شَيَّعته آلاف الأفكار العاصفة بعقله، مع زوجته وطفليه، حتى بوابة مطار بكين.. تضاعف خوفه وترقبه حينما تأخرت رحلته، التي طال انتظارها، أكثر من ساعتين عن موعدها؛ فسافر بخواطره بعيدًا عن إصابة قدمه إلى حلمٍ بالراحة- ولو لبعض الوقت- بعد سبع سنوات من المعاملة الوحشية على أيدي السلطات المحلية الصينية.. وأخيرا لحق جسده بخيالاته على متن الرحلة UA88 المتوجهة إلى نيوارك في نيو جرسي..
هو ناشطٌ كفيفٌ، يبلغ من العمر 40 عاما، نشأ في فقرٍ بمقاطعة شاندونغ، وقاتل من أجل العدالة، ودفع ثمن حريته الخاصة؛ تضييقا فسجنًا ثم إقامة جبرية طيلة 19شهرا داخل جدران منزله.
في نواحٍ كثيرة، يمثل أفضل نموذج للصين الحديثة؛ أعمى منذ طفولته، حصل على تعليم ضعيف حتى سن البلوغ، قبل أن يعلم نفسه ذاتيا ويصبح محاميا، وهي المهنة الغير آمنة في بلدٍ القوة فيها هي الحق. لسنواتٍ أشادت به السلطات المحلية لمناصرته حقوق المعاقين؛ باعتباره ناشطا من طبقة المزارعين، خاض معارك محلية. لكنه اجتاز الخط (الأحمر) وهاجم الحزب الحاكم بشأن ممارسات الإجهاض والتعقيم القسري التي تفرضها الصين كجزء من سياسة الطفل الواحد الصارمة. بعد أربع سنواتٍ قضاها في السجن بتهم ملفقة، ظل السيد تشين غوانغشينغ في بيته قرابة عامين.
قام الشهر الماضي بمحاولةٍ لاستعادة حريته؛ فكسر قيود سجنه المنزلي، ولجأ إلى السفارة الأميركية في بكين، حيث كان من المقرر وصول وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لعقد الحوار السنوي الاستراتيجي والاقتصادي بين بلادها والصين، دون أن يدري أبعاد اشتباكه مع تروس آلة السياسة اللاإنسانية بين قوتين عظمتين، وتداعيات ما طرحه من أسئلة صعبة على الطاولتين الأمريكية والصينية، ومخاطر ما ألقاه من ظلالٍ على مستقبل العلاقة بين القوتين العظمتين.
ما حدث بعد ذلك بات محلا للنزاع.. قال الدبلوماسيون الأمريكيون إنهم أصبحوا قريبين من السيد تشين، بل ويمسكون بيده بينما يتحدثون. ثم قالوا إنه غادر السفارة بعد 6 أيام برغبته متوجها إلى المستشفى بصحبة السفير، ليلتحق بعائلته، وأنه تلقى تأكيدات من الحكومة الصينية بأن يُعامَل بشكل جيد، وأن يُسمَح له بدراسة القانون في الجامعة.
لكن غموضا ظل يكتنف (متى وكيف) سيجتاز تشين الإجراءات الصينية للسماح له بالسفر، وقلقا أعرب عنه بعض مؤيديه الذين أكدوا أنهم مازالوا رهن الإقامة الجبرية أو يخضعون لرقابة مكثفة من جانب الشرطة الصينية. بل إن تشين شخصيا أعرب عن شعوره بالقلق بشأن سلامة عائلته، وحريته الشخصية، وغَيِّر رأيه بعد ذلك وقال إنه يريد الذهاب إلى الولايات المتحدة، بدلا من إكمال دراسته في الصين، وبدأ يشكو من أن الدبلوماسيين الأميركيين ضغطوا عليه للمغادرة، وأنهم لم يسمحوا له بالتشاور مع أصدقائه، وأن المسئولين الصينيين هددوا زوجته.
كان يشعر بالإحباط الشديد حيال الحكومة الأميركية، وقال إنه يريد مغادرة الصين.. في المقابل لم يقر المسئولون الصينيون بأي اتفاق، وطالبوا بصرامة أن تقدم الولايات المتحدة اعتذارا عما حدث.
وبدأ الحادث الصغير يثير أسئلة كبرى:
هل خذل الدبلوماسيون الأميركيون الشجعان الرجل؟
مع وجود السيد تشين بعيدا عن رعايتهم، تضعف قدرتهم على المساومة.. فإذا كانوا خُدعوا من قبل نظرائهم الصينيين، أو أنهم على استعداد لقبول الضمانات التي قُدِّمت، فسيُنظر إليهم على أنهم حمقى.
وإذا كانوا توصلوا إلى اتفاق بصوة عاجلة، ووضعوا في حسبانهم أن العملات والرسوم الجمركية يجب أن تطغى على حقوق رجل أعمى، فسيُنظَر إليهم باعتبارهم أشرار. الأهم أن تفاخُر السيدة كلينتون بأن “السيد تشين غادر السفارة بطريقة تعكس خيارته وقيمنا”، سيتم تمحيصه في انتخابات الرئاسة الأميركية هذا العام.
هنا تذكر الجميع أنه في لحظات نادرة، يمكن لمستقبل الأمم- حتى تلك التي تضم 1.3 مليار نسمة- أن ترتبط بمصير شخص واحد.. وربما تعيش الصين إحدى هذه اللحظات، ويكون المعارض الصيني الكفيف تشين قوانغ تشنغ هو هذا الشخص؛ فآثرت الصين التعامل مع الموقف “بهدوء وضبط للنفس”..
لكن الأعمال الانتقامية في شاندونغ لم تقل، ولا تزال مخاوف ملاحقة أسرة تشين قائمة لم تتبدد.. أي أن ملف القضية لا يزال مفتوحًا على مصراعيه، ويسلط الضوء على معاناة معارضةٍ وأقلياتٍ مسلط على رقابها دوما سيف الحديد والنار.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …