ترجمة: علاء البشبيشي
بينما كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تقدِّم غصنَ زيتون للعالميْن، العربي والإسلامي، إذْ تواردت بعضُ التقارير التي تفيد بأن مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي) يتسلل إلى داخل بعض المنظَّمات والمراكز الإسلامية، بالإضافة إلى زَرْعِ مُخْبِرين داخلَ المساجد!
وردًّا على هذا الكشف (الفضيحة)، أعلنت عشر منظَّمات إسلامية قطْعَ كافة علاقاتها بالـ (إف بي آي)، حيث كانت تشارك في جلسات حواريَّة، وتتواصل مع عملاءَ لمكتب التحقيقات منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي سقط فيها أكثر من 3 آلاف قتيل. وبالنظر إلى تاريخ (إف بي آي) الإجرامي، يجدر بنا في البداية معرفة السبب الذي أجبر هذه المنظمات الإسلاميَّة على التّورط في مثل هذه العلاقة.
في الحقيقة قَدِم هؤلاء إلى أمريكا لتأسيس قاعدة اقتصادية، وتوفير حياة كريمة لذويهم، أو للالتحاق بأفضل الجامعات العالمية لتحصيل درجات علمية تمكنهم من خدمة بلادهم، وكانوا يأملون في تجسير الهُوة بين المسلمين والأمريكيين، وحاولوا جاهدين أن يجعلوا هذا الشعب الذي يعيشون بين ظَهْرَانَيْهِ يبادلهم نفسَ الشعور، لكن بلا جدوى، رغم النتائج المُرْضِيَة التي خرج بها الاستطلاع الذي أجراه مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، والذي أظهر أن 50% من الناخبين المسلمين في أمريكا محترفون، و 62% حصلوا على درجة البكالوريوس أو ما فوقها. وأظهر استطلاع (كير) أيضًا أن المهاجرين المسلمين نجحوا في الاندماج داخل المجتمع الأمريكي، حيث قال 86% منهم: إنهم يحتفلون بيوم الاستقلال الوطني في الرابع من يوليو كلَّ عام، فيما قال 64% : إنهم يرفعون العلَم الأمريكي في المناسبات المختلفة.
لكن ماذا كانت نتيجة كل هذا الجهد الذي بذله المسلمون؟!
بعض هؤلاء المهاجرين يعيشون مُرْتَعِدِين؛ ودليل ذلك أنهم يحاولون إضافة المسحة الأمريكية على أسمائهم الإسلامية ليتكيفوا مع (أو ربما يختبئوا وسط) المجتمع الذي يعيشون فيه، مثل استخدام “مايك” أو “مو” بدلًا من “محمد”، و “روبرت” بدلًا من “عبد الرحمن”، و “ألبرت” بدلًا من “عبد الله”. بل وصل الأمر إلى درجة أن تنصح بعض العائلات بناتها بعدم ارتداء الحجاب، حتى وإن أبدت الفتاة رغبتها في ذلك.
والأسوأ من ذلك كله، أن التحقير والخوف أصبحا ـ منذ أحداث 11 سبتمبر ـ الرفيق الملازم للمسلمين، الذي يحدد شكل تجربتهم الأمريكية.
هذا الخوف اقتحم المساجد والمراكز الإسلامية، وجعل بعض الخطباء يخافون من استخدام أي تعبيرات قد تُعتَبر تحديًا للمجتمع، أو تحاول مُداواة الأدواء الموجودة داخل أمريكا.
ووسط هذا كله تبقى الحقيقة (المُرَّة): بينما كان المسلمون يتحاورون، كان مكتب (إف بي آي) يجمع معلومات استخباراتية ويزرع الجواسيس والعملاء مثيري المشاكل!
وبينما كان هؤلاء المسلمون يعتقدون أنهم يبدأون صفحة تاريخية مع وطنهم بالتبني (أمريكا)، تبين أنهم تعرضوا للخداع على يد الحكومة الأمريكية.
وربما لو أنفقَت هذه المنظمات الإسلامية وقتًا أقل في هذا الميدان، ووقتًا أكثر مع رفقاء دربهم من المسلمين السود، لأصبحوا على دراية بأساليب الـ (إف بي آي)، ولعلموا بنبأ الأربعمائة عام من التمييز العنصري، وكيفية الرد عليها، ولفهموا أن التعاون مع هؤلاء أشبه بالتعاون بين الذئاب والدجاج في يوم جوعٍ شديد، ولقصَّ عليهم أحدُهم خبرَ حِقْدِ “جون إدجار هوفر”، العقل المدبر لخطة الـ (إف بي آي) لتدمير منظمات السود وقياداتها.
لو تواصل المهاجرون المسلمون مع رفاقهم السود في أمريكا، لأحاطوهم عِلْمًا بدروس التاريخ القيِّمة التي توضِّح كيف كان الـ (إف بي آي) يتهم زورًا الأمريكيين والمهاجرين، ويعتقلهم بسبب آرائهم السياسية.
ولأخبرهم إخوانهم السود أنه قبل جوانتانامو كان لأمريكا سجونٌ لليابانيين-الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية. بل كانوا سيعلمون بشأن قائمة المعتقلين السياسيين، بدايةً بـ “مايكل جارفي”، مرورًا بـ “إليجا محمد” وصولًا إلى (وليس انتهاء بـ) “موميا جمال”.
أكثر من ذلك، لتيَقَّنُوا أن التجسس هو سبيل أمريكي، والحكومة الأمريكية ما هي إلا “جاسوس عالمي يحب إقحام أنفه في شئون الآخرين”،  على حد وصف “إليجا محمد”، في رسالته إلى الرجل الأسود.
إذا استشار المهاجرون المسلمون رفقاء دينهم من السود الأمريكيين الذين تجرَّعوا مَرارة الاضطهاد الأمريكي، كانوا سيخبرونهم بذلك وأكثر.
لكن في النهاية، لابد أن تُمتَدح هذه المنظمات العشر التي قرَّرت أن تُقَاوِمَ الشيطانَ، وأن تقطع علاقاتها بـ (إف بي آي)، على الرغم من أنَّ هذه العلاقات لم يكن لها ابتداءً أن تكون. وكان الحَرَجُ سيرتفع إذا ما وُجِّه هذا الجهد للحوار بين قادة المسلمين الموثوق فيهم داخل المجتمع الأسود، الذين بإمكانهم الإدلاءُ بشهادتهم حول التاريخ القَذِر لوكالة (إف بي آي)، سيئةِ السمعة.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

فورين بوليسي: ماذا يمكن أن تخسر تركيا من الصراع بين روسيا وأوكرانيا؟

«يمكن أن تتكبَّد تركيا خسارة فادحة جَرَّاء المواجهة بين روسيا وأوكرانيا؛ وذلك لأن الصراع ق…