أول انتخابات إسرائيلية بعد 7 أكتوبر.. هل تنهي عصر نتنياهو أم تمنحه فرصة جديدة؟

يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع يوم 27 أكتوبر 2026، في أول انتخابات عامة منذ هجوم 7 أكتوبر والحروب التي أعقبته. استطلاعات الرأي تضع غادي آيزنكوت وحزبه في الصدارة وتُبقي معسكر بنيامين نتنياهو دون الأغلبية، لكن النظام الانتخابي الإسرائيلي يجعل الفوز بعدد أكبر من المقاعد أقل أهمية من القدرة على تجميع 61 صوتًا بعد الانتخابات. وبينهما يقف الفلسطينيون من مواطني إسرائيل أمام مفارقة لافتة: قد تكون أصواتهم الأكثر قدرة على منع نتنياهو من الحكم، بينما يرفض معظم خصومه الصهاينة الاعتماد عليها لإيجاد بديل. لذلك لا تختبر هذه الانتخابات مصير نتنياهو وحده، بل تسأل أيضًا: إذا رحل، ماذا سيتغير فعلًا في غزة والضفة الغربية والقدس والدول العربية؟

 

يمكن أن يخسر بنيامين نتنياهو الانتخابات حسابيًا ولا يخسر رئاسة الحكومة سياسيًا. ويمكن أن يفقد رئاسة الحكومة دون أن ينتهي نتنياهو بوصفه قوة سياسية. ويمكن، في المقابل، أن يفوز خصومه في معركة إسقاطه من السلطة من دون أن يعني ذلك توجه إسرائيل إلى تسوية مع الفلسطينيين، أو حتى إلى تغيير جوهري في العقيدة الأمنية التي حكمت سياساتها خلال السنوات الأخيرة.

هذه المفارقات الثلاث هي المفتاح لفهم انتخابات 27 أكتوبر.

فإسرائيل لا تنتخب رئيس الحكومة مباشرة. بل يختار الناخبون قوائم حزبية لبرلمان مكون من 120 مقعدًا، ثم تبدأ معركة أخرى بعد ظهور النتائج: من يستطيع جمع عدد كافٍ من الأحزاب للحصول على ثقة الكنيست؟

يوضح عوفر كينيغ، الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في شرحه المعنون «كل ما تحتاج إلى معرفته عن تشكيل الحكومة بعد الانتخابات» أن الرئيس الإسرائيلي غير مُلزَم قانونًا بتكليف زعيم الحزب الأكبر، بل يكلف عضو الكنيست الذي يقدّر أن لديه أفضل فرصة لتشكيل حكومة. وقد حدث بالفعل في 2009 أن جاء حزب كاديما أولًا، لكن نتنياهو، زعيم الحزب الثاني، هو من كُلّف وشكّل الحكومة.

ولهذا فإن السؤال قبل سبعة أسابيع تقريبًا من الاقتراع، ليس: هل يتقدم آيزنكوت على نتنياهو؟ بل: من يملك طريقًا إلى الحكومة؟

نتنياهو متأخر.. لكنه ليس خارج اللعبة

حددت السلطات الإسرائيلية رسميًا يوم الثلاثاء 27 أكتوبر موعدًا لإجراء اانتخابات الكنيست السادسة والعشرين، وهي أول انتخابات عامة منذ 7 أكتوبر 2023.

تقول مايان لوبيل في تقرير رويترز «كيف تجري الانتخابات الإسرائيلية ومن أبرز المتنافسين؟» إن استطلاعات متتالية تشير إلى تراجع نتنياهو، بعد أن أضر هجوم 7 أكتوبر بصورته كرجل الأمن، بينما لم تمهد المعارضة حتى الآن طريقًا واضحًا إلى السلطة رغم تقدمها إجمالا.

وفي استطلاع رأي حديث أجرته القناة 13 الإسرائيلية، ونشرت نتائجه في 2 سبتمبر بعنوان «تعادل دراماتيكي في خريطة المعسكرات: آيزنكوت يتراجع ونتنياهو يتقدم»، حصل حزب يشار بقيادة غادي آيزنكوت على 22 مقعدًا مقابل 21 لليكود. لكن الأهم أن المعسكر المؤيد لنتنياهو والمعسكر الصهيوني المناهض له تعادلا عند 53 مقعدًا لكل منهما، فيما حصلت الأحزاب العربية على 14 مقعدًا، حسب الاستطلاع الذي أعده يوفال سيغيف وليئور كينان وميخائيل شيمش ورافيف دروكر.

وبعد يومين، أعطى استطلاع «معاريف» الذي أجراه معهد لازار صورة أفضل للمعارضة، لكنها لم تحل المعضلة: 23 مقعدًا ليشار، و20 لليكود، و57 للمعسكر الصهيوني المناهض لنتنياهو، و51 لمعسكر نتنياهو، و12 للقوائم العربية. كما تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة بنسبة 48% إلى 39%، وفق عرض الجزيرة للنتائج تحت عنوان «استطلاع إسرائيلي: آيزنكوت وبينيت يتقدمان ونتنياهو في مأزق».

هذه الأرقام لا تعني أن آيزنكوت أصبح رئيس الحكومة المنتظر. فبين 51 و53 مقعدًا، يبدو معسكر نتنياهو الآن بعيدًا عن الأغلبية، لكنه يملك شيئًا يفتقر إليه خصومه: مرشحًا واحدًا متفقًا عليه لرئاسة الحكومة، وحدودًا أكثر وضوحًا لمعسكره.

أما المعارضة، فهي تتقدم عليه بمجموع المقاعد، لكنها تضم قوى شتى، من يائير غولان إلى أفيغدور ليبرمان، مرورًا بآيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لبيد، ولا تتفق جميعها على من يقودها، ولا على علاقتها بالأحزاب العربية، ولا على كل ما سيأتي بعد إسقاط نتنياهو.

وهذه ليست فجوة صغيرة. إنها قد تكون الفارق بين الفوز في الاستطلاع والفوز بالحكومة.

معركة نتنياهو الأولى ليست ضد آيزنكوت.. بل ضد نسبة الحسم

ربما يكون أغرب ما في الحملة الحالية أن أكبر تهديد فوري لنتنياهو لا يأتي من الحزب المتصدر في الاستطلاعات، وإنما من أصوات اليمين التي قد تضيع داخل معسكره نفسه.

يشترط النظام النسبي الإسرائيلي حصول القائمة على 3.25% من الأصوات الصحيحة لدخول الكنيست. وكل حزب من اليمين المؤيد لنتنياهو يسقط تحت هذه العتبة يمكن أن يحرم المعسكر من عشرات الآلاف من الأصوات ومن عدة مقاعد حاسمة.

توضح أسوشيتد برس في تقرير «مشكلة نتنياهو الكبرى في إعادة انتخابه ليست خصومه بل بعض أبرز مؤيديه» أن هذا الاحتمال هو أحد أكثر ما يقلق نتنياهو، ولذلك يضغط بشدة لتوحيد القوائم الصغيرة قبل إغلاق باب تقديم القوائم في 8 سبتمبر.

يتغير المشهد حتى أثناء كتابة التقرير؛ فبحسب أوفير يوناتان في تقرير نشرته يديعوت أحرونوت يوم 5 سبتمبر بعنوان «الاتحاد أم الانسحاب أم الاستمرار؟ قطع الأحجية الانتخابية تقترب من الاكتمال»، اتحد بتسلئيل سموتريتش مع موشيه فيغلين، بينما ظل نتنياهو متمسكًا باتحاد أوسع، واستمر عوفر فينتر في السباق، وانضم يوآف سيغالوفيتش إلى قائمة منصور عباس، بينما بقيت قرارات أخرى معلقة قبل الموعد النهائي مساء الثلاثاء.

وتوضح موران أزولاي جانبًا آخر من الحسابات في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للصحيفة نفسها تحت عنوان «عوفر فينتر: سنوصي بنتنياهو فقط.. والأخير يدعو سموتريتش وبن غفير إلى الاتحاد»: أعلن فينتر أنه، إذا تجاوز حزبه نسبة الحسم، فسيوصي بنتنياهو وحده لرئاسة الحكومة. لذلك فإن المقاعد الأربعة التي تمنحه إياها بعض الاستطلاعات ليست مجرد أربعة مقاعد إضافية على اليمين؛ إنها قد تكون أربعة أصوات مباشرة في محاولة نتنياهو الوصول إلى 61.

لهذا يضغط نتنياهو على قوى اليمين، رغم أنه في الوقت نفسه يخشى أن تكبر إحداها أكثر مما ينبغي على حساب الليكود.

رصدت فاينانشيال تايمز هذه المعركة في تقريرها «نتنياهو يضغط لتوحيد أصوات اليمين المتطرف قبل الانتخابات»، مشيرة إلى مقاومة إيتمار بن غفير صيغة اندماج أوسع، وإلى أن سموتريتش تحالف مع حزب «زهوت» بزعامة فيغلين، بينما يستمر فينتر مستقلًا. أي إن نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى أن يستعيد الليكود مكانته القديمة بقدر ما يحتاج إلى ألا يضيع شيء من أصوات الكتلة التي يمكن أن تعيده إلى الحكم.

وهنا تظهر إحدى مهارات نتنياهو التاريخية: إدارة حسابات المقاعد، لا مجرد كسب الشعبية.

آيزنكوت قد يفوز بالمركز الأول.. ويبقى بلا حكومة

في الأنظمة التي ينتخب فيها رئيس الدولة أو الحكومة مباشرة، قد تبدو المقارنة بين 23 مقعدًا لآيزنكوت و20 لنتنياهو كافية لصياغة قصة «انتقال السلطة».. لكن إسرائيل ليست كذلك.

يشرح كينيغ في تقرير «كل ما تحتاج إلى معرفته عن تشكيل الحكومة بعد الانتخابات» أن المكلف الأول يحصل على 28 يومًا لتشكيل الحكومة ويمكن منحه 14 يومًا إضافية. فإذا أخفق، يستطيع الرئيس تكليف مرشح ثانٍ لمدة 28 يومًا، وإذا أخفق هو الآخر، يمكن لـ61 نائبًا اقتراح مرشح ثالث. وإذا فشل الجميع، تعود البلاد إلى الانتخابات.

ومن الناحية القانونية يمكن أيضًا إنشاء حكومة أقلية تحظى بأغلبية نسبية في تصويت الثقة، وإن كان تشكيل الحكومات بأغلبية 61 أو أكثر هو القاعدة العملية التاريخية. أي أن الحزب الأكبر ليس الجائزة النهائية.

وهذا بالضبط ما يجعل الرفض المتكرر داخل المعارضة للاعتماد على الأحزاب العربية ذا أثر قد يتجاوز الخلاف الأيديولوجي إلى تمهيد الطريق أمام نتنياهو للبقاء.

يوسي ميكلبرغ، الباحث في تشاتام هاوس، لخص المعضلة في تحليله «انتخابات إسرائيل العامة لن تشبه أي انتخابات سابقة»: تتقدم المعارضة على أحزاب الائتلاف في الاستطلاعات، لكن معظم الأحزاب الصهيونية ترفض بناء الحكومة على دعم الأحزاب العربية، ما قد يحرمها من الوصول إلى عتبة 61 مقعدًا، ويفتح احتمال الدخول في جولة أخرى من الشلل السياسي أو الانتخابات.

وهكذا يمكن أن يواجه الناخب الإسرائيلي في ليلة 27 أكتوبر نتيجة تبدو واضحة على شاشة الأرقام، ثم يكتشف بعد أسابيع أنها لم تحسم شيئًا.

الصوت الفلسطيني داخل إسرائيل: قد يمنع نتنياهو ولا يصنع البديل

هذه هي المفارقة الأكثر أهمية للقارئ العربي والفلسطيني.

في ورقة نشرها مركز الجزيرة للدراسات بعنوان «الفلسطينيون في إسرائيل وانتخابات الكنيست الـ26»، يقدر مهند مصطفى عدد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل بنحو 1.65 مليون، ويشير إلى أن قوتهم الانتخابية الكامنة تقارب 16% من مجموع القوة الانتخابية.

الأهم في تحليل مهند ليس الرقم النظري، بل أثر المشاركة: ارتفاع التصويت العربي إلى أكثر من 60% يمكن أن يجعل وصول معسكر نتنياهو الحالي إلى 61 مقعدًا بالغ الصعوبة، لكنه في الوقت نفسه قد يمنع المعارضة الصهيونية من امتلاك 61 مقعدًا بلا دعم عربي.

ولهذا السيناريو سابقة؛ فعندما توحدت الأحزاب العربية في انتخابات 2015 حصلت على 13 مقعدًا، وفي انتخابات مارس 2020 وصلت القائمة المشتركة إلى 15 مقعدًا، وهو أعلى تمثيل لها. أما التشتت في انتخابات أخرى فقلل التمثيل، بل أدى في 2022 إلى ضياع أصوات «التجمع» بعد عدم تجاوزه نسبة الحسم.

ولهذا أعادت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والعربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي توحيد صفوفها في قائمة واحدة هذه المرة. وأعلنت القائمة أن يوسف جبارين سيتصدرها، يليه أحمد الطيبي ثم سامي أبو شحادة، وفق تقرير «الجبهة والعربية للتغيير والتجمع تتفق على خوض الانتخابات بقائمة مشتركة» المنشور على تايمز أوف إسرائيل.

لكن القائمة العربية الموحدة «راعَم» بقيادة منصور عباس تسلك طريقًا مختلفًا: تريد أن تكون طرفًا قادرًا على دخول ائتلاف حكومي جديد، مستندة إلى تجربة 2021 حين كانت مشاركتها هي التي جعلت حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد ممكنة وأنهت حكم نتنياهو مؤقتًا.

المشكلة أن ما يعرضه عباس لا يجد حتى الآن قبولًا مماثلًا لدى أبرز قادة المعارضة الصهيونية.

حين قال عباس في أغسطس إن قيام دولة فلسطينية أصبح «واقعًا» دوليًا وإن المواطنين العرب يمكن أن يكونوا جسرًا للسلام، لم يهاجمه نتنياهو وبن غفير وحدهما؛ رد آيزنكوت أيضًا بأن حكومته لن تُنشئ دولة فلسطينية، وفق تغطية «منصور عباس يقول إن الدولة الفلسطينية واقع.. والأحزاب الصهيونية تهاجمه».

وهنا تكمن العقدة:

قد يكون الصوت الفلسطيني لازمًا حسابيًا لإسقاط نتنياهو، لكنه ما زال غير مقبول سياسيًا لدى قطاعات واسعة من القوى المرشحة لاستبداله.

والنتيجة أن الفلسطينيين في إسرائيل قد يمتلكون «قوة منع» أكبر من «قوة صناعة» الحكومة.

إذا رحل نتنياهو.. هل يعود «معسكر السلام»؟

هذه هي النقطة التي يصبح فيها النظر إلى الانتخابات من زاوية عربية وفلسطينية مختلفًا جذريًا عن اختزالها في السؤال الإسرائيلي الداخلي: «مع بيبي أم ضده؟».

إسقاط نتنياهو قد يكون حدثًا سياسيًا كبيرًا جدًا. لكن إسقاط نتنياهو ليس مرادفًا لإسقاط السياسات التي تهم الفلسطينيين والدول العربية.

غادي آيزنكوت، الذي يتصدر معظم الاستطلاعات الحالية، رئيس أركان سابق وليس زعيمًا لمعسكر سلام. وفي 27 أغسطس قال إن الاعتقاد بإمكان حل الدولتين بعد 7 أكتوبر غير واقعي، فيما عارض خطة الاستيطان في منطقة E1 وانتقد تصاعد عنف المستوطنين وفقدان السيطرة في الضفة الغربية. وقد عرضت «تايمز أوف إسرائيل» موقفه في تقرير عنوان «آيزنكوت يرفض حل الدولتين بعد 7 أكتوبر لكنه يعارض المخطط الاستيطاني إي 1» (مشروع استيطاني إسرائيلي على مساحة 12 كيلومترا مربعا لربط مستوطنة معاليه أدوميم بمدينة القدس وتقسيم الضفة الغربية).

والفارق مهم. ثمة فارق حقيقي بين حكومة يشغل فيها سموتريتش وبن غفير مواقع تتيح لهما التأثير المباشر في الاستيطان والشرطة والضفة الغربية، وبين حكومة يقودها آيزنكوت أو ائتلاف أكثر براغماتية. وقد ينعكس الفارق على عنف المستوطنين، والعلاقة مع الأردن ومصر، وسلوك الشرطة، وإدارة الصراع، واحترام مؤسسات الدولة، ودرجة الاحتكاك مع السلطة الفلسطينية.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة التحول من إدارة الصراع بالقوة إلى حل سياسي للصراع.

وهذا ما لاحظه لوي إمبير في تقرير نشرته «لوموند» بعنوان «مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، النقاش العام والحملات تتجنب الحديث عن إنهاء الحرب». فالحملة، كما يصفها لوي، لا تقدم حتى الآن مشروعًا جديًا لوضع نهاية للحرب المستمرة، فيما يتجنب المنافسون الظهور في ثوب الأقل تشددًا من نتنياهو عندما يتعلق الأمر بالأمن. وبحسب التقرير، لا يتوقع محللون أمنيون إسرائيليون تحولًا جذريًا في العقيدة العسكرية حتى إذا تغير رئيس الحكومة.

أما يوسي ميكلبرغ في تشاتام هاوس فيرى أن المعارضة، رغم نقدها لأداء نتنياهو، ما زالت عاجزة عن تقديم بديل سياسي واضح في القضية الفلسطينية، فالكثير من أحزابها تختلف معه في الكفاءة والأسلوب أكثر مما تختلف في التوجه الاستراتيجي.

تظهر هذه الفكرة نفسها، بزاوية عربية، في دراسة الباحثين أوفير فينتر ويهودا ديسكين التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي «أطياف متنوعة من اليمين: رؤى مصرية وأردنية للانتخابات الإسرائيلية». وبحسب تحليلهما للخطاب المصري والأردني، ثمة أمل واضح في زوال الحكومة الحالية، يقابله تشاؤم بشأن حدوث تغير جوهري في القضية الفلسطينية؛ فالاختيار المطروح بين يمين ديني توسعي ويمينية أمنية أكثر براغماتية، لا بين يمين ومعسكر سلام.

وصاغ الكاتب المصري أسامة سرايا الفكرة بصياغة مباشرة في مقاله بالأهرام «نتنياهو وآيزنكوت.. ونهاية التاريخ»، حين تناول صعود آيزنكوت بوصفه تحديًا لشخص نتنياهو أكثر من كونه دليلًا على تحول جذري في بنية السياسة الإسرائيلية. وهذا الطرح وإن كان رأي للكاتب، فإنه يعكس جانبًا مهمًا من طريقة قراءة الانتخابات من مصر.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، إذن، السؤال ليس فقط من يخسر في 27 أكتوبر، بل ماذا يحمل الفائز للضفة وغزة والقدس.

غزة تدخل الحملة من باب أخطر من «إنهاء الحرب»

ثمة مفارقة أخرى.

بينما تغيب الرؤية السياسية لإنهاء الصراع عن البرامج الإسرائيلية الرئيسة، عادت غزة بقوة إلى الحملة في صورة مقترحات لنقل سكانها.

ففي 4 سبتمبر، قبل الانتخابات بأقل من شهرين، وثق رامي أيوب في تقرير رويترز «شركاء نتنياهو يجددون الدعوة إلى إخراج سكان غزة مع اقتراب الانتخابات» طرح إيتمار بن غفير خطة تمتد سبع سنوات لما سماه «الهجرة الطوعية» من غزة، واقتراح إنشاء وزارة مختصة بها في الحكومة المقبلة.

كما نقل التقرير تصريحات أخرى لشركاء نتنياهو تعيد فكرة إخراج الفلسطينيين إلى واجهة المنافسة اليمينية. وذكرت رويترز أن نتنياهو يؤيد ما يصفه بالهجرة الطوعية، مع تمييز موقفه عن دعوات إعادة الاستيطان اليهودي في القطاع.

ومن زاوية عربية وفلسطينية، لا يمكن التعامل مع ذلك باعتباره مجرد «خطاب انتخابي»؛ لأن المنافسة داخل اليمين على الأصوات قد تجعل المزايدة على التهجير والضم والاستيطان أداة انتخابية، ثم تتحول الوعود بعد الانتخابات إلى ثمن يدفعه الشركاء مقابل دخول الائتلاف.

وهنا يصبح تفتت معسكر نتنياهو ذا وجهين: قد يضعف فرصته في الفوز، لكنه يمكن أيضًا أن يدفعه إلى تقديم تنازلات سياسية أكبر للأحزاب الواقعة إلى يمينه إذا احتاجها لتأمين المقعد الحادي والستين.

فالسؤال بشأن بن غفير وسموتريتش ليس فقط كم مقعدًا يفوزان به، بل كم تصبح قيمة المقعد الواحد منهما إذا كان هو الطريق الوحيد أمام نتنياهو إلى الحكم؟

معركة 7 أكتوبر: مسؤولية سياسية لم تُحسم

من الخطأ أيضًا تصور الانتخابات على أنها استفتاء على غزة والضفة فقط. فبالنسبة إلى الجمهور الإسرائيلي، هناك ملفات داخلية قد تكون أشد قدرة على تحريك الأصوات.

حدد الباحثان تمار هيرمان وليئور يوهاناني في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أربعة محاور رئيسة: المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر والتحقيق فيه، ومستقبل المؤسسات الديمقراطية والصراع على القضاء والدولة، وشرعية مشاركة الأحزاب العربية في الحكم، وأزمة تجنيد اليهود الحريديم والعلاقة بين الدين والدولة.

ولفتت دراسة «ما الذي يشغل بال الناخب الإسرائيلي وهو يتجه إلى صناديق الاقتراع؟» إلى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي كان لعقود خط الفصل التقليدي بين اليمين واليسار، فقد كثيرًا من تأثيره كخلاف انتخابي داخلي مركزي يزيد هذه الانقسامات.

بالنسبة إلى نتنياهو، العقدة الأولى مباشرة وشخصية:

يريد خصومه أن تصبح الانتخابات محاكمة سياسية لمن كان رئيسًا للحكومة يوم 7 أكتوبر، خصوصًا مع رفضه إنشاء لجنة تحقيق رسمية ذات صلاحيات كاملة بالطريقة التي تطالب بها المعارضة وأسر عديدة.

أما معسكره فيحاول تفريق دماء المسؤولية بين أجهزة الأمن والجيش والمؤسسات، مع تقديم الحروب اللاحقة بوصفها دليلًا على قدرته على استعادة الردع.

لكن ثمة مشكلة في تحويل الحرب نفسها إلى طوق نجاة انتخابي: الإنجاز العسكري لا يتحول بالضرورة إلى ثقة سياسية في نتنياهو.

ففي استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية المنشور في يونيو، قال 61% من الإسرائيليين إن نتنياهو لا ينبغي أن يخوض الانتخابات المقبلة، مقابل 35% قالوا إنه ينبغي أن يترشح، حسبما استعرضه تمار هيرمان وليئور يوهاناني ويارون كابلان بعنوان «61% من الإسرائيليين لا يريدون ترشح نتنياهو للانتخابات المقبلة».

وفي «نتائج استطلاع الأمن القومي: يونيو 2026» الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بلغت نسبة أصحاب الثقة المرتفعة بنتنياهو 31% فقط مقابل 67% قالوا إن ثقتهم فيه منخفضة، وهي نسبة ظلت على المستوى نفسه تقريبًا في يوليو.

صحيح أنها مجرد بيانات عن الثقة لا توقعًا مباشرًا لنتائج الانتخابات، لكنها تكشف الفارق بين قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بقاعدة شديدة الولاء وقدرته على استعادة ثقة أغلبية الجمهور. يمكن مراجعة النتائج في.

الحريديم: الخلاف الذي كاد يفعل ما لم تفعله الحروب

من المفارقات أن الأزمة التي دفعت الكنيست فعليًا نحو إجراءات الحل في الربيع لم تكن غزة ولا إيران ولا محاكمة نتنياهو، بل تجنيد الحريديم.

في مايو، بدأ الكنيست إجراءات كان يمكن أن تؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة بعد خلاف بين نتنياهو وشركائه الحريديم على قانون يعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وفق تقرير رويترز المعنون «الكنيست يتحرك نحو انتخابات مبكرة مع تصاعد أزمة تجنيد الحريديم». لكن الانتخابات انتهت إلى الانعقاد في موعدها القانوني الأصلي في 27 أكتوبر، لتصبح هذه أول دورة كنيست منذ 1988 تكمل مدتها القانونية، بحسب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.

وقد جعلت الحرب المسألة أشد حساسية؛ فمئات الآلاف من الإسرائيليين خدموا في الاحتياط فترات طويلة، بينما بقيت قطاعات واسعة من الحريديم خارج التجنيد. وتوضح دراسة المعهد الإسرائيلي للديمقراطية المعنونة «ما الذي يحرك الناخب الحريدي؟» أن الغضب يضطرم هذه المرة داخل المجتمع الحريدي نفسه بسبب إخفاق ممثليه السياسيين في تأمين الوضع القانوني الذي أرادوه لطلاب المدارس الدينية، مع تراجع نسبي في سلطة القيادات الحزبية والدينية التقليدية.

وهذا يخلق معضلة لنتنياهو؛ فهو يحتاج الأحزاب الحريدية للوصول إلى الأغلبية، لكن التنازل لها في التجنيد قد يكلفه أصواتًا من اليمين العلماني ومن جنود الاحتياط وعائلاتهم.

ويخلق معضلة مماثلة لآيزنكوت؛ فإذا رفض الأحزاب العربية واختار الحريديم بدلًا منها، سيجد نفسه بعد الانتخابات يتفاوض مع القوى نفسها كان ملف التجنيد أحد أسباب انهيار العلاقة معها داخل الائتلاف الحالي.

بعبارة أخرى: قد يسقط الناخب نتنياهو اعتراضًا على ابتزاز شركائه، ثم تعيد حسابات الائتلاف هؤلاء الشركاء إلى مركز السلطة مع خصومه.

الليكود أصبح يمثل نتنياهو أكثر مما يمثل الحزب

من هنا نصل إلى السؤال الرئيس الذي يطرحه التقرير: ما مصير نتنياهو نفسه؟

من السهل افتراض أن خسارة رئاسة الحكومة تعني نهاية السياسي البالغ من العمر 76 عامًا بعد أطول مسيرة لرئيس حكومة في تاريخ إسرائيل.

لكن التاريخ القريب يحذر من هذا الاستنتاج؛ ففي 2021 نجحت ثمانية أحزاب شديدة الاختلاف في إخراجه من الحكم. بقي نتنياهو زعيمًا للمعارضة، ولم ينتزع منه أحد قيادة الليكود، ثم عاد بعد نحو عام ونصف إلى رئاسة الحكومة. ومنذ ذلك الحين ازداد ارتباط الحزب بشخصه.

يقدم عوفر كينيغ وغيدعون رهط أساسًا بحثيًا لهذه الظاهرة في دراستهما الأكاديمية المنشورة في Social Science Quarterly بعنوان «شخصنة الليكود في عهد نتنياهو». يخلص الباحثان، بعد تحليل مؤسسات الحزب وعمليات اختيار القيادة والمرشحين، إلى أن الليكود تحول في عهد نتنياهو من حزب ذي مؤسسات قوية يقوده زعيم مهيمن إلى حزب يدور في فلك الشخص، تراجعت فيه أهمية الإجراءات والمؤسسات الحزبية مقابل سلطة الزعيم.

وهذا ليس مجرد تاريخ ولَّى؛ إذ رصد لوك برونر في تقرير نشرته «لوموند» بعنوان «انتخابات الليكود التمهيدية تكشف استراتيجية نتنياهو للبقاء في السلطة» استمرار قبضته على تشكيل القائمة، خلال الانتخابات الداخلية لليكود في أغسطس، بعدما تمكن من تخصيص عدد من المواقع لمرشحين يختارهم أو يضمن دخولهم، وسط اتجاه أكثر تشددًا داخل الحزب.

ويصل مهند مصطفى إلى استنتاج قريب – من زاوية أخرى – في دراسته «حزب الليكود الحاكم ومحاولات نتنياهو الأخيرة للفوز بالانتخابات»، إذ يقول: لم يشهد الليكود انتخابات تنافسية على قيادته منذ 2019، وتحول نتنياهو خلال سنوات حكمه الطويلة من مجرد رئيس للحزب إلى أهم أوراقه الانتخابية ومركز تماسكه.

لذلك، إذا خسر نتنياهو رئاسة الحكومة ولم يتعرض لضغط داخلي كافٍ للتنحي، فمن الممكن أن يتكرر نموذج 2021: نتنياهو في المعارضة ينتظر انهيار حكومة خصومه.

لكن الزمن هذه المرة يعمل ضده أكثر مما كان في 2021، وهناك عامل آخر لم يُحسم بعد: المحكمة.

الصندوق لا يغلق ملف المحكمة

يخوض نتنياهو الانتخابات وهو متهم جنائي في إسرائيل ومطلوب بموجب مذكرة توقيف أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ وهما مساران مختلفان قانونيًا تمامًا عن الانتخابات.

في الداخل، أنهى نتنياهو في يونيو شهادته الشخصية بعد 98 جلسة امتدت 18 شهرًا، وفق ما أشار إليه جيريمي شارون في تقرير «نتنياهو ينهي شهادته في محاكمة الفساد بعد 98 جلسة خلال 18 شهرًا». وهو متهم بثلاث تهم: الاحتيال وخيانة الأمانة في القضايا 1000 و2000 و4000، إضافة إلى تهمة رشوة في القضية 4000، رغم نفيه ارتكاب أي مخالفة.

لكن القضية لا تسلك طريقًا واحدًا واضحًا نحو الإدانة. ففي 29 يونيو، جددت هيئة القضاة اقتراحها للادعاء بإسقاط تهمة الرشوة، لاعتقادها بصعوبة إثباتها واحتمال إطالة المحاكمة، وفق ما نقله تشارلي سامرز في تقرير «قضاة محاكمة نتنياهو يجددون اقتراح إسقاط تهمة الرشوة». وهذا لا يعني إسقاط بقية التهم، ولا يعني تبرئة نتنياهو؛ بل يتعلق بتهمة محددة داخل إحدى القضايا.

وفي مسار موازٍ، قال الرئيس إسحاق هرتسوغ إنه يريد استنفاد إمكان التوصل إلى تسوية قضائية قبل اتخاذ قرار بشأن طلب العفو الذي قدمه نتنياهو. وتشير رويترز في تقرير «الرئيس الإسرائيلي يريد استنفاد فرص التسوية في قضية نتنياهو قبل البت في العفو» إلى عدم وجود سابقة إسرائيلية واضحة لمنح عفو قبل انتهاء المحاكمة.

وخارج إسرائيل، ما تزال صفحة نتنياهو الرسمية في المحكمة الجنائية الدولية تصفه بأنه طليق ومطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة في 21 نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتعلق بغزة. وهذه اتهامات قضائية لم يصدر فيها حكم بالإدانة، وإن كانت إسرائيل ترفض اختصاص المحكمة.

– يمكن مراجعة الوضع القانوني مباشرة في صفحة المحكمة «قضية بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية».

والفوز في الانتخابات لا يلغي أيًا من هذين المسارين، والخسارة لا تنهيهما، لكن موقعه السياسي يمكن أن يغير قدرته على إدارة تبعاتهما والتفاوض بشأنهما؛ ولذلك فإن مصير نتنياهو بعد أكتوبر سيكون نتيجة تفاعل الصندوق والمحكمة والليكود، لا أحدها منفردًا.

ثلاثة سيناريوهات لمصير نتنياهو

السيناريو الأول: ينجو مرة أخرى.

لا يحتاج الليكود إلى أن يصبح الحزب الأكبر؛ يحتاج نتنياهو إلى أن تصل القوى المستعدة للتوصية به إلى كتلة تستطيع تشكيل الحكومة. وإذا نجح في منع ضياع أصوات أحزاب اليمين الصغيرة، وحافظ على دعم الأحزاب الحريدية، واستفاد من رفض المعارضة للاعتماد على العرب، فإن فارق المقاعد الحالي ليس مستحيل التعويض. وعندها ستكون النتيجة السياسية الأهم أن سنوات ما بعد 7 أكتوبر والحروب والمحاكمة لم تكسر بعد قدرته على تشكيل أغلبية.

السيناريو الثاني: يخسر الحكومة ولا يخسر نتنياهو.

إذا تمكن آيزنكوت أو خصم آخر من تكوين ائتلاف فعلي، ينتقل نتنياهو إلى المعارضة. لكن بقاءه زعيمًا لليكود سيجعل نهاية حكومته مختلفة عن نهاية حياته السياسية، تمامًا كما حدث في 2021. العامل الجديد هو السن والمحاكمة والضغط المحتمل بخصوص ملف الخلافة داخل الحزب؛ ومن ثم قد تبدأ للمرة الأولى معركة «ما بعد نتنياهو» بجدية، من دون ضمان انتهائها سريعًا.

السيناريو الثالث: لا يستطيع أحد تشكيل حكومة.

وهو سيناريو لا يمكن تجاهله في ضوء خريطة المقاعد الحالية. إذا بقي نتنياهو دون 61، وبقي معارضوه الصهاينة دون 61 ورفضوا الاعتماد على العرب، وتعذر جذب الحريديم أو أحد أحزاب اليمين إلى المعسكر الآخر، فقد تدخل إسرائيل جولة مفاوضات طويلة ثم انتخابات جديدة. وفي هذه الفترة يبقى نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال بصلاحيات تنفيذية واسعة، وفق ما يلفت إليه أيضًا تحليل تشاتام هاوس.

ولهذا فإن عبارة «نتنياهو سيخسر الانتخابات» أقل دقة مما تبدو. فقد يخسر أول مرحلة من معركة تستمر أشهرًا.

ماذا تعني الانتخابات لفلسطين والدول العربية؟

من منظور عربي، لا ينبغي أن يكون معيار النجاح في الانتخابات هو خروج نتنياهو بحد ذاته.

خروجه يمكن أن يحقق تغييرات مهمة: إضعاف التحالف الذي منح بن غفير وسموتريتش نفوذًا استثنائيًا، وتخفيض التوتر مع مصر والأردن، وإعادة شيء من الانضباط إلى المؤسسات الإسرائيلية، والحد من بعض اندفاعات الضم والاستيطان، وربما فتح هامش أكبر أمام الدبلوماسية.

لكن الاختبار الأهم هو السياسات:

هل تتوقف مشاريع التهجير من غزة أم يعاد تغليفها؟

هل يتوقف التوسع الاستيطاني الذي يفتت الضفة أم تُدار وتيرته فقط بطريقة أقل استفزازًا؟

هل تعود الدولة الفلسطينية إلى الأفق السياسي، أم يستمر رفضها تحت قيادة أكثر قبولًا دوليًا؟

هل يجري التعامل مع الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل بوصفهم شركاء سياسيين متساوين، أم تبقى أصواتهم مطلوبة لإسقاط نتنياهو ومرفوضة عند تشكيل الحكومة؟

وهل تنتقل السياسة الإسرائيلية من الاعتقاد بأن كل تهديد يمكن إدارته بالقوة العسكرية إلى قبول أن الأمن على المدى الطويل يحتاج إلى تسويات سياسية، أم يكون التغيير مجرد استبدال مدير للحروب بمدير آخر؟

في هذا المعنى، قد يكون وصف الدراسة الإسرائيلية للقراءة المصرية والأردنية — «أطياف متنوعة من اليمين» — أكثر فائدة من التقسيم التقليدي بين «نتنياهو» و«معسكر التغيير».

لا يعني ذلك أن الفروق بلا قيمة؛ فالفارق بين حكومة تضم بن غفير وسموتريتش وحكومة لا تضمها قد يكون كبيرًا جدًا لمن يعيش في الضفة، وللفلسطيني داخل إسرائيل، وللأردن الذي يراقب الضم، ولمصر التي ترفض تهجير سكان غزة.

لكن الأقل سوءًا ليس بالضرورة بديلًا استراتيجيًا. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يراقبها العالم العربي في الأسابيع المقبلة، بدل الانشغال فقط بمن يتقدم بنقطتين في الاستطلاع.

الخلاصة

بعد ثلاثين عامًا من وصوله أول مرة إلى رئاسة الحكومة، يخوض بنيامين نتنياهو ربما أصعب انتخابات في حياته السياسية. فهو لا يدخلها من موقع رئيس الحكومة الذي يتحدى منافسًا واحدًا، بل في مواجهة تراكم استثنائي: 7 أكتوبر، وحرب ممتدة ومتعددة الجبهات، واستقطاب داخلي عميق، وأزمة تجنيد الحريديم، وصراع على مؤسسات الدولة، ومحاكمة فساد لم تنته، ومذكرة توقيف دولية، وخصم عسكري سابق يتقدمه حاليًا في استطلاعات عدة.

ومع ذلك، لم تنتهِ قصته. فالخريطة الحالية لا تمنح خصومه حكومة جاهزة، والقوة العربية التي يمكن أن تحسم المعادلة ما زالت موضع إقصاء من معظمهم، ومعسكر نتنياهو يعرف بدقة أكبر من معسكر المعارضة من يريد أن يضع في مكتب رئيس الحكومة.

ولهذا فإن 27 أكتوبر لن يكون بالضرورة يوم نهاية عصر نتنياهو. قد يكون يوم بدايتها. وقد يكون بداية أشهر أخرى من الصراع على من يستطيع تشكيل حكومة. وقد يكون، مرة أخرى، اليوم الذي يثبت فيه نتنياهو أن قدرته على النجاة لا تقوم على أن يحبه أغلب الإسرائيليين، بل على أن يعجز أغلب من يريدون رحيله عن الاتفاق على البديل.

أما بالنسبة إلى فلسطين والدول العربية، فالسؤال الأهم يبدأ في اليوم التالي:

إذا رحل نتنياهو، فهل ترحل معه السياسة التي جعلت الاحتلال والاستيطان والحرب المفتوحة والرفض السياسي للفلسطينيين جزءًا من الوضع الطبيعي؟

حتى الآن، لا تفصح الحملة الانتخابية عن إجابة مطمئنة.


أبرز المراجع:

رويترز — مايان لوبيل: «كيف تجري الانتخابات الإسرائيلية ومن أبرز المتنافسين؟»، تقرير تفسيري، 29 يوليو 2026.

مركز الجزيرة للدراسات — مهند مصطفى: «الفلسطينيون في إسرائيل وانتخابات الكنيست الـ26»، دراسة، 27 أغسطس 2026؛ و«حزب الليكود الحاكم ومحاولات نتنياهو الأخيرة للفوز بالانتخابات»، دراسة، 13 أغسطس 2026.

تشاتام هاوس — يوسي ميكلبرغ: «انتخابات إسرائيل العامة لن تشبه أي انتخابات سابقة»، تعليق خبير، 22 يوليو 2026.

المعهد الإسرائيلي للديمقراطية — تمار هيرمان وليئور يوهاناني: «ما الذي يشغل بال الناخب الإسرائيلي وهو يتجه إلى صناديق الاقتراع؟»، تحليل، 24 مايو 2026.

المعهد الإسرائيلي للديمقراطية — عوفر كينيغ: «كل ما تحتاج إلى معرفته عن تشكيل الحكومة بعد الانتخابات»، شرح للنظام الانتخابي، 15 أبريل 2026.

معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي — أوفير فينتر ويهودا ديسكين: «درجات مختلفة من اليمين: رؤى مصرية وأردنية للانتخابات الإسرائيلية»، موجز تحليلي، 28 يوليو 2026.

لوموند — لوي إمبير: «مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، النقاش العام والحملات تتجنب الحديث عن إنهاء الحرب»، تقرير، 21 أغسطس 2026، خاص بالمشتركين.

لوموند — لوك برونر: «انتخابات الليكود التمهيدية تكشف استراتيجية نتنياهو للبقاء في السلطة»، تقرير، 18 أغسطس 2026، خاص بالمشتركين.

رويترز — رامي أيوب: «شركاء نتنياهو يجددون الدعوة إلى إخراج سكان غزة مع اقتراب الانتخابات»، تقرير، 4 سبتمبر 2026.

«واي نت» — أوفير يوناتان: «الاتحاد أم الانسحاب أم الاستمرار؟ قطع الأحجية الانتخابية تقترب من الاكتمال»، تقرير، 5 سبتمبر 2026.

«واي نت» — موران أزولاي: «عوفر فينتر: سنوصي بنتنياهو فقط.. والأخير يدعو سموتريتش وبن غفير إلى الاتحاد»، تقرير.

Social Science Quarterly — عوفر كينيغ وغيدعون رهط: «شخصنة الليكود في عهد نتنياهو»، دراسة أكاديمية، 2024.

Basic Books — أنشيل بفيفر: «بيبي: حياة بنيامين نتنياهو وأزمنته المضطربة»، كتاب، 2018. يقدم خلفية تاريخية لفهم مركزية شخص نتنياهو في تطور اليمين الإسرائيلي، لا مصدرًا للوقائع الانتخابية الحالية.