في العمق التهديد الثلاثي الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط لـ العالم بالعربية منشور في 10 سبتمبر، 2014 7 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي حوارٌ مطولٌ، يناهز 4000 كلمة، أجراه باتريك رايان من خدمة معلومات العلاقات السعودية الأمريكية التابعة لمجلس العلاقات السعودية الأمريكية في واشنطن، مع الدكتور تيودور كاراسيك مدير البحوث والاستشارات في معهد الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري ومقره الإمارات؛ في محاولةٍ لفهم أبعاد التهديدات الثلاثة التي تواجه منطقة الشرق الأوسط حاليا: (1) “الدولة الإسلامية” (2) الاضطرابات السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي (3) الصراع في اليمن. ويشمل الحوار تحليلًا لتطورات المشهد في شبه الجزيرة العربية والمنطقة، ويتطرق- بحسب المُحَاوِر- للقضايا التي لا تحظى فقط باهتمام المتخصصين الذين يراقبون عن كثب ما يحدث في الخليج ومحيطه، ولكنها تستقطب أيضًا اهتماما عالميا واسعا حول الأزمات التي تعاني منها المنطقة، ويتعين على صناع القرار الغربيين والمحليين مواجهتها. (1) داعش بدأ “رايان” الحوار بسؤالٍ عن القضية الأكثر سخونة في نشرات الأخبار؛ وهي ظاهرة “داعش” التي وُلِدَت من رَحِم الحرب الأهلية السورية ثم امتدت إلى العراق، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة في جبل سنجار والآن لحماية سد الموصل. للإجابة عن هذا التساؤل؛ شدَّد “كاراسيك” على أهمية فهم أيديولوجية “داعش” ودوافعها، مستشهدًا بالمجلة التي أصدرتها المنظمة بالإنجليزية، واختارت لها اسم “دابق” في إشارةٍ إلى المعركة المرتقبة في نهاية الزمان والمذكورة في النصوص الدينية. وانطلاقًا من هذه الرؤية – بحسب “كاراسيك”- تسعى داعش لتوريط أمريكا وبريطانيا في معركةٍ على أرض العراق؛ لتسريع تحقيق نبوءة المعركة النهائية بين المؤمنين الحقيقيين والصليبيين. وحول رؤيته لقوة “داعش” أردف: في الوقت ذاته، تسعى داعش لتطوير منظومتها القتالية، فهي تمتلك معدات روسية وبريطانية وروسية وأمريكية، كثير منها حديث ومتطور، ويشمل صواريخ ومنظومات دفاع جوي محمولة وأسلحة يمكن استخدامها لشن هجمات، برغم أنهم لم يبدأوا هذا حتى الآن. كما لديهم طائرات بدون طيار قادرة على القيام برحلات جوية، واستخدموا أربعة منها حينما حاولوا دخول الأردن قبل قرابة شهر. صحيحٌ أنها كانت رحلات جوية في اتجاه واحد، لكنهم استطاعوا الحصول على صور. كما استطاعت المنظمة في الخامس والعشرين من يونيو تجميع ما يمكن أن نطلق عليه طائرة قتالية بدون طيار عرضها (ما بين طرفي الجناحين) ثمانية أمتار، تحمل على متنها براميل وقود متفجرة. وبدورهم استطاع الأردنيون إسقاطها؛ لأنها انطلقت من وسط سوريا صوب الأردن حيث مقرات القيادة المركزية الأمريكية. كان الأمريكيون يريدون تدميرها بصاروخ باتريوت، لكن الأردنيون أرادوا إسقاطها لاستخدامها في إجراء تحقيق. وهذا يستدعي- كما ينصح “كاراسيك”- جميع أنواع التحليلات اللازمة لتحديد منظومة “داعش” القتالية، واستشراف ما الذي يمكنها فعله مستقبلا في ضوء ما تقوم به حاليا من عملية التفتيت والانتقاء التي تهدف إلى الاستيلاء على الموارد وكسب قلوب وعقول الناس في المناطق المحيطة بأرض المعركة الحالية. وفي مقابل هذا الوصف لقدرات داعش، استدرك “رايان” بالإشارة إلى نتائج الضربات الجوية في الشمال التي أضعفت الهجوم الذي كان يهدد المنطقة الكردية، وصدَّت زحف “الدولة الإسلامية” إلى حد ما. ليتساءل: كيف يمكن تقييم قوتها الفعلية عند مواجهة خصمٍ يتمتع بالتصميم والتجهيز الجيد، مثل القوات الأمريكية التي واجهتها في الشمال؟ بدوره أجاب “كاراسيك” قائلا: من المثير للاهتمام اعتقاد البعض أن الولايات المتحدة لا تشن ما يكفي من الضربات الجوية، في حين ترغب القيادات المحلية في توسيع نطاقها لأنهم يعتبرون أن “داعش” قادرة على التلاشي بسرعة ثم العودة مجددًا. وهذا أيضًا جزء من خطة “الدولة”؛ أن تكون قادرة على الخروج، والاستيلاء على شيء ذي فائدة استراتيجية كبيرة، ورؤية كم يمكنها الاحتفاظ به، ثم الانسحاب إلى الخلف. وهم جيدون في استخدام التمويه لإخفاء بعض معداتهم، وبإمكانهم حتى الفرار إلى سوريا. وطالما لا توجد عمليات جوية سيكونون قادرين على إعادة تنظيم صفوفهم ثم الانطلاق وشن هجمات مرة أخرى. لذلك يمكنني وصف الضربات الجوية الأمريكية في الشمال بـ”الإسعافات الأولية” التي تتسم بالارتخاء الشديد. هنا عاد “رايان” للتذكير بما أشار إليه مؤتمر البنتاجون منذ أيام حول شن 90 ضربة حتى الآن؛ هدفت في المقام الأول إلى منع استهداف اليزيديين الذين انتقلوا إلى جبل سنجار، ثم إلى السد ومحيطه. وانطلاقًا من النقاشات التي دارت حول شن هجمات شاملة في سوريا باعتبارها السبيل الوحيد للأخذ على يدِ داعش، تساءل المُحاوِر: ما الذي ترجح حدوثه في ظل المخاوف الأمريكية من التورط في العراق مرة أخرى، ونتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة بيو مؤخرًا، وأظهر أن أغلبية أمريكية، بفارق ضئيل، تؤيد استخدام القوة في الشمال لأغراض إنسانية، دون تأييد العودة إلى العراق بشكل كبير؟ وافق “كاراسيك” على أن ضربات الأسد الجوية ضد “داعش” ليست كافية. ورغم احتمالية تدخل روسيا لمساعدة النظام السوري، تظل الحملة الدولية لاستهداف المنظمة في سوريا أمرًا حتميًا، في مواجهة خططها المحتملة للتوسع أكثر في سوريا والأردن والسعودية، وكذلك الكويت التي تعتبر أكثر عرضة الآن؛ لأن جبهتها الداخلية تشهد بعض الدعم لـ “داعش”، ومنها تدفقت بعض الأموال على المنظمة، كما أن هناك العامل القبلي الذي يراقب ما يحدث في العراق، ويميل إلى الانجذاب صوب نموذج مشابه باعتباره بديلا للحكومة. وبعد ذلك كله، تحتاج الولايات المتحدة- على حد قول “كاراسيك”- إلى التفكير مليًا بشأن شن هجمات جوية في سوريا، وعقد اتفاق- ولو مؤقت- مع الأسد؛ لأن التهديد الذي تمثله “داعش” أكبر بكثير مما يمثله النظام السوري، الذي يعتبر أهون الشَرَّيْن. من أجل ذلك ينبغي أن يكون هناك نقاش جاد وسريع حول هذا الأمر في واشنطن؛ لاتخاذ قرار حول كيفية المضي قدما على هذا الدرب. لكن ماذا عن استخدام قوات أمريكية ضد “داعش” في العراق”؟ يتساءل “رايان”. صحيحٌ أن القوات العراقية انهارت أمام الهجمات الأولى للمنظمة، لكن بغداد شهدت بعض التطورات السياسية، ويوجد أيضًا الأكراد في الشمال الذين قاتلوا ضد “الدولة” وطلبوا دعما إضافيًا. وعلى افتراض أن هذا الدعم قُدِّم بالفعل، فيبدو أنه أتى أُكُله حول سد الموصل. في ظل ذلك، كيف يمكن تقييم ميزان القوى في العراق وآفاق النشاط غير الأمريكي على الأرض؟ للإجابة عن هذا التساؤل أشار “كاراسيك” إلى وقوف العراقيين بجانب الأكراد، وترميم خلافاتهم بسبب التهديد المشترك الذي تمثله “الدولة”، إلى جانب المساعدة الأمريكية على الأرض. وتحدَّث عما وصفة بـ”الأوراق البرية” التي يمكن استخدامها في هذا الصدد، ومنها: المليشيات الشيعية، والخطط الإيرانية في العراق، وكلاهما يقف في الخلف ويراقب ماذا سيحدث. مضيفًا: علينا أن ندرك أيضًا أن الجيش العراقي الآن الذي كان معظمه من الشيعة، أصبح الآن عمليًا لا يضم أي عناصر سنية؛ لذلك أي معركة بين المنظمة والجيش العراقي سيُنظَر إليها باعتبارها معركة بين السنة والشيعة وهو ما تريده “داعش”. أضف إلى ذلك مشهد الجيش العراقي إلى جانب الأكراد والبيشمرجة، بل شهدنا بالفعل مشاركة حزب العمال الكردستاني، وربما تنخرط أمريكا أيضًا لحماية المصالح الكردية. صحيحٌ أننا لم نشهد هذا الحشد بعد، لكننا قد نرى نشاطًا صوب الجنوب، حيث توجد حقول النفط الحقيقية وينبع الإنتاج الرئيسي. حينها فقط سيترك الشيعة مقعد المراق (2) التوتر السياسي في مجلس التعاون الخليجي بعد الحديث عن خطر داعش، وضرورة إيجاد تحالف غربي- إقليمي لمواجته، انتقل الحوار إلى التوتر السياسي الذي يشهده مجلس التعاون الخليجي. وهو التهديد الذي يتضافر مع ما يحدث في العراق وسوريا، إلى جانب غزة وإسرائيل، لإنتاج ما يسميه “كاراسيك”: “الفوضى المقدسة”. في ظل بحث الخليج عن مساعدة دولية، خاصة من أمريكا وبريطانيا، حول ما ينبغي القيام به لمواجهة “داعش”، وتوجههم صوب روسيا برغم المواجهة مع أوكرانيا. وتحدَّث الضيف عن تطورات كبيرة تختمر بشأن تعليق عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي، على خلفية عدم التزامها باتفاق الرياض الموقع العام الفائت الذي شمل 37 بندًا. وبعد سحب السفراء، يدور الآن حديث عن إمكانية غلق الحدود البرية بين السعودية وقطر، وحصار بحري محتمل لإجبار الدوحة على التراجع عن مواقفها. لكن هذا بالطبع سيدفع قطر أكثر تجاه تركيا وإيران، اللذين يمثلان الكتلة الجديدة الصاعدة في المنطقة، وهو ما ظهر بالفعل في مفاوضات غزة. حيث شعرت دول الخليج بالغضب الشديد من الولايات المتحدة لأن وزير خارجيتها جون كيري كان يدعم خطة تركيا وإيران في مواجهة خطة السعودية ومصر. وهو خط التقسيم الآخر الذي يجري تشكيله الآن. كما يرى “كاراسيك” أن انتخابات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي أجريت مؤخرا في تركيا، وتواجد علماء كثيرين على رأسهم الدكتور القرضاوي، يمثل ورقةً أخرى لكي تعمل قطر تحت المظلة التركية والعكس. وتطرَّق الحوار إلى الأخبار المتواترة عن إصابة سلطان عمان بسرطان البنكرياس، ما يثير علامات استفهام حول خليفة قابوس، المرجح أن يكون ذا خلفية عسكرية، لكنه في الوقت الراهن يُخرِج عمان من النزاع الدائر. صحيحٌ أن الرياض كانت تستخدم عمان للتفاوض مع الإيرانيين حول شكلٍ ما من المصالحة، لكن يبدو أن هذه المحاولات انهارت بسبب ما يحدث في العراق. وبرغم إشارة المحاوِر إلى التقارير التي تتحدث عن مدى تدهور السلطان قابوس تتعارض مع البيان الرسمي الذي أصدره ديوان البلاط السلطاني، واتفاق الضيف على أنه ينبغي التعامل معها بحذر، إلا أن الأخير أوضح أنه يتحدث استنادا على حوارٍ أجراه مع 3 أفراد وصفهم بالموثوقية، مؤكدًا رغبة بعض الدول في مجلس التعاون الخليجي في التأكد من أن السلطان العماني القادم سيكون مشاركا نشطا في التطورات التي تشهدها المنطقة، وربما أحد المفاوضين، مع حرصها أيضًا أن يكون أقرب إلى خط الرياض. مستشهدا بما شهدته السعودية وعمان خلال الشهور الـ 6-8 الماضية من نشاطٍ متبادلٍ على الصعيدين السياسي والاقتصادي. (3) الصراع في اليمن وفي هذا السياق أشار ” رايان ” إلى مقال نشرته العربية مؤخرًا لـ كاراسيك، حول حرب الثلاثين عاما، توقع فيه ظهور إمارات جديدة عبر منطقة الشرق الأوسط، ورجَّح قرب ظهور إمارة جديدة تطفو على السطح في اليمن. وبناء عليه، لا يمكن فصل كل ما سبق عما يحدث في اليمن، وقيام الحوثيين بتضييق الخناق على صنعاء، وخطة تقسيم البلاد بهدف السيطرة عليها؛ بما يجرّ البلاد صوب نوبة أخرى من العنف، ويثير توتر السعودية حيال ما يحدث في جنوب المملكة وشمالها. لكن في ظل هذا التوتر، لماذا يخفت صوت القاعدة في اليمن؟ أرجع “كاراسيك” ذلك إلى تضييق الحوثيين الخناق على العاصمة صنعاء، وربما هي فترة هدوءٍ أسفرت عنها النزاعات الداخلية التي علا صوتها بعد صعود “الدولة الإسلامية”، والخلاف الدائر حول مبايعة الخليفة الجديد. وهكذا تجتمع “الفوضى المقدسة” في الشمال، و”الفوضى المقدسة” في الجنوب، مع التفكك السياسي في الخليج. لكن كيف يمكن الربط بين هذه التطورات الثلاثة، لرصد الآثار المترتبة على العلاقة بين السعودية وأمريكا في المدَيَيْن القريب والمتوسط؟ يرى كاراسيك أن الآثار القريب والمتوسطة ستحتم على الولايات المتحدة والمملكة العمل سويا بشكل وثيق برغم الاختلافات الكبيرة بينهما حول العديد من القضايا في المنطقة. ومن الواضح أن السعودية اعتمدت على مصر وباكستان لمساعدتها في تقوية جيشها، رغم ما قاله الأمير متعب خلال زيارته على طول الحدود. كما تحتاج المملكة إلى أن تراقب عن كثب تنامي نفوذ “داعش” في الداخل السعودي، في ظل انفصال كبار رجال الدين عن الشباب، وعزوف الطائفة الأخيرة عن فتاوى الأوائل لأنهم يعتبرونهم جزءًا من الحكومة. وبدورها تحتاج الولايات المتحدة إلى الانخراط مجددا مع المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى حلفائها في الخليج؛ لطمأنتهم بعدما حدث في سوريا والعراق، والعمل سويا لتشكيل ائتلاف سريع لمواجهة داعش. لا سيما وأن “كاراسيك” يرى أننا قد نكون على أعتاب 11 سبتمبر جديدة، ما يستلزم دراسة المشهد والمآلات بعناية فائقة.