ترجمة: علاء البشبيشي

لم تتوقف مآسيه يومًا منذ إنشائه؛ فمن اعتقال عشوائي، إلى انتهاكات صارخة، ومن محاكمات عسكرية جائرة، إلى شتى ألوان التعذيب.. تعددت الوجوه والجحيم واحد، اسمه “جوانتانامو”. وربما لا يخرج المعتقل من هذا السجن- الذي لا ينطبق عليه أي من قوانين حقوق الإنسان- محمولا إلى قبره، وهو ما حدث لـ”عبد الرازق حكمتي” أحد الذين اعتبروا أبطال حرب في ثمانينيات القرن الماضي؛ لاشتهاره بمقاومته الاحتلال الروسي، ثم بجرأته على تهريب 3 من خصوم حكومة طالبان من سجنهم في العام 1999.

شكَّل “حكمتي” فصلاً آخر من هذه المأساة- التي روتها صحيفة “نيويورك تايمز” – حيث قامت القوات الأمريكية باعتقاله في العام 2003، جنوبي أفغانستان، بعد اتهامه بأنه قائد طالبانيّ، أمضى بعدها خمس سنوات في القاعدة الأمريكية العسكرية بمعتقل جوانتانامو في كوبا، حيث لقي حتفه في 30 ديسمبر، إثر إصابته بالسرطان.

مأساة مستمرة

يقول المسئولون الأفغان، وغيرهم ممن عرفوه: يعتبر “حكمتي” أول معتقل يموت ميتة طبيعية في جوانتانامو، بعدما روى قصته مرات عديدة على مسامع المسئولين الأمريكيين، لكن بلا جدوى. ولقد سلطت مأساته الضوء على المآسي المستمرة للمحاكمات في جوانتانامو.

ويشتكي المسئولون الأفغان، وفي بعض الأحيان الأمريكيون، من أن المعتقلين يُمنعون بقوة من استدعاء من يدلي بشهادة لصالحهم، كما أن الحكومة الأفغانية لم يؤخذ رأيها يومًا في حالات الاعتقال، حتى إذا كانت تستطيع المساعدة.

ويذكر المسئولون ممن كانوا على دراية بقضية “حكمتي” أن تلك المأساة أظهرت أن الأمريكيين يعتقلون مَن لا يعرفون، ومن ثم ينتظر المعتقل سنوات بدون حلول لقضيته.

ردًّا على هذه التساؤلات، تقول المتحدثة باسم البنتاجون “سينثيا سميث”: إن المحاكم العسكرية في معتقل جوانتانامو تكفل حقّ استدعاء الشهود.

وبينما لم تناقش السيدة “سميث” أمورًا بعينها، قالت: إنه لا توجد دلائل تشير إلى أن قضية “حكمتي” لم يتم تناولها بالطريقة اللائقة، أو أن معتقلي جوانتانامو لا يحظون بقدر من الحماية، بالإضافة إلى فرصتهم في أن يُستمع إليهم بصورة شخصية، وإمكانية استدعائهم لشهود دفاع، وتقديم معلومات إضافية قد تفيدهم.

اللبن المسكوب

مسئولون رفيعو المستوي في حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أكّدوا أن: “اعتقال السيد “حكمتي” كان خطئًا فادحًا”. فيما قالت الصحيفة: إن “حكمتي” نفسه ذكر أسماء هؤلاء المسئولين في جلسات الاستماع له، وكان بإمكانهم الشهادة لصالحه، لكن الوثائق تظهر أن الجهود التي بذلت من أجل استدعائهم كانت خاطفة.

اثنان من هؤلاء المسئولين، ساعدهما “حكمتي” على الهروب من سجن طالبان، شديد الحراسة، والواقع في قندهار عام 1999. وقد ذكر هذان المسئولان- وهما “محمد إسماعيل خان” وزير الطاقة والمياه الأفغاني الحالي، و”حاجي زاهر” جنرال في حرس الحدود- أنهما أخبرا المسئولين الأمريكيين بقصة السيد “حكمتي”، لكن بدون جدوى.

يقول “حاجي زاهر”: لم يكن “حكمتي” الرجل المناسب للذهاب إلى جوانتانامو”. كما حذّر من أن “انتشار قصة “حكمتي”، الذي اشتهر بكنيته “باراسو”، ستجعل الشعب الأفغاني يحجم عن تأييده للحكومة الأفغانية في مواجهة طالبان، ولن يساعدها أحد”.

حقوق مهضومة

حتى هذه الحقوق التي أشارت إليها المتحدثة باسم البنتاجون، والتي ذكرت آنفًا، يدور جدل كبير حول مدى كِفايتها، وهي الآن مطروحة أمام المحكمة الأمريكية العليا للبتّ فيها.

أضف إلى ذلك أن المعتقلين الذين يتمّ تصنيفهم كمقاتلين أعداء، لا يُسمح لهم بطلب محامٍ للدفاع عنهم، ولا الاطلاع على أدلة إدانتهم. وهو الأمر الذي ستنظر فيه المحكمة الأمريكية العليا، حيث ستقرّر ما إذا كان من حقّ المعتقلين استئناف أحكام اعتقالهم أمام المحكمة الاتحادية “الفيدرالية”، أم لا. خاصة وأن 180 على الأقلّ من أصل 175 معتقل في جوانتانامو أمامهم فرصة تغيير واقع احتجازهم.

وتأكيدًا للظلم الذي يمارس بحقّ هؤلاء المعتقلين، يقول “زاتشاري كاتزنيلسون”، كبير المستشارين القانونيين في مؤسسة “ريبريف”، وهي مؤسسة بريطانية خيرية تقوم بتمثيل 36 من معتقلي جوانتانامو: لم يكن لـ”حكمتي” يومًا محامٍ للدفاع، فضلاً عن أنه طالب- خلال جلسة الاستماع لأقواله، التي جرت في أكتوبر من العام 2004- باستدعاء حاجي زاهر، والسيد خان ليَمثُلا أمام المحكمة كشهود دفاع.

وقد ألقى رئيس المحكمة العسكرية باللوم على الحكومة الأفغانية؛ “لأنها لم تستجب لطلبات مثول الشاهدين”. فيما قال “حاجي، و”خان”: إن السلطات الأمريكية لم تطالبهما يومًا بالمثول أمام المحكمة كشهود في هذه القضية.

اتهامات غامضة

وقد وجه المسئولون الأمريكيون لـ”حكمتي” – أثناء محاكمته في العام 2004، لتحديد ما إذا كان مقاتلاً عدوًا أم لا – تهمًا متعددة، مصادرها غامضة، وتشير إليه باسمه الأول فقط “عبد الرزاق”، وهو الاسم المنتشر في أفغانستان.

ووفقًا للوثائق التي أصدرتها وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، فقد وجّهت لـ”حكمتي” تهمة “تقلد مناصب رفيعة في طالبان”، وأنه عمل على تهريب وتسهيل صفقات لصالحها، فضلاً عن كونه أحد الحرس الخاصّ المرافقين لأسامة بن لادن، وحضوره معسكرات تدريب بالقرب من قندهار، وتورطه في حوادث اغتيال استهدفت مسئولين في الحكومة الأفغانية.

ولم يكتفِ الأمريكيون بالاتهامات السابقة، بل أضافوا إليها أيضًا كونه قائدًا رفيع المستوى لأربعين من مقاتلي طالبان، وكونه قائدًا أعلى لإقليم هلمند.

وقد نفى حكمتي أن يكون له علاقة بهذه الاتهامات، وكيف ذلك وهو لم يمكث في أفغانستان بعد الهروب من السجن في العام 1999، مشيرًا إلى أن اثنين من أعدائه هما مَن قاما بتوجيه هذه الاتهامات إليه. قائلاً: “لا يمكنهم إثبات أي شيء ضدي؛ لأنني لم أرتكب أي خطأ. أما الشخص الذي أعطاكم هذه المعلومات الخاطئة، فهو من قتل إخوتي الثلاثة، وأبي، واثنين من أبنائي”.

أما الاتهامان الأخيران فقد تمّ تفنيدهما من قبل معتقلين آخرين، لم يكشف عن هويتهما؛ أكّدوا أن “حكمتي” لا يشبه القائد الطالبانيّ الذي رأوه”.

وهكذا تفرق دم “حكمتي” بين الحلفاء؛ الحكومة الأفغانية، والسلطات الأمريكية، و شاهدي الإثبات اللذين كان بإمكانهما إنقاذه بكلمة، ورئاسة المحكمة التي ألقت الكرة في ساحة الحكومة الأفغانية، بعدما اتهمتها بعدم التعاون. وبقى “حكمتي” خلف القضبان، التي لم ينقذه منها إلا الموت.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …