شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr أتفهم المشاعر العشطى التي قد تدفع إلى التسرُّع في الاحتفال بإعلان سحب القوات الروسية الرئيسية في سوريا بدءًا من غدٍ الثلاثاء، لكن من الحكمة التعامل مع مثل هذه التصريحات برويةٍ شديدةٍ، حتى يتبيَّن صداها على الأرض، والبحث أكثر في التفاصيل والخلفيات، وعدم الاكتفاء بالعناوين لأنها غالبًا ما تكون غير دقيقة. مثلا؛ * على الصعيد العسكري: – نصَّ الإعلان الروسي ذاته على أن “القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس ستواصلان عملهما كما في السابق”. (لتتضح الصورة أكثر، اقرأ هذا التقرير عن التواجد الجوي الروسي، ثم تصفَّح سريعًا هذه الصور السابقة التي التقطتها الأقمار الصناعية على مدار شهور). – وأكد رئيس لجنة شؤون الدفاع والأمن في المجلس الاتحادي الروسي، فيكتور أوزيروف، أن سحب القوات الروسية “لا يعني الامتناع عن الالتزامات الخاصة بتوريد السلاح والتقنيات العسكرية للحكومة السورية، فضلا عن تدريب الخبراء العسكريين”. – وكان “أوزيروف” حريصًا على إعلان أن “الحكومة السورية أصبح بإمكانها- بفضل مساعدة القوات الفضائية الجوية الروسية- التعامل مع الإرهابيين بقواها الذاتية”. * وعلى الصعيد السياسي: – بعدما نفت موسكو سابقًا تصريحات المسئولين الأمريكيين عن وجود خطة بديلة، من الواضح أن روسيا ذاهبة هذه المرة إلى طاولة المحادثات وهي تؤكد مرة أخرى على هذا المعنى، بل كان عنوان تقرير هيو نايلور في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية اليوم ” بدء محادثات السلام في جنيف دون وجود “خطة ب” على الطاولة”. فضلا عن تحذير دي ميستورا: “البديل حربٌ أسوأ”! – في ضوء ذلك يمكن تفسير إعراب بوتين اليوم عن أمله بأن بدء سحب القوات الروسية من سوريا سيشكل دافعًا إيجابيا لعملية التفاوض بين القوى السياسية في جنيف. وهو التصريح الحمائميّ الذي لم يأتِ إلا بعدما أكَّد البيان سالف الذكر، أكثر من مرة، على الإنجازات التي حققتها القوات الروسية على الأرض. (للمزيد عن “المعلوم من المفاوضات بالضرورة” اقرأ هذا التقرير). ومن المفيد أيضًا التنبيه على أن أكبر حجر عثرة في طريق أي تسويات محتملة يتجسَّد في “غياب الثقة”، وحين راجعتُ الآن عدد المرات التي قرأتُ فيها هذا المعنى بين طيات التحليلات الغربية خلال الشهور القليلة الماضية، وجدتُ عجبًا، ويمكنكَ مشاركتي بالبحث عن لفظ “الثقة” بين ترجمات هذا الموقع فقط. في ضوء ذلك يمكننا استدعاء ما كتبه الكاتب الروسي ماكسيم ترودوليبوف منذ أسابيع في مركز وودرو ويلسون: “ترى روسيا أن الاتفاق بين البيت الأبيض والكرملين لوقف القتال في سوريا ليس فقط فرصة لإثبات أن روسيا قوة لا يستهان بها، ولكن أيضا قوة يعتمد عليها”.وينبغي أيضًا استحضار الحملة الإعلامية التي تروِّج منذ فترة للفيدرالية أو حتى التقسيم، باعتبارهما الحل الأمثل للأزمة السورية التي طال أمدها.. بل التركيز على هذه الحلول المطروحة، والتفاصيل التي ستُطرَح لاحقًا، هو واجب الأيام القليلة القادمة. وحتى إذا جاءت الرياح غدًا بما نشتهيه- وأتمنى ذلك طبعًا- فمن العقل التمهُّل، ليس فقط في تفسير القرار الروسي، ولكن أيضًا في التعامل مع كافة التصريحات والأحداث التي تصعد بنا صباحًا إلى السماء، ثم سرعان ما تخسف بنا إلى سابع أرض في المساء. وإجمالا- وليس في هذا الموقف حصرًا- يكمن الشيطان كالعادة في التفاصيل. وأقرب الأدلة على ذلك- مع الفارق- ثغرات الهدنة الأخيرة التي استغلها بشار والروس لمواصلة غاراتهم الجوية، حتى تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي عن استخدام بشار أسلحة كيميائية أثناء وقف إطلاق النار. وبكل هدوءٍ أهمس: إذا كان التروي في حقّ العقلاء من غير المتخصصين مستحبٌّ، فإنه يرقَى لدرجة الوجوب حين يتعلق بمقام المتخصصين الذين يُنتَظَر منهم توعية الناس، وبعضهم يُنظَر إلى حروفه في مثل هذه المفاجآت نظر الطير إلى اللحم. فإن كنتَ لابد محتفلا- ولا أملك إلا النصح- فهناك تعبيرٌ لطيفٌ أراه حلا وسطًا كلما وجدتَ نفسك على وشك الاحتفال الصاخب بمثل هذه التصريحات والأحداث، هو: “الترحيب الحذِر”. وفي النهاية يجب التنبيه على أن هذه السطور ليست تحليلا متعجلا آخر، بل مجرد دعوة للتروِّي والبحث. حقق الله الآمال، وجبر القلوب.