أقليات صراع الهوية.. بعد هجمات سبتمبر الإرهابية لـ العالم بالعربية منشور في 4 ديسمبر، 2015 4 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة/ علاء البشبيشي صراعات يومية؛ يواجهها الشباب المسلم في أمريكا، لتحديد هويتهم! (1) تُشِير الساعة المُعلقة على حائط مركز “كابلان” في “أوستن” إلى السادسة ونصف؛ عشر دقائق فقط حتى أذان العصر. نظر “أمير”، البالغ من العمر 16 عامًا، إلى ساعته بقلق؛ خشية ألا تنتهي المحاضرة في الوقت المناسب. هو يعلم أن عليه مغادرة القاعة مبكرا حتى لا تفوته الصلاة، لكن فكرة القيام أمام الجميع ومغادرة القاعة جعلته يشعر بالتململ. وتساءل بقلق، بينه وبين نفسه: “كيف ستكون نظرتهم لي؟”. وبعد تردد، قرر البقاء وتفويت الصلاة. (2) في ذات الوقت، داخل أحد دور السينما وسط لوس أنجلوس، كانت خديجة البالغة من العمر 17 عامًا تنتظر بعض زملائها في موقف السيارات للذهاب لتناول البيتزا. رنَّ جرس هاتفها؛ كانت أمها هي المتصلة. اقتربت سيارة صديقها، فنظرت باهتياج مرة أخرى إلى هاتفها الذي يتواصل رنينه، وضغطت “رفض”. انتقلت للمقعد الأمامي بجانب “براد”، وتلت صلاة قصيرة لنفسها، وتمنت ألا تتصل والدتها مرة أخرى! (3) في أحد شوارع “كوينز”، بـ”نيويورك”، كان “بلال”، البالغ من العمر 15 عاما، يمشي خارجًا من أحد دور السينما برفقة ابن عمه “حسين” وصديقه “سام”. دلف الجميع إلى سيارة “حسين” وانطلقوا. استغرقوا عشر دقائق فقط حتى وصلوا إلى وجهتهم؛ مكان لم يذهب إليه “بلال” من قبل. وعلى الرغم من أنه شعر لوهلة بالتشويش، إلا أنه تبع “حسين” و”سام” إلى داخل نادي “توباجو”. كان بإمكانه شم رائحة الكحول حتى قبل أن يدلف إلى المكان. “هل أنت مستعد لتناول الشراب يا “بيلي”؟”، قالها “حسين” وهو يدفع بكوبٍ صغير ناحية بلال. كانت هذه المرة الأولى التي يشرب فيها هؤلاء المراهقون، ولن تكون الأخيرة. (4) في “دوف كريك” بـ”كولورادو”، أخرجت “أمينة”، البالغة من العمر 14 عامًا، جدول مواعيدها ولاحظت أنها ستتأخر على حصة الهندسة. قالت لنفسها: يا لها من بداية رائعة لأول أيامي في المدرسة الجديدة. وصلت إلى الفصل، فأخذت نفسًا عميقًا ودخلت وهي قلقة مما قد يحدث. بالطبع حدَّق الجميع فيها، في البدء لثواني، ثم لدقائق، وبدا الأمر وكأنه لن ينتهي. هذه النظرات الثاقبة التي اخترقت عظامها جعلتها تشعر بالقشعريرة. ومع نهاية الحصة، حزمت “أمينة” حاجياتها، وثبتت الدبوس في حجابها، وتوجهت كالسهم صوب الباب، في محاولة مستميتة لتجاهل القهقهات التي لاحقتها. هؤلاء الشباب المسلم (أمير، وخديجة، وبلال، وأمينة)، يخوضون يوميًا غمار مهمة عصيبة بعيشهم في أمريكا- أحيانا تمثل منحة، وتارة أخرى تمثل معركة مربكة بين الهوية الشخصية وتوقعات الآخرين. العسل المر بين فرق الروك وفروض الرياضيات المدرسية.. الجينز الضيق والحجاب.. الجعة والببروني.. توقعات الآباء والواجبات الدينية-وسط هذا الصراع الشرس- يواجه الشباب المسلم في أمريكا اليوم تحديات غير مسبوقة، زادتها أحداث 11 سبتمبر صعوبة. كثيرون لا يدركون أن هؤلاء الشباب يواجهون عبء الفرز خارج شخصياتهم المسلمة، في رحلة بحثهم عن طريقة فريدة للاندماج داخل مجتمع يعرف القليل عنهم، ويحمل مجموعة من الانطباعات بشأنهم. حول ذلك كتبت “سارة”، البالغة من العمر 15 عاما، من كاليفورنيا، في إحدى الصحف المحلية: “المراهقة هي فترة اكتشاف الذات، وإيجاد مكانة في المجتمع الذي ينتمي إليه الشخص. ورغم ذلك، تختلف حياة المراهق المسلم من عدة نواحي: كالصلاة خمس مرات يوميا في أوقات محددة، والحفاظ على المبادئ التي يضحي الجميع من أجلها ليجد جزاءها جنة الخلد في الآخرة”. اكتشاف الذات، هذا العسل المر، على حد قول “سارة”، لا يمكن تحقيقه دون خوض المحاكمات والانتصارات التي تواجه الشباب أثناء رحلة بحثهم المحموم عن الهوية. وعلى الرغم من وعي المراهقين التام بالمشاكل والرزائل التي قد تعترض طريقهم، والتي غالبا ما تضم مواقف لاختبار قدرتهم على التحمل، والتدقيق في دينهم، وتحدي شخصيتهم الفردية، إلا أنهم لا يزالون يواجهون مغريات ومشكلات لا حصر لها، يوميا، تجعل الاختيار بين الصواب والخطأ أكثر صعوبة. معاناة يومية في مبادرة بحثية استغرقت ثلاث سنوات، درس البروفيسور “لويس عبد اللطيف كريستيلو”، أستاذ الأنثروبولوجي (علم الإنسان) بجامعة كولومبيا، تجارب الشباب المسلم (فتيات وفتيان) داخل مدارس نيويورك الثانوية العامة. هذا المشروع، الذي مولته مؤسسة فورد، جمع بيانات تُظهِر كيف أثَّر المناخ المدرسي في الفترة ما بعد 11 سبتمبر على حيوات واتجاهات الشباب، خاصة فيما يتعلق بهويتهم الشخصية كمسلمين وكأمريكيين. من المفاجئ- وفق البحث- أن التحديات التي كانت تواجه الشباب المسلم في أمريكا قبل أحداث 11 سبتمبر هي ذاتها التي واجهت عامة المراهقين الأمريكيين، لكن بعد هذا التاريخ تغيرت الخارطة تمامًا. على سبيل المثال، لا الحصر، في 8 سبتمبر المنصرم، تعرضت شابة عراقية، تبلغ من العمر 16 عاما، لهجوم في طريقها إلى المنزل بعد انتهاء أول أيامها في المدرسة الثانوية بمدينة “آن أربور” بـ “ميتشجان”. وبحسب بيان صحفي، أخبرت عائلة الشابة فرعَ مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية في الولاية بأن المهاجمين ضربوا ابنتهم عدة مرات، وجذبوها من حجابها، واقتادوها عنوة إلى أحد المنازل. تعليقًا على هذه الواقعة، تقول “نورا بدوي”، الأستاذة في جامعة كولومبيا: “هذا الهجوم المتواصل على المسلمين، بشكل عام، كافٍ جدا لجعل الفتيات يشعرن بأن المجتمع ينظر إليهن باعتبارهن مختلفات، ويسيء فهمهن، ويؤذي مشاعرهن، ويعزلهن. هذا هو الواقع الذي تحياه الفتاة المسلمة، لا سيما إذا كانت ترتدي الحجاب. لذلك تجد بعضهن قد نزعت حجابها؛ لعدم شعورها بالأمان، وخوفا من العزلة، والاستهداف، والسخرية”. مشيرة إلى أن هذا الربط الغربي عادة بين الحجاب والاضطهاد، يضاعف هذه المشاعر. وتضيف “نورا”: “في بعض الأحيان يكون الضغط هائلا لدرجة تدفع المراهق لأقصى الاتجاه المعاكس، أو الابتعاد كلية بمجرد أن يجد الفرصة”. ولأن المراهقين المسلمين يشعرون بتناقض كبير، تؤكد “نورا” حاجتهم الماسة للاستيعاب، بجانب رغبتهم القوية في إرضاء آبائهم ومجتمعهم. عكس التيار (التمييز) ليس المشكلة الوحيدة التي تواجه الشباب المسلم في أمريكا اليوم، بل توجد تحديات أخرى لا تُنَاقَش على مائدة الطعام، أو في مدارس الآحاد، أو في اجتماعات الشباب. على سبيل المثال أضحت (الميمات الثلاثة: مواعدات-مخدرات- مشروبات كحولية) وحتى ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، ظواهر مألوفة مؤخرًا في أوساط المراهقين. ورغم أن الإسلام يضع قيودًا صارمة لتجنب هذه الأمور، إلا أن الشباب المسلم لا يستطيع في كثير من الأحيان السباحة عكس التيار. يؤكد هذا الواقع الشيخ “طاهر أنور”، مدير الخدمات الدينية في الرابطة الإسلامية بـ”ساوز باي”، في “سان جوس” – كاليفورنيا، قائلا: “أعتقد أن المواعدات هي التحدي الأكبر الذي يواجه الشباب المسلم. وتأتي المخدرات في المرتبة الثانية، تليها المشروبات الكحولية. المراهقون في سِنِيّ عمرهم المبكرة يفعلون ذلك لمجرد الظهور بمظهر جذاب؛ لأن الجميع يفعلون نفس الشيء. هؤلاء المراهقون بحاجة إلى توجيه صحيح، بَدءًا من المنزل، مُرورًا بالقُدوات، وحتى المجتمع”. ويشير أنور إلى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم وجود أنظمة الدعم اللازمة، هو أن كثيرين لا يعلمون بوجود مثل هذه التحديات: الآباء ينكرون، لأنهم لا يريدون تصديق أن ذلك يحدث لأطفالهم، وهو الأمر الذي قد يتسبب في ضرر أكبر لهؤلاء الشباب”. الحل يمثل دعم الأصدقاء ضرورة ملحة لكل شاب مسلم؛ فمن السهل أن تُصبِح جزءًا من القطيع، حيث يقبلك الجميع، أما اتخاذ موقف فيتطلب فردية وقدرة على التحمل، وهما الصفتان اللذان يمكن تعزيزهما بالانخراط وسط مجموعة من الأصدقاء الصالحين، حيث يمكن تبادل الخبرات وتعزيز الثقة وتطوير السلوكيات وتغذية احترام الذات. منظمات مثل رابطة الطلاب المسلمين، والشباب المسلم في أمريكا الشمالية، والمجموعات الشبابية المحلية، بإمكانها توفير بيئات اجتماعية ممتازة للشباب للتواصل مع الآخرين بطريقة إيجابية. أعضاء الجاليات المسلمة بإمكانهم أيضًا العمل سويا على تنظيم مخيمات خلوية، ونشاطات تطوعية، وأعمال خيرية، ونزهات شبابية، ومحاضرات إسلامية، وفعاليات اجتماعية، يمكنها توفير التفاعل الاجتماعي الذي يرغب فيه الشباب، بجانب ترسيخ الإطار التعليمي الضروري لبناء شخصيات قوية فكريا وجسديا وروحيا. * تم تغيير الأسماء لحماية الخصوصية.