ترجمة/ علاء البشبيشي

تجربة مثيرة خاضها الصحفي “بير زبير شاه” لكشف طلاسم أشهر الحروب السرية في التاريخ الحديث، كلفته الكثير من الوقت والجهد، وعرضته لمخاطر كادت تودي بحياته، لكنه في النهاية لم يتوصل إلى الكثير رغم نصف عقد من البحث والتنقيب، اللهم إلا بعض الإجراءات الاحترازية التي انتهجها المسلحون للتكيف مع هذا النوع الجديد من الحرب.

“لم نعد حتى نجلس سويا للدردشة”.. أخبرني بذلك أحد مقاتلي طالبان، بصوته الأجش وهو يمشط لحيته بأصابعه. كنا نتحدث داخل منزل آمن في بيشاور، بينما كان المقاتل وأحد رفاقه يصفان الحياة في مناطق وزيرستان الحدودية، حيث الفرار المستمر من الطائرات الأمريكية بدون طيار، والتي غيرت كل شيء بالنسبة للقاعدة وحلفائها المحليين.

في مطلع العام 2009، قتلت غارة جوية أحد القادة المحليين ونجله، واثنين من أولاد إخوته، وأحد الضيوف من مدينة وانا جنوب وزيرستان، أخبرتني مصادر عديدة أن العائلة كانت بريئة، وليس لها أي علاقة بطالبان أو القاعدة.

ولأن السفر إلى وزيرستان أصبح خطيرا جدًا، حتى بالنسبة لي، أنا الصحفي الذي ترعرعتُ هناك، فبدلا من الذهاب إلى وزيرستان، جلبت مصادري إلى بيشاور، واستأجرتُ لهم غرفًا في بيت الضيافة. وكان لدي ليلة واحدة لأكتشف ما الذي حدث.

قضيتُ الليلة متنقلا بين غرفة وأخرى، أجمع أجزاء القصة. في الطابق الأول جلس الأخ الأكبر للمتوفي، وابن أخيه، الذي أخبرني بالقليل الذي يعرفونه عن الحادث. وفي الطابق الثاني، جلس ضباط المخابرات الباكستانية، بصحبة الويسكي ولحم الضأن، وهم يصفون مساعدتهم عملاء الاستخبارات الأمريكية في فرز الأهداف التي تلتقطتها الطائرات بدون طيار. ثم كان هناك مقاتلَيْ طالبان، اللذَيْن التقيتهما للمرة الأولى في وزيرستان عام 2007. أحدهما كان وسيطا لشبكة حقاني، وكان بارعًا في تهريب الرجال والعتاد من باكستان إلى أفغانستان. والآخر يتلقى راتبا حكوميا مقابل عمله كموظف في وزارة الزارعة الباكستانيّة، لكنه يعمل على الحدود كخبير متفجرات، وكان قد فقد أصبعه أثناء قتال قوات التحالف في أفغانستان. ولم يعرف أحد هؤلاء الرجال بوجود الآخرين.

وصف المقاتلان كيف تكيف المسلحون مع هذا النوع الجديد من الحرب، وأخبراني عن توقف طالبان والقاعدة عن استخدام الأجهزة الإلكترونيّة. لم يعودوا يتجمعون بأعداد كبيرة، حتى ولو للصلاة في المساجد، ويقضون لياليهم في الخارج طلبًا للسلامة.

تدريجيا، اقتربَت صورة الحادث النادر من دائرة الضوء: ضربة قاتلة حصدت عن طريق الخطأ روح رجل لا علاقة له بتنظيم القاعدة أو حركة طالبان.

حملة الطائرات بدون طيار هي أحد أكثر برامج الحكومة الأمريكية سرية. ورغم أن أشمل الدراسات حول هذا الموضوع، والتي أعدتها مؤسسة نيو أميركا العام الماضي، كشفت أن طائرات بدون طيار شنت 283 هجوما على المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان منذ العام 2004، لم يعترف أوباما علنا بذلك حتى يناير الماضي.

ما يصعب الأمور أكثر، هو أن الأهداف تقع في أحد أصعب الأماكن وصولا في العالم، والتي كانت تقليديا خارج حدود الغرباء، وشكليا تحت سلطة دولة باكستان، لكنها في الواقع لا تخضع لأي سلطة حاكمة. واستخلاص التقارير الدقيقة من هذه البيئة يكون هدفًا بعيد المنال في كثير من الأحيان، بسبب تكاثر الارتباك والخلافات والخرافات.

وعلى الرغم من أن حملة الطائرات بدون طيار أصبحت محور استراتيجية إدارة أوباما لمكافحة الإرهاب في آسيا الوسطى- وتم تصديرها لأماكن أخرى كاليمن والقرن الأفريقي- إلا أننا لا نعرف عنها شيئًا تقريبا. قضيتُ أكثر من نصف عقد أتتبع هذه الحروب الأكثر سرية في أنحاء شمال باكستان، وأتلقى مكالمات ليلية من عملاء المخابرات، وأفرز شظايا الصواريخ في مواقع الهجوم، وأحصر عدد الجثث والقبور، وأجري مقابلات مع النشطاء والضحايا. تفاديتُ الرصاص، وفي أحد المرات، هربتُ من عبوة ناسفة. اعتقلتني حركة طالبان، واحتجزني الجيش الباكستاني. ورغم ذلك كله، لا يمكنني سوى قول القليل جدًا حول ما حدث.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …