ترجمة: علاء البشبيشي

كثَّف مجلس التعاون الخليجي جهوده الرامية إلى توسيع ترسانته، الهائلة بالفعل، من الأسلحة ذات التقنية العالية في 2014؛ وهو العام الذي شهد تفوق السعودية على الهند لتصبح أكبر مستورد للأسلحة وأنظمة الدفاع في العالم، وفقا لدراسة أجرتها مجلة IHS Jane العسكرية، حيث أنفقت الرياض 6.4 مليار دولار على وارداتها الدفاعية، بزيادة نسبتها 54٪ عن العام السابق 2013، وبمستوى إنفاق أكبر من جميع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى مجتمعة. 

ووفقا لتقريرالمجلة العسكرية المنشور في 8 مارس، أنفقت الإمارات العربية المتحدة 2.2 مليار دولار على وارداتها الدفاعية في عام 2014، وأنفق كلا من سلطنة عمان والكويت 1.1مليار دولار، فيما أنفقت قطر والبحرين 573 مليون دولار، و73 مليون دولار على الترتيب.

قائمة المشتريات والأمنيات

قائمة المشتريات مثيرة للدهشة، وتشير إلى عمق الخشية الخليجية حيال النوايا الإيرانية، وقلقها من الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وبدأت تتسرب إلى مجلس التعاون الخليجي المستقرة حتى الآن. فما بين عامي 2009 و2014 اشترت دول الخليج طائرات مقاتلة، ومروحيات قتالية، وناقلات جند مدرعة، وصواريخ جو-جو موجهة بالأشعة تحت الحمراء، ومدافع هاوتزر ذاتية الدفع، وطائرات بدون طيار، ودفاعات الصواريخ البالستية، وطرادات، وزوارق إنزال، وصواريخ مضادة للدبابات، إلى جانب مشتريات أخرى. أما قائمة الأمنيات فلا سقف لها على ما يبدو، في ظل طموح الشركات المصدرة إلى تلبية رغبات العملاء الأثرياء.

وفي حين تبوأت المملكة العربية السعودية رأس القائمة في تقرير المجلة العسكرية، وهو أمرٌ لافت للنظر، أصدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) تقريرًا آخر في 16 مارس، يوفر رؤية أكثر دقة، ويؤكد تزايد حصة دول مجلس التعاون الخليجي من مبيعات الأسلحة الدولية بوتيرة غير مسبوقة. وفي سياق رصد الاتجاهات الدولية لنقل الأسلحة، تعقب معهد ستوكهولم شحنات السلاح على مدى خمس سنوات، وتبين أنه في الفترة ما بين 2009 و2014 احتلت السعودية المركز الثاني، بعد الهند، كما فعلت خلال السنوات الخمس السابقة. ورغم ثباتها في هذه المرتبة، ارتفعت حصة الرياض من واردات الأسلحة الدولية بشكل ملحوظ، من 1٪ في التقرير السابق إلى 5٪ في 2009-2014.

وكما أفادت جالف ستاتس نيوز في تقريرها المنشور بتاريخ فبراير 2015، (وترجمته شؤون خليجية إلى العربية حصريًا)، تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر ثالث ميزانية دفاع في العالم، بواقع 67 مليار دولار في عام 2013، وفقا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. 

دوافع التسليح:

(1) إيران

ونسجًا على المنوال ذاته، شهدت كافة دول مجلس التعاون الخليجي طفرة في الإنفاق الدفاعي. لكن الاتجاه التقليدي من انعدام الشفافية في المنطقة؛ يعني غياب أي تفسير للرأي العام بشأن هذه الزيادة في الميزانية، وإن كان يُنظَر إلى إيران على نطاق واسع باعتبارها الدافع الأساسي. صحيحٌ أن “السعوديين لا يعلنون أسباب مشترياتهم، ولا يوجد بيان حكومي رسمي بشأنها، ولا حتى إطلالة ملائمة، لكن عندما ننظر إلى نوعية المشتريات، يتضح جدًا أنهم يعتبرون أن إيران هي التهديد”، على حد قول المؤلف المشارك لدراسة معهد ستوكهولم، بيتر ويزمان، لـ جالف ستاتس نيوز. 

(2) الثورة

أحد العوامل الواضحة الأخرى هو الرغبة في حماية أنفسهم من الاضطراب الذي يجتاح المنطقة منذ عام 2011. للدرجة التي دفعت بن موريس، مؤلف تقرير مجلة IHS Jane العسكرية، إلى القول: “إنها تسمية خاطئة أن نطلق على ماحدث وصف “الربيع العربي”؛ ذلك أنه أقرب شبها بحرب الثلاثين عاما التي شهدتها أوروبا مع مختلف الجهات الفاعلة الحكومية في محاولة للتأثير على مسار الأحداث، حيث كانت الحرائق تشتعل في مكان كلما خمدت في آخر، مع تركيبة سكانية شابَّة تتسم بالغضب”. مضيفًا: “هذه المنطقة عبارة عن برميل بارود هائل.”

المزيد.. والمزيد.. والمزيد… 

أثبتت منطقة الشرق الأوسط أن الاضطرابات مربحة لصناعة الأسلحة الدولية. فالولايات المتحدة وحدها صدرت ما قيمته 8.4 دولارا من الأسلحة إلى الشرق الأوسط في عام 2014، مقارنة بـ 6 مليارات دولار في عام 2013، في حين كانت الشركات البريطانية هي ثاني أكبر مستفيد من السوق الإقليمي المزدهر؛ حيث وصلت قيمة صادراتها من معدات الدفاع إلى المنطقة إلى 1.9 مليار دولار. وفي المرتبة الثالثة أتت روسيا بـ 1.5مليار دولار، ثم فرنسا في المركز الرابع بـ1.3مليار دولار، وألمانيا في المركز الخامس بـ 1 مليار دولار.

– الرياض

ويتوقع موريس استمرار هذا الاتجاه. قائلا: “الإنفاق السعودي آخذ في الارتفاع، وخلال السنوات الخمس القادمة- على سبيل المثال- ستشهد المملكة أكبر فرصة من نوعها في العالم لبناء السفن. حيث تخطط المملكة للحصول على خمس فرقاطات، وأربع مدمرات، وطرادات، وغواصات. وهي شحنة ضخمة”؛ يمكن أن تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار على مدى عشر سنوات. 

– الدوحة

حتى قطر، برغم إنفاقها الدفاعي الصغير نسبيًا وحلولها في المرتبة 46 على قائمة معهد ستوكهولم، تسارعت خططها لتوسيع وتطوير قواتها المسلحة؛ حيث “طلبت في عام 2013؛ 62 دبابة و24 بندقية ذاتية الدفع من ألمانيا. ثم أعقبت ذلك بعدد من العقود في عام 2014؛ شملت 24 طائرة هليكوبتر قتالية، وطائرات إنذار مبكر محمولة جوا من الولايات المتحدة، إلى جانب ناقلتي طائرات (للتزود بالوقود في الهواء) من إسبانيا”. و”بناء على العقود الموقعة بالفعل، سوف تبلغ قيمة الواردات القطرية 3.5 مليار دولارا بحلول عام 2019″، وفق تقديرات “موريس”، الذي أضاف: “كما نتوقع أن تضخ 28 مليار دولار إضافية لتمويل عقود جديدة سوف تسلم على مدار العقد القادم. وعليه؛ فإن قطر أحد البلدان الجديرة بالمتابعة”.

المصدرون الغربيون

أما بالنسبة للمصدرين الغربيين، فهناك نوعان من القضايا الرئيسية الجديرة بالنظر.

– أولا: خطورة أن تقع هذه الأسلحة المتطورة، التي تنهمر على مثل هذه المنطقة المضطربة، في نهاية المطاف في الأيدي الخطأ. (أفادت واشنطن بوست في 17 مارس أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) فقدت القدرة على تتبع مصير أسلحة تزيد قيمتها عن 500 مليون دولار في اليمن.) وإن كان أليكس فاتانكا، الزميل البارز في مؤسسة جيمس تاون الأمريكية، لا يرى أي خطر وشيك، مشيرًا إلى أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء البحرين، “تمتلك قبضة قوية”. وحتى إذا خسرت الأسر الحاكمة هذه القبضة “فإن هذه الشحنات من الأسلحة مصنعة بطريقة من المفترض أن تجعل من المستحيل على الأيدي الخطأ أن تستطيع تشغيلها”.

لكن في مثل هذه المنطقة المضطربة، لا تتفق الأطراف المعنية دائما على توصيف أي الجماعات تعتبر “سيئًا” وأيها يعتبر “جيدًا”. وكما أشار فاتانكا، على الرغم من أن إيران ودول مجلس التعاون الخليجي لا تبدو مستعدة للقتال مباشرة، فإن انتشار الأسلحة المنهمرة على المنطقة يمكن أن يؤجج الحروب بالوكالة في النزاعات المشتعلة داخل اليمن وسوريا وخارجهما.

– المسألة الثانية الجديرة بنظر المصدرين؛ هي خطر الاضطرابات في دول مجلس التعاون الخليجي، والسجلات السيئة لهذه الدول في مجال حقوق الإنسان. فخطر المعارضة الداخلية (وفي المقابل محاولات قمعها) قد يرتفع بمرور الوقت، في ظل زيادة التوترات الناتجة عن تركيز السلطة في أيدي عائلة واحدة في مقابل الصراع من أجل الديمقراطية. وفي هذا السياق ينبغي على الحكومات الغربية تقدير الخطورة الكامنة وراء إمكانية استخدام أسلحتهم في نهاية المطاف لخنق الاضطرابات الداخلية بدلا من الدفاع ضد التهديدات الخارجية.

وتأتي الصفقات المشابهة لتلك التي أعلنت عنها المملكة العربية السعودية مؤخرا بقيمة 10 مليار دولار لشراء عربات مدرعة خفيفة كندية- تُستَخدَم في البحرين للسيطرة على الاضطرابات المناهضة للحكومة- لتشير إلى احتمالية تأجيج المشاعر بصورة جذرية. ذلك أنها “إذا استُخدِمَت لقمع المعارضة؛ فسوف ينظر إليها على أنها أداة للاستبداد المدعوم غربيا، على غرار ما شهدناه في إيران إبان عهد الشاه خلال السبعينيات”، على حد قول “ويزمان”. حيث أن حملة القمع القاسية، بمساعدة الأسلحة المستورد معظمها من الولايات المتحدة، أثارت الغضب الشعبي، ليس فقط ضد نظام الشاه ولكن أيضًا ضد الغرب، وأفرزت عواقب يتردد صداها حتى يومنا هذا.

أموال وفيرة ومخاوف مشتركة

ومع ذلك، فإن الأموال المتاحة لدى دول الخليج تتجاوز القدر الأكبر من هذه المخاوف. كما أن العديد من حلفاء الخليج يتشاركون المخاوف ذاتها مع دول المجلس، في الوقت الراهن على الأقل، ما أدى إلى تخفيف الضغوط الغربية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وتطوير المؤسسات الديمقراطية، حتى في دول مجلس التعاون الخليجي التي تصعد حملاتها ضد المعارضة. 

وفي هذا السياق يقول الزميل البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، شاشانك جوشي: “يمكنك اعتبارها مقاربة دبلوماسية مع شركاء مخضرمين، ووسيلة للاستثمار في أمنهم، في ظل تشارك الطرفين المخاوف ذاتها. إنها نوع من بوليصة التأمين”.

استثناءات غربية

– السويد

بيد أن هناك بعض الاستثناءات. فقد أدى اعتراض السويد على سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان لإلغاء اتفاقية الدفاع التي استمرت لوقت طويل مع المملكة. لكن التداعيات كانت واضحة على الفور. ذلك أن تصريحات وزيرة الخارجية مارجو والستروم أمام البرلمان السويدي في فبراير- والتي وصفت المملكة العربية السعودية بالدكتاتورية منتقدة معاملتها للنساء- دفعت المملكة العربية السعودية أولا إلى منع والستروم من الحديث في الجامعة العربية، ثم سحب السفير السعودي من ستوكهولم. صحيحٌ أن هذا الموقف قد يختلط برغبة في اتخاذ موقف بهدف الشهره السياسية، لكن صناعة الدفاع السويد، وليس المملكة العربية السعودية، هي التي سوف تدفع الثمن. “فالمملكة العربية السعودية يمكنها غلق الباب أمام السويد، والتحول إلى موردين آخرين”، بحسب ويزمان.

– ألمانيا

ألمانيا أيضا، ممزقة بين إرسال أسلحة إلى المملكة العربية السعودية ورفض مثل هذه المبيعات على أساس امتناعها عن بيع الأسلحة إلى البلدان المعرفة بسجلاتها السيئة في مجال حقوق الإنسان. لكن الاعتراضات في برلين على بيع دبابات ليوبارد تراجعت على أي حال. 

الدولار أعلى صوتًا

وبالنسبة لمعظم الحكومات الغربية، من المرجح أن تتغلب تلك الحجج الاقتصادية الدوافع الأخلاقية. وفي حين ستستمر الدول المصدرة للأسلحة في القول بأنهم يعملون “دول مجلس التعاون الخليجي على تحسين حقوق الإنسان والمجتمع المدني، في ظل انفتاح شهية الخليج للسلاح، من غير المحتمل أن يبرز أي اقتراح لفرض عقوبات على مبيعات الأسلحة لهذه البلدان. “فالأموال دومًا هي الأعلى صوتًا”، على حد قول “فاتانكا”.


 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …