ترجمة: علاء البشبيشي

“تلقَّين وعودًا بحياة أفضل، لكن عددًا لا يحصى منهن كان يُدفع به إلى المواخير كل عام، حيث يغرقن في دوامة من تجارة الجسد، بدون أي بارقة أملٍ في الحرية”، بهذه الكلمات بدأ “جون هاري” تقريره، الذي نشرته صحيفة ذي اندبندنت البريطانية، حول “تجارة الرقيق”، بعد رحلة مريرة قام بها الكاتب في دهاليز هذا العالم القاسي.

إنها قصة الاتجار بالأطفال (الرقيق)، في القرن الحادي والعشرين، حيث تقول إحصائيات الأمم المتحدة: إن هناك مليون طفل يرضخون تحت نير هذه التجارة يوميًا.

يقول هاري: هذه الرحلة قادتني لأماكن لم أتخيل يومًا أن تكون موجودة على ظهر هذا العالم.. اليوم.. والآن. ففي بنجلاديش يتم سجن الأطفال في سراديب، وتقييدهم؛ تمهيدًا لنقلهم إلى بيوت الدعارة الهندية، حيث توجد نساء طاعنات في السن، أمضين أعمارهن يعانين من الاغتصاب، وعيادات طبية تعالج أطفالاً في سن الحادية عشرة من مرض الزهري، أو السفلس!

البداية.. طفلة وكذبة!

يكمل “هاري” حكاية مغامرته في أدغال تجارة الرقيق، فيقول: لكن هذه القصة تبدأ كبقية القصص؛ بطفلة، وكذبة!. ويستدل على ذلك بقصة الصغيرة “صوفيا” التي جاءته لتتحدث إليه، بصحبة زمرة من الأطفال اللواتي تم إنقاذهن من المصير المشئوم، برعاية مؤسسة “كوميك ريليف”. “ورغم أنها لم تقصّ حكايتها إلا على المستشارين الذين يعتنون بها، إلا أنها أرادت هذه المرة أن يعرف العالم ما الذي حدث لها”.

يردف “هاري”: أتتني في ثوب هندي أحمر، وبدأت في سرد تفاصيل حكايتها ببطء شديد، تتخلله تمتمات متقطعة. فقد نشأت صوفيا في بلدة كولنا، جنوب غربي بنجلاديش، لوالدين يعملان بالزراعة، يعولان سبعة أطفال بالإضافة إليها، لذلك كما تقول صوفيا نفسها: “لم يستطع والداي العناية بي، فلم يكن لدينا مال كافٍ لتوفير الطعام”.

وهنا تأتي “الكذبة”؛ فحين بلغت صوفيا الرابعة عشرة من عمرها، أتت إحدى جاراتهم، وأخبرت والديها أنها وجدت لصوفيا عملاً مناسبًا، كخادمة في مدينة كالكوتا الهندية، وأنها ستحيى حياة كريمة هناك، وستتعلم الإنجليزية، وتُربَّى جيدًا.

هذا العرض أذهل صوفيا نفسها، في البداية فقط، لكن بمجرد وصولها لكالكوتا، تكمل صوفيا: “شعرتُ بشيء غير عادي يجري، لم أكن أعرف ما هو الماخور، لكني أحسستُ بأن البيت الذي اصطحبتني إليه جارتي كان بيتًا سيئًا؛ فالنساء يرتدين ملابس قصيرة، وكثير منهن كن يأتين ويذهبن طيلة الوقت. تقاضت جارتي 50 ألف تاكا (عملة بنجلاديش)، وهو مايوزاي 500 دولار، ثم اختفت بعدها”.

وهنا توقفت صوفيا عن الحديث، وأطلقت ناظريها في الأفق، واهتزت قليلاً، وأكملت: “ومن يومها لم يُسمَح لي بالانصراف، وكان عليّ أن أتعامل مع 10 رجال يوميًا”، توقفت طويلاً للمرة الثانية، وأردفت تقول: “لم تكن لدي خبرة بالتعامل مع الرجال من ذي قبل، لقد كان شيئًا مروعًا”. فقد كانت صوفيا ترى النسوة الكبار مجبرات على تربية أولادهن، حتى تعمل بناتهن حين يكبرن في هذه المواخير.

الهروب الصغير!

بعد ثلاثة أشهر وسط هذا الجحيم، أَسَرَّت بنتان أخريتان، ممن كن في الأسر، إلى صوفيا بخطة للهروب؛ حيث ستقمن بتخدير الشخص المسئول عن حبسهن، ويُدعى “ماشي”، عن طريق وضع أقراص مخدرة -كن يجبرن على ابتلاعها بالليل، ليتوقفن عن النحيب والعويل الذي ينفّر الزبائن- في المشروب الذي سيتناوله، ثم سيهربن بعيدًا قدر استطاعتهن.

تقول صوفيا: “وبالفعل نجحت الخطة، لكن لم تكن لدي خبرة مسبقة حول طريقة التجول بالمدينة، إلا أن الفتاتان كانتا ماهرتين جدًا”، وفور عودتها لبيت أهلها مرة أخرى،  أخذت على نفسها عهدًا: لن أخبر عائلتي بما حدث لي أبدًا، وقد قلتُ لهم: إنني كنتُ أعمل كخادمة في أحد المنازل، وقد اشتقتُ كثيرًا لمن كنتُ أعمل لديهم. فلم أكن أستطيع البوح بحقيقة ما حدث لي، لأني إن فعلتُ، لن يتزوجني أحد، وسأجلب العار لعائلتي، وأكون بذلك قد دمرتُ حياتي”.

كانت تعي أنها بحاجة لإجراء اختبار فحص الدم لاكتشاف حالة فيروس نقص المناعة المكتسب في جسمها، وبالفعل حجزت للفحص مرتين، لكنها لم تستطع الذهاب، فلم تكن تحتمل اكتشاف الحقيقة.

لقد دخلت صوفيا دوامة الاتجار بالأطفال العابرة للقارات، والتي يُباع فيها الجسد البشري ويُشترى بثمن بخسٍ، دراهم معدودةٍ كل صباح. وربما كانت صوفيا أوفر هؤلاء الضحايا حظًا، فكثيرات غيرها لم يستطعن الهروب من هذا المستنقع الآسن، وما زلن يعانين من ويلاته حتى هذه اللحظة. كثيرات غيرها ذكر “هاري” أسماؤهن في تقريره، وأخريات كثيرات لم يذكرهن.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …