ترجمة: علاء البشبيشي
أجمع العالم، كما لم يُجمِع من قبل، على أن الرئيس الأمريكي جورج بوش يمثل كارثة على بلاده، ونكسةً لسياساتها الخارجية، وتهديدًا لمستقبلها الاقتصادي، وأن حربه المزعومة على ما أسماه بـ “الإرهاب” أثمرتْ فشلًا مُحَقَّقًا، رُوِي بدماء الآلاف من المدنيين الأبرياء.
لكن ما زالتْ بعض الأبواق تُسوِّق لعكس ذلك، سابحةً ضد التيار، ومراهنةً على أن النسيان سيطوي صفحات بوش الدموية، في العراق وأفغانستان.
أحد هذه الأصوات الشاذة، كانت مجلة “بروسبكت” التي خرجت على هذا الإجماع، في موضوع غلافها الذي كتبه “إدوارد لوتواك” مدير المركز القومي للدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، حين قالت:
فكرة الفشل المحقق لسياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش تحَوَّلَتْ من حقيقة ثابتة إلى مجرد فَرَضية يمكن مناقشتها. وهو ذات الأمر الذي حدث سابقًا، حينما أعلن الرئيس “هاري ترومان”، في مارس عام 1952 أنه لن يترشح ثانية لمنصب الرئاسة. وكان هناك إجماع أمريكي على أن سياسته الخارجية تعتبر فشلًا مأساويًّا. كما تسبب في مقتل 54 ألف أمريكي وملايين المدنيين الكوريين في قتالٍ استمر سنتين، وهي الخسائر التي تفوق عشر مرات مثيلاتها في العراق.
وحَظِي ترومان بقسطٍ كبيرٍ من الهجاء من قِبَل اليمينيين، وكذلك احتقره الديمقراطيون باعتباره الرجل الفاشل الذي اغتصب البيت الأبيض من سلفه فرانكلين روزفلت.
وفي الخارج، كانت كراهية ترومان تملأ الآفاق، على خلفيةِ اتهاماتِ الشيوعيين له بِشَنِّ حربٍ بكتيريةٍ تسببت في حَصْدِ أرواح الأطفال الكوريين، ودمرت المحاصيل الصينية، وهو الأمر الذي تَرَسَّخَ في أذهان الكثيرين، وتم التصديق عليه في تقرير قوامه 669 صفحةً، أصدرته لجنةٌ رأسها عالم الكيمياء الحيوية البريطاني “جوزيف نيدهام”.
أَضِفْ إلى ذلك ثقةَ الناس بأن ترومان هو المتهم الأول في بدء الحرب الباردة عن طريق محاولته تخويف الاتحاد السوفييتي، أو على الأقل يتقاسم مسئولية ذلك مع ستالين.
وتتساءل المجلة: كيف تحول ترومان من رجلٍ فاشلٍ إلى رئيسٍ عظيمٍ يُشَار إليه بالبنان؟ مضيفة: إنها مسألة وقت، حتى ينسى العالم كل شيء.
لقد أصبحت الحرب الكورية نصف منسية، ولم يبقَ في الأذهان غير نجاح استراتيجية الحصار التي انتهجها ترومان، خاصةً وأنها أدّت لتفكيك الاتحاد السوفييتي بطريقة سلمية.
وتراهن الصحيفة أن النسيان الذي طوى مذابح ترومان، مازال قادرًا على طَيِّ صفحات بوش الدموية في العراق وأفغانستان.
ورغم إقرارها بأن العراق قد ابْتُلِي بموجات عنفٍ مكلفة بعد السقوط السريع لصدام حسين، رغم الوعود البراقة بديمقراطية فورية، إلا أنها ترى أن بوش يمكنه مع ذلك كله أن يصبح رئيسًا عظيمًا على طريقة ترومان، خاصةً وأن حرب العراق أصبحت هي الأخرى “نصف منسية”.
إنهم يراهنون على النسيان، وربما دفعهم إلى ذلك ما يرونه من واقع أمتنا الذي لَخَّصَهُ أحد الرواد يومًا حين قال: (ظاهرةٌ نفسيَّةٌ عجيبة نلمسها، ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين: أنْ نؤمن بالفكرة، إيمانًا يُخيَّل للناس حين نتحدث إليهم عنها، أنها ستحملنا على نَسْفِ الجبال، وبَذْلِ النفس والمال، واحتمال المصاعب، ومقارعة الخطوب؛ حتى ننتصرَ بها، أو تنتصرَ بنا، حتى إذا هدأتْ ثائرة الكلام، وانفض نظامُ الجَمْعِ نَسِيَ كُلٌّ إيمانَه، وغفل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها، ولا يُحَدِّثُ نفسَهُ بأن يجاهد أضعفَ الجهاد في سبيلها؛ بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان حتى يَعْمَلَ على ضِدِّهَا وهو يَشْعُرُ أو لا يَشْعُرُ).
الصورة ليست شديدة القتامة، ومما يبذر الأمل في النفوس ما أَقَرَّتْ به ذاتُ المجلة أن التشابه بين ترومان وبوش ليس كبيرًا، فالاتحاد السوفييتي – الذي واجهه ترومان – كان دولة، وليس فكرًا، كالذي يواجهه بوش الآن.

الرابط المختصر:

هل تريد الاطلاع على المزيد من هذه المواد؟

لتصلك أحدث المنشورات مباشرة إلى إيميلك

لا تقلق؛ نتعهد بعدم الإزعاج.

العالم بالعربية. أول منصة عربية متخصصة في رصد وتحليل اتجاهات الصحف ومراكز الأبحاث ومؤسسات استطلاعات الرأي الأجنبية؛ حتى تكتمل الصورة.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …