ترجمة: علاء البشبيشي
مع صدور أول تقرير عربي للتنمية البشرية عام 2002، تلألأ نجمٌ في السماء العربية الفسيحة المتجهمة؛ فحقيقة أن تقريرا يصدره علماء عرب مستقلون، ويرعاه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، سوق يلقى اهتماما كبيرا من الإعلام العربي، مثَّل في حد ذاته بداية واعدة. وحقيقة أن مصطلحات، كالأمن البشري والأمن الشخصي والأمن الاقتصادي، وغيرها- على النحو المبين في التقرير- ستنافس أبرز عناوين النشرات في العديد من الدول العربية كانت إنجازًا في حد ذاتها. لكن سرعان ما شحب النجم، وبليت المصطلحات، وأصبح التقرير، الذي صدر مراتٍ منذ ذلك الحين، مجرد ذكرى مؤرقة تشير إلى أي مدى وصل تردى الأوضاع في العالم العربي.
الراغبون في تشويه الدول العربية، على المستوى العام أو الشخصي، يجدون في هذه التقارير أسبابا كافية لتأييد هجومهم اللاذع، أما الذين يهتمون بصدق ويودون لو تحسنت الأمور فيلتزمون الصمت، طوعًا أو كرها.
مثلا التقرير الذي صدر في يوليو 2009، كان أكثرها إثارة للإحباط؛ لما احتواه من إحصائيات كئيبة، رغم أنها مثيرة للفضول: 2,9 مليون كيلو متر مربع من الأراضي في العالم العربي مهددة بالتصحر، الموارد الطبيعية تُستَنـزَف بصورة تنذر بالخطر، معدلات المواليد هي الأعلى في العالم، معدلات البطالة ترتفع بوتيرة جنونية، لابد من إيجاد 50 مليون وظيفة جديدة بحلول العام 2020، الاقتصاديات العربية المعتمدة على النفط جعلت بعض الدول العربية رهينة تقلبات أسعار أسواق النفط أو نضوبه كلية.
وهكذا يتضح أن المشكلة ليست اقتصادية أو بيئية فقط، بل مجتمعية أيضًا، نتيجة ترسيخ عدم المساواة في العديد من الدول العربية، والجور على حقوق ليس المرأة وفقط، بل الرجل أيضًا، إذا لم يكن عضوًا في المجموعة المهيمنة، التي يُقَسِّمها إما الولاء السياسي الأعمى أو عضوية القبيلة أو الطائفة أو النفوذ الاقتصادي.
وباعتراف الجميع، ليست المجتمعات العربية وحدها التي تعاني من هذه الأمراض، لكن للأسف، مشاكل العالم العربي أكثرها تعقيدًا؛ نتيجة عدم وجود إجراءات كافية لمعالجة المشكلة، على المستويين المحلي والمشترك (على مستوى جامعة الدول العربية على سبيل المثال).
لماذا لا تعقد جامعة الدول العربية قمة طارئة عقب صدور أول، أو حتى آخر، تقرير للتنمية البشرية العربية؟ ربما يعتقد المرء أن مشاكل بهذا الحجم، تؤثر في حياة 330 مليون شخص، ملحة بما فيه الكفاية لعقد اجتماع كهذا.
صحيحٌ أن وسائل الإعلام سلَّطت الضوء على القضية، ومواطن ضعفها، بعضها بانفتاح بعضه أكثر من بعض، لكن النكهة السياسية طغت على جانب كبير من تلك النقاشات، التي اقتصرت في بعض الأوقات على مجرد التشكيك في هذه الحكومة أو هذا القائد، ولا تزال الأمور تجري بنفس المصطلحات.
تقرير 2009، على سبيل المثال، يضم استطلاعات رأي أجريت في أربع دول عربية: الكويت، لبنان، المغرب، وفلسطين المحتلة. لا يحتاج المرء إلى التأكيد على اختلاف تحديات التنمية البشرية في هذه البلدان، الواقعة في بيئات جيوسياسية متنوعة. ولا يمكن للمرة وصف دواء دولة ترزح تحت نير الاحتلال لأخرى مستقلة تحظى بثروة نفطية هائلة، أو لثالثة تتمتع بإمكانيات بشرية هائلة، لكنها تسبح في بحر من الفقر.
تعميم المشكلات لن يفرز إلا حلولا سطحية عامة. ولذلك، فقد تقرر باختصار أن المشكلة تكمن في تدني مستوى التعليم، وليس في الأنظمة السياسية الظالمة التي لا تمثل شعوبها. وهكذا أضحى التعليم هو حجر الزاوية، كما لو كان قيمة منفصلة؛ لذا أقيمت المدن التعليمية في أنحاء العالم العربي، التي يمكنها بسهولة استيراد أفضل المدرسين وتوفير المال لشراء المناهج. كما نشطت المؤسسات البحثية في عدد من العواصم العربية، يدير تلك المتواجدة في الدول العربية الغنية أجانب، تختلف أولوياتهم عن أولويات المكان، ومن ثم يعجز المرء عن إدراك حكمتهم.
إذاً ما فائدة تقرير للتنمية البشرية في مجتمع تحدد المحسوبية فيه من يفعل ماذا؟!
على سبيل المثال، تقرير التنمية البشرية العربية (تقرير المعرفة العربي لعام 2009) الذي صدر بالشراكة مع مؤسسة محمد بن اشد آل مكتوم الإماراتية, وهو عبارة عن قراءة محبطة أخرى، انتقد الحكومات لدفع ضريبة الإصلاح (كلاما)، ما وسَّع الفجوة بين الكلمات والأفعال. وخَلُص التقرير إلى أن الدول العربية لا تزال بعيدة عن ركب الدول المعتمدة على المعرفة. والأرقام لا تكذب بهذا الصدد، ففنلندا تنفق 1000 دولار على كل شخص في مجال البحث العلمي، بينما ينفَق أقل من 10 دولارات سنويا على الفرد في العالم العربي. أكثر من ذلك، معدلات نشر الكتب في بريطانيا تصل إلى كتاب لكل 491 مواطنًا، أما في العالم العربي فكتاب لكل 19150 مواطنًا. لكن هذه الأرقام لا ينبغي أن تكون مفاجئة، على اعتبار أن ثلث المواطنين العرب كبار السن أميون، ثلثيهم من النساء. ويوجد أكثر من 7 ملايين طفل، في سن التعليم، لا يذهبون إلى المدرسة. فيما تصل نسبة الأمية في العالم العربي إلى 30%.
د. غسان الخطيب، من جامعة بيرزيت بالضفة الغربية المحتلة، يعتقد بوجود “رابط مباشر بين نقص الاستثمار والإشكالية التي تواجهنا فيما يتعلق بالمعرفة”. وكل هذا يرتبط بالسياسة، ونقص الديمقراطية، وفرض المعرفة”.
فيما يعترف “باول سالم”، الكاتب في صحيفة جارديان البريطانية، بفشل الحكومات العربية، لكنه يحمل آخرين أيضًا قدرًا من المسئولية. فتكلفة شهر واحد من الخدمة العسكرية الغربية في العراق أو أفغانستان ستكون كافية لمضاعفة مجموع مساعدات التعليم المقدمة للدول العربية ثلاثة أضعاف. وتكلفة صاروخَي كروز بإمكانها بناء مدرسة، وثمن طائرة يوروفايتر القتالية قد تدشن جامعة صغيرة.
لابد وأن تعيد الحكومات العربية النظر في أولوياتها الحالية ومسار عملها. كما ينبغي عليها التفكير والعمل بشكل فردي، تحت مظلة جماعية، قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة، وهو ما سيحدث حتما إذا بقيت الأمور كما هي.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …