المرآة

7 second read
0

ترجمة/ علاء البشبيشي 

أكتب عن إخفاقاتنا -تلك التي نتحمل مسئوليتها وحدنا- وعن التحديات التي نواجهُها كمجتمع بسبب التطرف الإسلامي والقيادة الفاشلة للدول الإسلامية، وعن الصمت المدوِّي للأغلبية التي يبدو عليها الرضا، ورغم كل ذلك فإن الحلول موجودة بداخلنا -نحن عامة المسلمين- داخل مساجدنا، وفصول دراستنا، وعلى طاولة طعامنا، وفي أزِقَّة مدننا حول العالم. 

في الثاني عشر من أكتوبر عام 2009، كان شخص يمشي في سوق مزدحم بحي “ألبوري” في منطقة “شانجالا” الجبلية الواقعة بإقليم الحدود الشمالية الغربية الباكستانية. ومع مرور قافلة عسكرية، انفجرت قنبلة كانت مربوطة على جسده، لتسفر عن مقتل 41 شخصًا، معظمهم من المدنيين. لم يكن المهاجم أمريكيًا، لكنه كان فتى باكستانيًا، لا يتعدى عمره ثلاثة عشر عامًا، نجحت طالبان في تجنيده. 

أفكر في هذا الفتى المسلم ذي الثلاثة عشر عامًا، الذي شجّعه المتطرفون على قتل نفسه، وحصد أرواح العشرات من الأبرياء، فلا أراه مجرد إرهابي آخر، بل أعتبر هذا الحادث، وغيره من المآسي المتكررة، كمؤشر رمزي على صحة مجتمعنا. أرى في هذا الانتحاري ذي الثلاثة عشر عامًا مستقبلًا غير مكتوب، ومئات الآلاف من الصفحات التي لم تُسوَّد بعد.. وإمكانيات غير مكتشفة. أرى فشلًا، لا يتحمل وزره الإسلام، لكننا نتحمله نحن، تتحمله قياداتنا، ومجتمعنا المسلم. 

بين المتطرفين الذين يفجرون الأسواق عشوائيًا، والطائرات الأمريكية بدون طيَّار التي تقتل المدنيين الأبرياء، تختفي ملامح العدو والصديق لدى العديد من المسلمين. وقد لعبت الأنظمة الغربية البائدة بسياساتها المزدوجة دورًا رئيسيًا في تشكيل المناخ المتقلب سياسيًا واقتصاديًا داخل المجتمعات الإسلامية اليوم، كما هو واضح في إيران والعراق وأفغانستان وغيرها. (تطرقتُ لهذه النقطة في الجزء الأول من هذه السلسلة). كما توجد نزعات مضادة للإسلام (إسلاموفوبيا) في أوروبا، تثير القلق، وتغذي الشعور بالخوف لدى العديد من المسلمين. ومثال ذلك الاستفتاء الأخير الذي مُرِّر مؤخرًا في سويسرا لحظر بناء المآذن، بحجة – وفقًا لرعاة الاستفتاء- أن “المآذن رمز للقوة السياسية، مثلها في ذلك مثل البرقع الذي يغطي كامل جسد المرأة، والتسامح مع الزواج القسري، وختان الإناث”، على حد وصف “فيليب ديوينتر”، زعيم حزب “فلامس بيلانج”، الذي اعتبر أن “الإسلام لا ينتمي إلى أوروبا”، ويرى أن “غالبية الأوروبيين يريدون وقف تقدم الإسلام، خلافًا لما تقوم به السلطات السياسية من تقبل الإسلام والتعاون معه”. في الواقع، مثل هذه التطورات مؤسفة بقدر ما هي مثيرة للتقزز. وبالتالي هناك ارتباك يخيم على غالبية العالم الإسلامي بشأن (من هو العدو: أهو الغرب أم شخص آخر؟). 

إخواني المسلمين، أعلم أنني لستُ الوحيد الذي يشعر بالغضب، والعجز، والحيرة، التي ستمتد إلى مجتمعنا ما دمنا عالقين بين مطرقة العوامل الخارجية المتمثلة في السياسات الغربية المزدوجة، وسندان العوامل الداخلية المتمثلة في التوتر المتزايد بين المسلمين المعتدلين والقلة المتطرفة التي تتبنى العنف. لكن، أعزائي المسلمين، لفترة طويلة تم ربط هويتنا الإسلامية ومستقبلنا بالتضارب في السياسات الغربية، بينما يختبئ العدو الحقيقي داخل مجتمعاتنا، متمثلًا في المتطرفين الذين دفعونا إلى السير على طريق العنف والمجهول. إن العدو الحقيقي لديننا، والتهديد الأكبر لمجتمعنا المسلم اليوم ليس “الغرب”، بل القيادة الفاشلة التي تحكم بلادنا الإسلامية، والقوى المتطرفة، كطالبان والقاعدة، الذي يُغَرِّرون بشبابكم، من أمثال هذا الطفل ذي الثلاثة عشر عامًا، الذي أودى بحياته وحصد أرواح نساء وأطفال أبرياء، لم يرتكبوا جُرمًا سوى تواجدهم بالقرب منه في منطقة “شانغالا”. 

في الوقع، لا تستحق حياة بشرية أكثر من أختها، بغض النظر عن العرق أو العقيدة. لذا دعونا نفحص زعم المتطرفين أن الغرب يقتل المسلمين الأبرياء؛ لذا فهو يشن حربًا على الإسلام ذاته. إذا نظرنا إلى البيانات لوجدنا أن الهجمات الإرهابية التي قام بها المتطرفون باسم الإسلام، في هذه الحقبة التاريخية، ألحقت الأذى بالأبرياء من المسلمين أكثر مما فعلته قنابل جيوش الدول الغربية ورصاصها. 

فوفق إحصائيات المعهد الباكستاني لدراسات السلام، لقي ثلاثة آلاف باكستاني حتفهم في العام 2009 إثر هجمات قام بها مسلحون، وقد بلغ هذا العدد ثلاثة أضعافه خلال العام المنصرم. بالإضافة إلى ذلك، وثَّقت الأمم المتحدة مقتل 2412 مدنيًا في أفغانستان خلال العام 2009، في هجمات قامت بها مليشيات مسلحة. مثل هذه الأرقام تسلط الضوء على تزايد حوادث القتل في العالم الإسلامي بسبب هجمات إرهابية واسعة النطاق، وتدعوا للقلق. 

تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه البيانات لا تصلح كدليلٍ على أن العنف متأصل في دين الإسلام، كما يوحي المتطرفون الأمريكيون والأوروبيون من غير المسلمين، بغير حق. أن غالبية المسلمين ضد الإرهاب، كما تُظِهر الأرقام، لأن مسلمي الدول النامية هم أنفسهم الضحايا الرئيسيون لعنف المتطرفين والسياسات القمعية. 

كما أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS ) في العام 2008 معلومات عن أثر الهجمات الإرهابية، كشفت عن مقتل ما يربو عن 50 ألف شخص في هجمات إرهابية حول العالم خلال العام 2008، أكثر من نصفهم يدينون بالإسلام. وقد حظي الشرق الأدنى وجنوب آسيا بـ 75% من “الهجمات مرتفعة الضحايا”- التي يسقط في الهجوم الواحد منها أكثر من عشرة أشخاص- أعلنت جماعات إسلامية متطرفة مسئوليتها عن معظمها. 65% من هؤلاء القتلى من المدنيين، ومعظم من سقط منهم خلال العام 2008 كانوا من الأطفال. وكان لأفغانستان نصيب الأسد من هؤلاء الضحايا، تليها باكستان ثم العراق. 

لقد تسببت هجمات طالبان، وفساد الحكومة الأفغانية، والعمليات العسكرية الدولية الخرقاء، ليس فقط في حصد أرواح المدنيين، بل أيضًا في انهيار اقتصاد وسياسة البلد بأكمله. وهكذا نشهد تشريد مئات الآلاف من العائلات من منازلهم ووظائفهم. وبالنسبة للعديد من الباكستانيين الذين يعيشون وسط كل هذه التهديدات، فليس من السهل مطلقًا تحديد العدو الحقيقي. لكن، حتى وسط ضباب هذه الأوقات العصيبة، تُظهِر الأرقام والاتجاهات السائدة أن العدو يعيش داخل مجتمعنا، وبين قيادتنا الفاشلة، ووسط غالبيتنا الصامتة، والأهم من ذلك كله، وسط الطغاة المتطرفين في جنوب آسيا والشرق الأدنى. 

وبالنظر إلى أمثلة بعينها في أفغانستان والعراق، حيث لعبت السياسات الخارجية الأمريكية دورًا سلبيًا، تُظهِر البيانات المسجلة خلال العامين الماضيين جليًا سقوط عدد أكبر من المدنيين في هجمات عشوائية قامت بها جماعات متطرفة كالقاعدة وطالبان. وفي العام 2008، وثَّقت منظمة الحقوق بأفغانستان (ARM ) ما يزيد عن 2300 حادث قتل في صفوف المدنيين على أيدي مسلحين، مقابل 1620 حادثًا مشابهًا على أيدي القوات الأمريكية خلال نفس العام. ومؤخرًا، سجلت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (Unama ) مقتل 1020 مدنيًا في هجمات قام بها مسلحون في الفترة بين 1 يناير 2009 و 31 أغسطس من نفس العام. في المقابل قُتِل 345 مدنيًا أفغانيًا في عمليات عسكرية بقيادة داخلية خلال نفس الفترة. وبناء على ذلك، تكون طالبان والقوات المتطرفة مسئولة عن مقتل 68% من المدنيين الذي لقوا حتفهم في أفغانستان في الفترة بين يناير و أغسطس 2009. 

في العراق، تتزايد نسبة المدنيين الذي قُتِلوا في هجمات بسيارات مفخخة استهدفت الأسواق العامة وحتى دور العبادة. وقد أفاد “تعداد القتلى العراقيين” (IBC ) بأن “الشهور السبع الأولى من العام 2007 شهدت أكبر سلسلة من الهجمات باستخدام العربات المفخخة في تاريخ العراق. حيث قُتِل في 20 هجومًا 50 مدنيًا، بينما سقط 50 قتيلاً في هجوم واحد خلال العام 2007”. 

صحيح أن الأنظمة الغربية كانت تقمع المسلمين سياسيًا واقتصاديًا في الماضي، كما شوهد في إيران خلال خمسينيات القرن الفائت، وفي غزو العراق عام 2003، إلا أن الوهم الذي يُروِّج له المتطرفون من أن الغرب يسعى اليوم للسيطرة على الإسلام، لابد وألا تستمر النفسية المسلمة في الاحتفاء به. 

أولًا، في العام 2009، وجَّه رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما، خطابين رئيسيين إلى العالم الإسلامي، مد خلالهما يد الاحترام، وأعرب عن نيته في تعزيز السلام والتفاهم. ثانيًا، يستمتع ملايين المسلمين بالتعليم في الجامعات الأمريكية والأوروبية. مئات الآلاف من الأطباء والمحامين والأكاديميين يعتبرون أمريكا وأوروبا وطنهم. المسلمون في أمريكا قادرون على العيش وهم يتمتعون بقدر من الأمن والحرية الدينية أكبر مما يجدونه في بلدانهم التي وُلِدوا فيها. 

قبل أن يكون بإمكاننا، نحن المسلمون، إيجاد حلول، يجب علينا أن ننظر أولاً إلى المرآة لنرى ما الذي يقف في طريقنا. يجب ألا يكون هناك أدنى شك بين المجمعات المسلمة في أنحاء العالم الإسلامي في أن ما يهدد تطورنا الثقافي والروحي والاقتصادي اليوم هم تلك الجماعات المتطرفة في جنوب آسيا والشرق الأوسط. ويقع على عاتق العالم الإسلامي تشكيل موقف موحد ضد الأقلية المتطرفة مادام أمن مجتمعاتنا المسلمة وتطورها مرتبط مباشرة بأمن وتطور العالم الذي نتشارك العيش فيه. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الدول غير المسلمة يقينًا إدراك الدور الذي لعبته سياساتها في ترسيخ المشهد الحالي من التقلب الاقتصادي والسياسي في العالم الإسلامي. كما ينبغي على غير المسلمين إدراك أن دين الإسلام ليس هو التهديد، وأن الغالبية المسلمة والغرب يواجهان نفس العدو. 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم أقليات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

حُسنه حق: أن تكوني محجبة في أمريكا

ترجمة/ علاء البشبيشي  أعرف أنني كنتُ في مأزق تلك اللحظة التي جلستُ فيها. كنتُ للتوِّ قد ات…