحدود القائمة. وما ترعرعت الأساطير المؤسِّسَة لكثير من الدول والحركات السياسية في المنطقة إلا في تربة مقاومة ما يسمى “سايكس بيكو”.

لكن هذا الواقع ظل قائمًا طيلة قرنٍ تقريبًا، ما أتاح ظهور هُويات سياسية منفصلة في سوريا والعراق والأردن ولبنان، وبدرجة متفاوتة في السعودية ودول الخليج الأخرى.

وحدَّد هذا الواقع أيضًا المعايير السياسية لـ 5-6 أجيال في العالم العربي، بما في ذلك الشخصيات الرئيسية في عالم اليوم، الذين تقاتلوا على هذا الواقع، وتأقلموا معه، ثم حاولوا استغلاله.
لكن يبدو أن هذا النظام بدأ يتبدد أخيرًا؛ مع تبخُّر الحدود بين العراق وسوريا، واتساع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها مسلحو “الدولة الإسلامية”، واحتمالية إقامة دولة كردية مكتملة الأركان في نهاية المطاف إثر صعود القوات العسكرية الكردية.
وفي الوقت ذاته، بدأ الوضع الهش في إسرائيل وفلسطين ينهار. ومع تضاؤل احتمالية حل الدولتين أكثر من أي وقت مضى، يرجَّح أن تشهد المنطقة تعزيز واقع الدولة الواحدة بوتيرة زاحفة.
وفي الخليج، ليست المفاوضات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني سوى الفصل الأخير في الصراع على الهيمنة الاستراتيجية والأمن والمصالح الاقتصادية. ورغم أن شهية العالم لموارد الطاقة الخليجية لن تتراجع في أي وقت قريب، قد تتغير بنية التأثير في المنطقة مرة أخرى.
وعندما يتعلق الأمر بوسطاء الخارج، تلعب الولايات المتحدة دورًا أكبر، بحلولها مكان بريطانيا العظمى قبل سبعينيات القرن الفائت، وعليها الآن أن تتعلم مواجهة التأثير المتزايد للهند والصين.
لكن القوى الإقليمية الرائدة- إيران والسعودية- هي الأكثر قدرة على إحداث تحول في الشرق الأوسط. ويكمن السؤال في ما إذا كانوا سيكملون منافستهم على الهيمنة الإقليمية، بغض النظر عن تأثيرها المزعزع للاستقرار، أم سيصبحان دعامتين للبنية الأمنية الإقليمية الجديد.
هذه البنية أصبحت أكثر أهمية في ظل تراجع شهية القوى الخارجية الكبرى للانخراط المستدام في صراعات الشرق الأوسط. وبعدما تعلموا- بالطريقة الصعبة- أنهم لا يستطيعون إملاء نتائج السياسة الإقليمية؛ من المحتمل أن تحدّ القوى الغربية- وكذلك روسيا والصين والهند- من مشاركتها في حماية مصالحها المباشرة، واحتواء التهديدات الإقليمية، إذا لزم الأمر.
وحيثما فشلت الظروف السياسة والاجتماعية-الاقتصادية للخطوط الزمنية القصيرة والمتوسطة في توفير النظام والاستقرار، تصدَّرت الهُويات المذهبية والعرقية والقبلية، التي ظهرت على المدى الطويل. وهكذا أصبحت حلقات من هذا الخط الزمني وثيقة الصلة بالأحداث الراهنة؛ فالنزاع حول الخلافة الدينية بعد وفاة النبي قبل نحو 1400 عام هو أصل الانقسام بين السنة والشيعة اليوم. والمعارك التي نشبت بين الفاطميين والعباسيين، والغزو المغولي، والفتح العثماني، وبالطبع الإمبريالية الغربية، ليست سوى نقاط مرجعية لصراع اليوم.
لكن هذه الأحداث تطرح أكثر من تفسير؛ وغالبا ما تستثير ردود فعل قوية.
وبالنظر إلى إعلان الدولة الإسلامية مؤخرًا إقامة خلافة في أجزاء من العراق وسوريا، يتبين أن معظم السنة يشعرون بالغضب حيال السلوك الوحشي لأبي بكر البغدادي، الذي نصَّب نفسه خليفة لـ”الدولة الإسلامية”. بيدَ أن الرموز و”الذكريات” القديمة التي استخدمها البغدادي- مثل علم العباسيين الأسود، والقصص المجيدة التي تعود لزمنٍ كانت الخلافة تمثل فيه قوة عظمى ونجمًا هاديًا لجميع السنة- لها تأثيرٌ دائم.

وإن كانت هذه الأفكار لا تفيد كثيرًا إذا لم تكن مدعومة بالأسلحة الحديثة، ولم يكن هذا سيحدث أصلا إذا لم تكن البلدان التي استولت عليها “الدولة الإسلامية” فشلت في إيجاد عقود اجتماعية شاملة.
قد يكون الإبحار في هذه الرواية صعبًا على الجهات الفاعلة الخارجية، لكن ينبغي عليهم ألا يتجاهلوا الخط الزمني طويل المدى، وألا يصدقوا المزاعم المضللة التي تدَّعي أن هذا الصراع في الحقيقة يدور حول شرعية معارضة تفسيرات الدين.
وبشكل أعمّ، ينبغي ألا تتشكل إجراءات هذه الجهات الفاعلة في المنطقة بالوهم القائل: إن السنة أو الشيعة، أو أي أقلية عرقية أو دينية أخرى، تقف إلى جانبهم. فالدرس المشترك بين جميع الخطوط الزمنية في الشرق الأوسط هو: أن جميع الجهات الفاعلة المحلية تقف في جهتها الخاصة، وهي أكثر من مستعدة لإشراك الأجانب في حروبهم إذا كان ذلك سيحصنهم أكثر في مواجهة أعدائهم.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران …