ترجمة: علاء البشبيشي
“رأيت الأشياء المروعة التي فعلها الصرب؛ لقد أثبتوا أنهم قوة غاشمة وغير عادلة… وصارت غالبية إقليم كوسوفا تريد الاستقلال، وفوق ذلك كله، هم يستحقون الاستقلال”.
كانت هذه شهادة المراسل الحربي لصحيفة “تايمز” البريطانية،” أنتوني لويد”، على المجازر التي ارتكبها الصرب بحق ألبان كوسوفا، والتي نشرتها الصحيفة البريطانية تحت عنوان ( كوسوفا تستحق الاستقلال).
ويرى “لويد” أن الجدل الدائر حاليًا حول استقلال إقليم كوسوفا يستند إلى معتقدين زائفين رافضين للفكرة:
الأول: يقول بأن صربيا لم تكن المسئولة عن المذابح الواسعة التي ارتكبت بحق المدنيين الألبان، بين عامي 1998 و1999، وأن القوات الصربية تم “استفزازها” من قبل “جيش تحرير كوسوفو”، مما أدى لمقتل آلاف الأبرياء من الألبان.
الثاني: النظرية القائلة بأن سبب هروب 800 ألف من اللاجئين الألبان من ديارهم، خلال الغارات الجوية التي قام بها الناتو، والتي استمرت 79 يومًا، كان الخوف من القصف، وليس من وحدات الجيش الصربي.
وإذا كانت هذه المزاعم صادقة، لكانت الدعوة لاستقلال كوسوفا عيبًا محضًا، لكن هذه المزاعم غير صحيحة، أعلم أن ذلك ليس افتراضًا، بل حقيقة؛ فلدي العديد من الذكريات أحتفظ بها منذ كنت أعمل هناك كمراسل في الفترة بين عامي 1998 و2000. فمن بين صور المقابر الجماعية، والقرى المحترقة، والجثث المنتفخة، يقفز إلى الذهن صورة معينة، ذات أهمية خاصة.
عالم أخرس!
ففي إحدى المزارع جنوب شرقي كوسوفا، رأيت 40 ألف شخص من كوسوفا تطوقهم الشرطة الصربية، وكان الشباب، والشيوخ، والرجال، والنساء، والأطفال شاخصة أبصارهم، في خوف شديد، ينظرون إلى الأفق حيث يتصاعد الدخان من قراهم، التي أحرقها الصرب، بينما كان أحد اللاجئين يتوسل إليّ صارخًا: “أين أوروبا؟ أين أمريكا؟”.
وبعد يوم أو يومين أجبرتهم الشرطة الصربية على الرجوع إلى المنطقة النائية، يسوقونهم بسياط تلهب الظهور.
ويردف المراسل: “هؤلاء المواطنون لم يهربوا من قصف الناتو؛ فأول قذيفة أطلقها الناتو كانت قبل السقوط بسبعة أشهر، حيث كان هناك اهتمام عالمي ضعيف بكوسوفا، لذلك تمكّن الصرب من تهجير الآلاف من بيوتهم، كما اشتركت السلطات الصربية في انتهاكات لحقوق الإنسان، وثبت فيما بعد أن هذه القوة الغاشمة الظالمة هي التي جعلت الأغلبية الألبانية في كوسوفا تستحق الاستقلال، خاصة وأن ذلك يعكس رغبة الأغلبية.
وبما أن المجتمع الدولي قد نزع يديه مما يحدث بشأن كوسوفا الآن، فمن الجيد تذكر ما قلته آنفًا في هذا التوقيت بالذات؛ لأن الوقت ليس في صالح أحد، فقد أهدر منه الكثير منذ العام 1999.
ففي أوائل هذا العام، حاولت روسيا، التي تحاول استعادة نشاطها، استغلال نفوذها في المنطقة، محبطة خطة الأمم المتحدة العقلانية لمنح كوسوفا استقلال تحت إشرافها، تلى ذلك 5 أشهر من المحادثات غير المجدية بين الصرب وألبان كوسوفا.
وفي أحد جانبي الصراع، يقف رئيس وزراء كوسوفا الجديد، “هاشم ساتشي”، في حالة استعداد لإعلان الاستقلال من جانب، مدعومًا بأمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي.
وفي الجانب الآخر يوجد رئيس الوزراء الصربي “فوجيسلاف كوستونيكا”، مدعومًا بروسيا، يعتبر ارتباط كوسوفا بصربيا قضية جوهرية في السياسة الصربية، ويطلق تحذيرات من التداعيات الخطيرة التي ستحدث في حالة اعتراف الاتحاد الأوروبي باستقلال كوسوفا.
لكن الواقع يخالف كلا النظريتين، فـ”ساتشي” يعلم أنه بحاجة للاعتراف الدولي للاستقلال، وقد أعلن بالفعل أن هذه الخطوة ينبغي أن تتوافق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. فرئيس الوزراء يدرك أن التسرع في إعلان الاستقلال أحادي الجانب سوف يسهم فقط في تعميق الهوّة الاقتصادية للإقليم الذي يعتمد أساسًا على المعونات الخارجية من أجل البقاء.
أما الصرب، فليسوا مهتمين بنفس الدرجة بالأزمة الاقتصادية التي قد تحدث في حالة تدهور العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، فهناك الحماية الروسية التي قد يلجأون إليها وقت الأزمة.
وفي كوسوفا نفسها، لا يوجد اتفاق بين الصرب والألبان منذ العام 1999، ومن الممكن وجود اضطرابات مدنية، وأعمال شغب، وربما وصل الأمر لحوادث قتل. لكنه يرى أنه بوجود 16 ألف من قوات الناتو في الإقليم لا تلوح في الأفق بوادر صراع واسع بين جناحي المعارضة البرلمانية.
ويختم لويد شهادته قائلاً: “فقد الصرب التحكم في كوسوفا منذ العام 1999، وصارت غالبية الإقليم تريد الاستقلال، وفوق ذلك كله “هم يستحقون الاستقلال”.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …