كتب عرض كتاب “ليس عن البرقع: مسلمات يكتبن عن الإيمان والنسوية والجنس والعرق” لـ العالم بالعربية منشور في 25 مارس، 2019 19 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr العنوان: ليس عن البرقع.. مسلمات يكتبن عن الإيمان والنسوية والجنس والعرق تحرير: مريم خان الناشر: بان ماكميلان تاريخ النشر: 21 فبراير 2019 عدد الصفحات: 272 صفحة الموضوع: مقالات مختارة بأقلام نساء مسلمات عن تجارب المرأة المسلمة المعاصرة في المملكة المتحدة. المساهِمات: منى الطحاوي، كوكو خان، صوفيا أحمد، نفيسة بكار، عافية أحمد، ياسمين عبدالمجيد، جميلة حكمون، مريم خان، أفشان دسوزا-لودي، سلمى حيدراني، آمنة سليم، سايما مير، سلمى الورداني، عينا خان، رفيدا رفيق، ماليا بواتيا، نادين عايشة جاسات. 1 حين قرأت مريم خان تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، الذي يربط بين “تطرُّف” المسلمين و”خنوع” المسلمات؛ قالت: لا يمكن لأي امرأة مسلمة أن تقبل بمثل هذا الوصف. وتساءلت: لماذا نسمع عن المسلمات من أشخاص ليسوا أصلا مسلمين ، ولا حتى نساء؟ كان هذا السؤال هو المحرك الرئيس وراء إصدار هذا الكتاب. في ضوء هذه الخلفية، تستهل المقدمة برفضٍ تام للتصريح الذي أدلى به كاميرون في يناير 2016 خلال حوار خاص نشرتة صحيفة ديلي تليجراف، يصف المرأة المسلمة بأنها خانعة تقليديًا؛ ببساطة لأن من بين هؤلاء النسوة اللواتي جمعهن كاميرون في حفرةٍ واحدة ورجمهن بالخنوع “ناجياتٍ من الحرب” و”وباحثات دكتوراة” و”طبيبات” و”أمهات” مثقفات. مرَّت سنوات، وتدهور مستوى الخطاب العام ليس في المملكة المتحدة وحدها بل حول العالم إلى ما هو أدنى دركًا من تصريحات كاميرون المسيئة. وإذا كان “صوت المرأة المسلمة لا يزال يُغَلِّفه الصمت، بينما يتولى زمام النقاشات العامة حصرًا مجموعة من الذكور البيض”؛ فلا مفرّ من المواجهة، بأن تتولي المرأة بنفسها زمام المبادرة هذه المرة. 2 ماذا يعني بالضبط أن تعيش امرأة مسلمة في الغرب اليوم؟ من منظور وسائل الإعلام، يتعلق الأمر كله بالبرقع. لكن الكتاب الذي بين أيدينا يطرح إجابة أخرى، يرى مؤلفوه أنها “أكثر دقة وموضوعية وصراحة”. في مواجهة “أحد أكثر التصريحات المرتبطة بالمرأة المسلمة والإسلاموفوبيا تسييسًا وإساءة للاستخدام”، ينقل الكتاب أصوات 17 امرأة مسلمة يتحدثن بصراحة عن “الحجاب، والإيمان المذبذب، والحب والطلاق، والنسوية، والهوية الشاذة، والجنس، والتهديدات المزدوجة المُحدِقة بالمرأة المسلمة التي تصدر من مجتمعٍ معارضٍ ودولةٍ عنصرية”، وهي أطروحات لن تتعرَّف عليها عبر وسائل الإعلام السائدة بهذه الصراحة الصادمة في كثير من الأحيان. يقدم الكتاب مزيجًا من كتابات النساء المسلمات من بريطانيا وحول العالم؛ حيث تتحدث منى الطحاوي عن معنى الثورة، وتروي الصحافية والمذيعة سايما مير قصة زواجها، وتحكي المؤلفة صوفيا أحمد عن نسختها الإسلامية من النسوية، وتستعرض الكاتبة المسرحية أفشان دسوزا-لودي علاقتها مع الحجاب. المقال الأول بقلم منى الطحاوي يلخص المعركة التي اختارت الكاتبة أن تخوضها: (1) محاربة “كراهية النساء” التي ترى أنها متغلغلة في ثقافتها (العربية) وخلفيتها الدينية (الإسلامية)، (2) ومحاربة اليمينيين المتعصبين الذين يُرَوِّجون للإسلاموفوبيا. وهي إذ تكرر دعوتها إلى إشعال “ثورات جنسية واجتماعية بموازاة ثورات الربيع العربي السياسية؛ من أجل تحرير المرأة من كل أنواع الاضطهاد”، تضع تعريفها الفريد للثورة باعتبارها: اجتياز كل الخوط الحمراء. صحيحٌ أن بقية المساهمات قد لا تحمل ذات اللغة القاسية التي استخدمتها الطحاوي @monaeltahawy للتعبير عن آرائها، لكنها جميعًا تخرج من مشكاة واحدة تقريبًا. بدءًا من كوكو خان @cocobyname التي كتبت عن الاحتشام، وصوفيا أحمد @sufiyaahmed التي تحدثت عن النسوية، قبل أن تتهادى حبَّات العقد على الدرب ذاته: نفيسة بكار @Nafisa_Bakkar، عافية أحمد @EduAfs_، ياسمين عبدالمجيد @yassmin_a، جميلة حكمون @JamillaTweets، مريم خان @helloiammariam، أفشان دسوزا-لودي @afshandl، سلمى حيدراني @its_me_salma، آمنة سليم @_amnasaleem_، سايما مير @SaimaMir، سلمى الورداني @writtenbysalma، عينا خان @ainakhanlondon، رفيدا رفيق @RaifaRafiq، ماليا بواتيا @MaliaBouattia، نادين عايشة جاسات @nadineaishaj. 3 يستهل الكتاب بقائمة تعريفاتٍ قصيرةٍ توضح معاني بعض الكلمات الشائعة في الأوساط المسلمة لكنها قد تكون غريبة على أسماع القارئ الغربي أو مُشَوَّهة المعنى. هذا المسرد في حد ذاته يسلط الضوء على نوعية الصعوبات التي تضطر هؤلاء النسوة إلى التعامل معها في حياتهن اليومية. ما محل قطع الملابس التالية من الإعراب في عالم الأزياء: عباية، برقع، جلباب، نقاب؟ وما هي دلالة كلماتٍ لم تعتدها الآذان الغربية مثل: الحمد لله، ما شاء الله؟ وماذا تعني ألفاظ متداولة في الأوساط الإسلامية مثل: دعاء، عيد، فرائض، حديث، حلال، إمام، إن شاء الله، مسجد، نفس، قاضي، رمضان، شريعة، سنة، سورة، أُمّة، زكاة؟ حتى “الحلاوة”، ليست المأكولة بل التي تستخدمها النساء لإزالة الشعر من أجسادهن، كان لها من التعريف نصيب. أصل المشكلة أن الجميع طيلة الوقت يسمع عن المرأة المسلمة دون أن يسمع منها. أو كما تقول مريم: “أدركتُ أنني دائمًا أسمع أشياء “حول” النساء المسلمات. أشياء “حول” من نحن، وما يفترض أن نكون، وكيف يفترض أن نتصرف”. هذا ما يقولونه عنا، لكنه لا يعبر عن حقيقتنا”. في الواقع هذه مشكلة العالم الرئيسية اليوم، وليس النساء المسلمات فقط. إنها أزمة الإعلام السائد في عصر الهرولة خلف الضجيج. وأزمة السياسيين الشعبويين المستعدين لامتطاء صهوة الشيطان نفسه إذا كان سيرتقي بهم إلى المنصب. وهي في محورها مشكلة الأقليات- ليس المسلمة فقط بل كل الأقليات في كل مكان- في مجتمعاتٍ تُغّذَّى بالأكاذيب كما يُغذّى الأطفال بالحليب، وتُسقى من أنهار الخوف حتى الثمالة. الجميع يسمع عن الجميع من الجميع، ولا أحد يسمع من الأشخاص محل النقاش بألسنتهم. نسمع عن الآخرين طيلة الوقت، لكن لا نمنح لأنفسنا فرصة السماع منهم. والنتيجة: شجار طرشان. متى كانت آخر مرة أنصتَّ فيها إلى امرأة مسلمة كفاحًا بدون واسطة ولا مُرَشِّح؟ أو نظرتَ إليها دون أن ترتدي النظارة البيضاء (نسبة إلى ذكورية الرجل الأبيض)؟ أو استمعتَ إلى كلماتها عن نفسها بلسانها؟ أو تعرفت عليها خارج أسوار الحصار الذي يضربه حولها الإعلام والحكومات؟ هذا هو السؤال الكاشف الذي تطرحه مريم منذ اللحظة الأولى على القراء. “لطالما استمعنا إلى العديد من الأشخاص يتحدثون عن هوية المرأة المسلمة دون أن يستمعن فِعْلِيًا إلى إحداهن. لذلك، ها نحن نتحدث الآن بأنفسنا. والآن، حان دوركَ أنت لتستمع إلينا.” 4 “إذا كان للمرأة المسلمة أن ترتقي السلم المجتمعيّ وتُعامَل باحترام؛ فمن الضروري أن نتحدى السرد الذي بُنِي حولنا. إنه أمرٌ بالغ الوضوح، أليس كذلك؟ ينبغي أن نسرد قصتنا بأنفسنا ونرسم هويتنا بأيدينا. ينبغي أن تكون ألسنتنا وأقلامنا هي التي تتحدث عنا”. بعد هذا كله، لا تدَّعي مريم- وأحسنت إذ فعلت- أن كتابها يمثل تجربة كل النساء المسلمات، أو يغطي كل القضايا التي تواجه المرأة المسلمة؛ ببساطة لأنه يستحيل إصدار كتابٍ من هذا النوع. كل ما تأمله هؤلاء النسوة أن تكون مقالاتهن المجتمعة بين دفتي كتابٍ مجرد “بداية وخطوة”، لتعيد المرأة المسلمة رسم ملامح هويتها وتستعيد زمام المبادرة للحديث عن نفسها. عند هذا الحد، قد يتوقف البعض أمام كون الغالبية الساحقة من هؤلاء النساء اللواتي يتحدثن عن المرأة “المسلمة” في كتابٍ يحمل عنوان “البرقع” لسن محجبات، ولولا الثلاثيّ مريم ورفيدة وياسمين لخلت قائمة الـ17 امرأة من أي غطاءٍ للرأس كلية. وكأن محررة الكتاب كانت تتوقع هذا السؤال، حين أوضحت أن تصدير الغلاف بكلمة “برقع” لم يكن سوى إجراء اضطراريّ “مثير للإحباط”؛ إذ أنها لم تستطِع حتى في هذا السياق التحرُّرِيّ الانعتاق من ربقة سردٍ لم تشارك المرأة المسلمة في تكوينه بشطر كلمة. لكنها تقول متأسفةً بلسان المعتذر: كيف السبيل، وقد أصبح البرقع “كلمة مُسَيَّسَة، ومرادفًا لهوية المرأة المسلمة. مجرد عنصر آخر من عناصر السردية المكتوبة عنا بأقلام غيرنا”. باقتحام هذا الغمار، تأمل مريم وأخواتها “تفكيك هذه السردية” المُتَوَهَّمَة “من الداخل”، وتأكيد حقيقة أن المرأة المسلمة لا يمكن اختزالها في برقع أو حجاب، وأن بإمكانها تجاوز الآفاق التي سمح المجتمع بسجنها داخل أسوارها حتى اليوم. برغم كل المآخذ التي قد يسجلها القارئ على القيم التي تنبع منها هذه الرؤى النسائية من منظور شعريّ، إلا أنها تجربة ثرية من المنظور الإنسانيّ، جديرة بإثارة طموحات المُهَمَّشين حول العالم ليرفعوا هتاف: حان الوقت لكي ينصت العالم الأصمّ إلينا. بهذه الروح، تؤكد مريم على أن “كل مقالٍ في هذه السلسلة هو قطعة غير مكتملة؛ لأنه مجرد بداية لحوارٍ في غاية الأهمية”. وكأنها ترد على بعض الانتقادات الموجهة لبعض المقالات بأنها كانت ناقصة، أو انتهت حيث كان ينبغي أن تبدأ. نحن لا نحكي القصة الكاملة، بل نبدأ مسيرةً ونخطو خطوةً على درب طويل. 5 قد توافق على وصف هذه المقالات بأنها “مضحكة ودافئة أحيانًا، وتارة أخرى حزينة، لكنها في الغالب الأعم غاضبة، وكل قطعةٍ منها كما لو كانت إعلانًا مفعمًا بالعاطفة يدعو لوقف الظلم ووضع حد للقوالب النمطية الكسولة وكراهية النساء والخوف من الإسلام”. هذا صحيح نسبيًا، لكن إذا أردنا وصف المشاعر المحتشدة بين دفتي الكتاب في جملةٍ واحدة لما وجدنا أدق من وصف: “الغضب الدفاعيّ”. هؤلاء نسوة غاضبات، يحاولن اجتياز الأسوار، وتخطي الحدود، وكسر القيود، وربما التمرُّد على الثوابت التي يعتقدن أنها تكبلهن وتعوق انطلاقتهن صوب آفاق الحرية. قد تضحك بصوتٍ مرتفع- مثلما فعل عاصم قريشي– حين تقرأ وصف كوكو خان لـ”العمة بشرى”، قائلا: بعد كل شيء، أليست “العمة بشرى موجودة في حياتنا جميعًا في مكان ما؟ وقد تروق لك مساهمة مريم خان أكثر من غيرها مثلما راقت لكثيرين. لكن إذا ذهب القارئ لتقييم تجارب هؤلاء النساء من منظور ديني، وفرَّغ المنتج النهائي من سياقاته الإنسانية المتنوعة؛ قد يجد صعوبة في إيجاد رابط بينها وبين التعاليم الدينية، لكن الفائدة الأكبر التي قد يخرج بها المرء بعد قراءة مثل هذا الكتاب هي التعرَّف على رحلات محفوفة بالصعوبات خاضتها هؤلاء النسوة، وكيف تجاوبن مع هذه المحطات المختلفة في حياتهن، وفَهْم كيف وصلت كلٌ منهن إلى حيث ألقت مرساتها الآن، ليس فقط على المستوى الإيماني ولكن أيضًا على المستوى النفسي/الإنساني. بهذه الروح قد يخرج القارئ المتأني أكثر حكمة وتفهُّمًا دون أن يعني ذلك بالضرورة الموافقة على ما ورد في الكتاب.