ترجمة: علاء البشبيشي
فقد تنظيم الدولة السيطرة على بلدة سنجار، وجزء هام من الطريق السريع الذي يربط بين الرقة في سوريا والموصل في العراق. وهو الذي إن ترسَّخ؛ فإنه يعتبر خسارة كبيرة للتنظيم، تُصَعِّب الاتصالات بين أعضائه الإرهابيين في العراق وسوريا.
لكن خسارة تنظيم الدولة لا تعتبر انتصارا لبغداد. ذلك أن الجهة التي شنت المعركة هي قوات البشمركة الكردية، فيما أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني منذ البداية أن العلم الكردي وحده هو الذي سيُرفَع فوق سنجار المحررة، وإن سَمح للعلم العراقي في نهاية المطاف بالتحليق أيضًا.
ورغم الأدلة الواضحة على أن بغداد لا تمتلك السيطرة على ربوع البلاد، تتردد الولايات المتحدة في الاعتراف بأن هذا هو الحال، وبدلا من ذلك تنتهج أمريكا سياسة تهدف إلى منع تفتيت العراق.
لكن هذا التردد غير متفهم، والسياسة القائمة على الخيال لا بد وأن تفشل. فالتحدي الآن ليس منع تفتيت البلاد، ولكن تعزيز درجة من إعادة الاندماج. وهذه ليست مسألة دلالات لفظية: فالسياسة التي تقوم على تشجيع إعادة الاندماج سوف تختلف كثيرًا عن السياسة الحالية.
فالسياسة الحالية تُوَجَّه إلى تعزيز الجيش العراقي؛ عبر توفير الأسلحة والتدريب بما يُمَكِّنه من محاربة تنظيم الدولة بفعالية أكبر، واستعادة السيطرة على كامل البلاد، وفي الوقت ذاته إقناع الحكومة في بغداد لتصبح أكثر شمولا، وأقل فسادا، وأكثر استجابة لمواطنيها.
بعبارة أخرى: إنها السياسة التي كانت الولايات المتحدة تتبعها طيلة الوقت دون نجاح يُذكَر. بل أصبحت احتمالية نجاحها أقل الآن؛ لأن العديد من مراكز السلطة ثبتت أقدامها، والحكومة العراقية هي مجرد واحدة من مراكز القوى.
لا تمتلك الحكومة القوة اللازمة للقضاء على المراكز المستقلة الأخرى- على سبيل المثال، لا تستطيع إجبار البشمرجة على تسليم سنجار- وليس لديها الكثير لتقدمه في سبيل إقناع أي مجموعة للإذعان لسلطتها المركزية.
ومنذ فرضت الولايات المتحدة منطقة حظر طيران عام 1991، لا تحكم بغداد الأقاليم الثلاث في شمال شرق البلاد، والتي تشكل إقليم كردستان. فيما اعترف دستور 2005 بكردستان كمنطقة تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي.
حتى الرابط الرئيسي الأخير الذي كان يربط العراق بكردستان- اعتماد الأخيرة على تحويلات العائدات من بغداد- قُطِعَ فعليا بقرار رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يقضي بوقف دفع الأموال المستحقة لكردستان، ثم بقرار الأكراد تصدير نفطهم مباشرة، والاحتفاظ بالإيرادات.
وتوسعت المساحة الواقعة تحت سيطرة حكومة إقليم كردستان إلى حد كبير منذ سيطر تنظيم الدولة على الموصل وأجزاء من محافظة نينوى خلاص صيف عام 2014.
وسرعان ما انتقلت حكومة الإقليم للدفاع عن، أو تحرير، ليس فقط الأرض الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة، والتي هي رسميًا جزء من إقليم كردستان، ولكن أيضًا المناطق المتنازع عليها في محيط الإقليم، بما في ذلك كركوك وحقولها النفطية. حتى أصبحت حكومة إقليم كردستان تسيطر الآن على معظم المناطق المتنازع عليها، أما المناطق التي لا تسيطر عليها فيوجد معظمها في قبضة تنظيم الدولة وليس بغداد.
ولا تريد كردستان أن تصبح حكومة بغداد أكثر شمولا، ولا أقل فسادا. والاتفاق الوحيد الذي يمكن أن يثنيها عن هذا الهدف هو المزيد من إضعاف الحكومة المركزية بما يعطي إربيل السيطرة الكاملة على شؤونها الداخلية والمالية.
بعبارة أخرى: تحوُّل العراق إلى كونفدرالية فضفاضة من أجزاء محكومة ذاتية.
كما فقدت بغداد سيطرتها على أجزاء كبيرة من المحافظات ذات الأغلبية السنية، التي يحتل تنظيم الدولة أجزاء شاسعة منها. فيما تغلي الأوساط السنية بدرجةٍ غير مسبوقة من السخط لم تشهدها البلاد منذ سقوط صدام حسين في عام 2003؛ نتيجة نظرة الأغلبية الشيعية إليهم باعتبارهم لا يمتلكون ما يكفي من النفوذ والهيمنة. هذا إلى جانب شكوى الأحزاب السنية من دستور 2005، وأحكامه الفيدرالية، على اعتبار أنه صيغ دون مشاركة سنية كافية.
وزاد السخط أكثر بعدما أصبح المالكي رئيسًا للوزراء في عام 2010، لولاية ثانية، واستمر في سياسة اجتثاث البعث التي أثَّرت على السنة بشكل غير متناسب، كما تجاهَل الاحتجاجات الشعبية، وأجبر السياسيين السنة البارزين على الخروج من السلطة، وفي بعض الحالات إلى المنفى.
بيدَ أن غضب السنة لم يُتَرجَم إلى مطالب واضحة لا لبس فيها. في البداية، فضَّلوا دولة مركزية قوية، خادعين أنفسهم أن بإمكانهم أن يكونوا الصوت المهيمن داخلها. لكن بحلول عام 2012، توصل البعض إلى استنتاج مفاده أن المزيد من الحكم الذاتي قد يكون أفضل طريقة لحماية مصالحهم. وفي حين صوَّتت مجالس المحافظات ذات الأغلبية السنية لتشكيل أقاليم حسبما يسمح الدستور، لم يسمح المالكي لعملية التحول بأن تمضي قدما.
هذا السخط السني ساعد في فتح الباب أمام الإسلامويين المتطرفين. ففي ظل الاحتلال الأمريكي، كانت محافظة الأنبار معقلا لتنظيم القاعدة في العراق. وحين انكسرت قبضة التنظيم تحت وطأة زيادة عدد القوات الأمريكية، وتنظيم مليشيات الصحوة السنية في عام 2007، لم تُعالَج المشكلة الرئيسية التي تقف وراء السخط السني، بل ظهر مرة أخرى بموازاة تقليص الولايات المتحدة وجودها، وأخيرا سحب جميع قواتها.
بدوره توقف المالكي عن الدفع للمليشيات، واتخذ موقفا معاديا للسياسيين السنة، وجعل المظالم الشعبية دَبْر أذنه. وفي المقابل، صعد الإسلامويون الراديكاليون، هذه المرة ليس في ثوب القاعدة ولكن تحت راية تنظيم الدولة، وارتفعت وتيرة الهجمات الإرهابية مرة أخرى.
وفي يناير 2014، غيَّر تنظيم الدولة تكتيكاته من توظيف هجمات الكر والفر على المدن والقرى الصغيرة إلى احتلال المراكز السكانية الكبيرة، بداء بالفلوجة والرمادي في محافظة الأنبار، مرورا بالموصل ومعظم محافظة نينوى وبقية محافظة الأنبار، وكذلك أجزاء من صلاح الدين وديالي. بل اقترب التنظيم من غزو أربيل وكركوك حتى أوقفته المقاومة الكردية والقصف الأمريكي.
أما حكومة بغداد، التي يهيمن عليها الشيعة في نظر السنة والأكراد، فعليها في واقع الأمر أن تتنافس مع غيرها مع مراكز القوى الأخرى، حتى في المحافظات الشيعية. حيث تتمتع السلطات الدينية، وعلى رأسها آية الله علي السيستاني، بسلطة كبيرة. فيما تحظى مليشيات الحشد الشعبي الشيعية، الأقوى في مقاومة تنظيم الدولة، بتمويل وتسليح إيران التي تسيطر عليها. وحتى السلطات السياسية في العديد من المحافظات الشيعية تشعر بالاستياء من سيطرة بغداد، خاصة على تمويلهم. وبالإضافة إلى الصعوبات التي تواجهها الحكومة، يعتبر منصب رئيس الوزراء حيدر العبادي في مهب الريح. حيث تنقسم الأحزاب الشيعية فيما بينها، وبعضها لا يزال يفضل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.
وهناك اختلاف صارخ بين الواقع الحقيقي وزعم الولايات المتحدة أن إقامة حكومة إصلاحية شاملة في بغداد يمكن أن يلم شعث البلاد المفتتة. ذلك أن العراق ليست مكونة من أفراد ناخبين مستعدين لاحتضان حكومة مركزية تعمل بديمقراطية، جاعلين تحت أقدامهم كافة الاعتبارات الأخرى.
ولا تقتصر القضية فقط على الهويات الطائفية والعرقية. بل تتمثل المسألة في العدد الكبير من مراكز السلطة والقوة المنظمة التي تمتلك أجنداتها الخاصة، والتي تحظى بدعم منظماتها العسكرية الخاصة في كثير من الحالات:
– هناك منطقة كردستان؛ حيث تتنافس على السلطة الأحزاب السياسية المدعومة من المليشيات.
– وهناك المناطق السنية؛ حيث تحاول المليشيات القبلية، وعناصر نظام صدام حسين، والسلطات المحلية المنتخبة، والمسئولون الحكوميون، السيطرة على ما يستطيعون من المساحة الواقعة خارج سيطرة تنظيم الدولة.
– وهناك شيعة ينضوون تحت لواء المليشيات التي توجهها إيران، وآخرون ولاؤهم لآية الله السيستاني، ومجالس محافظات راغبة في المزيد من السلطة، وعلى الأقل إقليم واحد، في البصرة، يلمح بالانفصال عن البلاد.
والسؤال ليس ما إذا كانت هذه الأهداف والمطالب واقعية، أو جيدة للبلد أو للجهات الفاعلة الخارجية. بل تكمن المسألة في أن هذه القوى المتنافسة لديها بعض الدعم، ولن تختفي تحت شعار حكومة شاملة، حتى إذا تم تشكيل حكومة كهذه.
سوف تعتمد نجاة العراق على ما إذا بالإمكان هزيمة بعض مراكز القوى هذه- وعلى الأخص تنظيم الدولة- عسكريًا، وما إذا كان الآخرون مستعدون للتفاوض على اتفاقٍ يسمح لهم بالبقاء كجزء من دولة موحدة.
وعلى الولايات المتحدة إعادة ضبط بوصلة أجندتها السياسية في العراق صوب مساعدة هذه الأطراف على التوصل إلى اتفاق جديد حول شكل الوطن الذي يرغبون فيه، وهذا يتطلب الاعتراف بأن العراق الذي تعتزم الولايات المتحدة بناءه لم ولن يخرج أبدًا إلى حيز الوجود.
إن مساعدة العراقيين على إعادة تخيُّل شكل وطنهم سوف تصبح أكثر أهمية في ظل احتدام الحرب الدولية ضد تنظيم الدولة بعدما أعلن نفسه الآن باعتباره تهديدًا عالميًا. وحتى إذا تم دحر التنظيم من أنحاء البلاد، كما طُرِدَ من سنجار، فإن هزيمته لن تتحول إلى انتصار للعراق.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…