الرئيسة كتب «الشرق الأوسط الأمريكي»: كيف خربت الولايات المتحدة المنطقة؟

«الشرق الأوسط الأمريكي»: كيف خربت الولايات المتحدة المنطقة؟

19 second read
0

عنوان الكتاب: الشرق الأوسط الأمريكي: تخريب المنطقة

المؤلف: مارك لينش

الموضوع:السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج حتى حرب غزة

المجال: العلاقات الدولية, السياسة الأمريكية, دراسات الشرق الأوسط

الطبعة البريطانية: دار Hurst & Company، أكتوبر 2025، 272 صفحة

الرقم الدولي للطبعة البريطانية: 9781805264019

النسخة الإلكترونية: 9781805264781

الطبعة الأمريكية: Oxford University Press، 2025، برقم 9780197827857

ملاحظة ببليوغرافية: يختلف عدد الصفحات باختلاف الطبعة أو الفهرسة؛ إذ تسجل دار Hurst الطبعة البريطانية في 272 صفحة، بينما يسجل موقع Cambridge Core الطبعة الأمريكية الصادرة عن Oxford University Press في 304 صفحات.

عن المؤلف: مارك لينش أستاذ العلوم السياسية ومدير دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن، ومؤسس مدونة Abu Aardvark، ومن أبرز كتبه السابقة The Arab Uprising وThe New Arab Wars. وقد جمع في مسيرته بين البحث الأكاديمي والانخراط في دوائر النقاش وصناعة السياسة الخارجية الأمريكية.

كتاب يبدأ من الغضب ولا يكتفي بالإدانة

يقدم مارك لينش في هذا الكتاب مراجعة قاسية لخمسة وثلاثين عامًا من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تبدأ من لحظة الهيمنة الأحادية التي أعقبت حرب الخليج عام 1991، وتمتد عبر العراق وفلسطين ولبنان وسوريا وليبيا واليمن وإيران، وصولًا إلى الدمار الذي لحق بقطاع غزة.

ولا ينظر لينش إلى الكوارث المتعاقبة بوصفها سلسلة من الأخطاء المنفصلة أو القرارات السيئة التي اتخذها رؤساء مختلفون. حجته الأهم أن الولايات المتحدة أنشأت بعد الحرب الباردة نظامًا إقليميًا متكاملًا يقوم على التفوق العسكري الأمريكي، وحماية إسرائيل، والحفاظ على الأنظمة الحليفة، وضمان تدفق الطاقة، واحتواء إيران، وضبط حدود العمل السياسي المقبول في المنطقة.

ومن هنا تأتي الخلاصة الأكثر إثارة في الكتاب: السياسة الأمريكية لم تكن تفشل كل مرة ثم تبدأ من جديد، بل كانت تعيد توليد النتائج نفسها لأن بنيتها وأولوياتها الأساسية ظلت ثابتة.

«الآلة لم تتعطل فحسب، بل عملت كما صُممت». — حسام الحملاوي، ميدل إيست آي

ويصف الحملاوي الكتاب بأنه عمل كُتب ضد النسيان وضد التبريرات التي تسمح للإمبراطوريات بتجاوز نتائج أفعالها. فقوة لينش، في تقديره، تنبع من معرفته الوثيقة بعالم السياسة الأمريكية من الداخل، ومن تعامله الجاد في الوقت نفسه مع المجتمعات العربية وتطلعاتها، بما يمنعه من تبسيط واشنطن أو إعفائها من المسؤولية.

المشكلة بنيوية وليست مرتبطة برئيس واحد

يتتبع الكتاب استمرارية هذا النظام عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فقد أسس جورج بوش الأب هيمنة ما بعد حرب الخليج، وعززها بيل كلينتون من خلال العقوبات وسياسة الاحتواء وعملية السلام، ثم حاول جورج دبليو بوش إعادة تشكيل المنطقة بالقوة عبر غزو العراق والحرب العالمية على الإرهاب.

أما باراك أوباما، فعلى الرغم من خطابه المختلف، ودعمه المعلن للتغيير، ومحاولته تقليل الانخراط العسكري وعقد الاتفاق النووي مع إيران، فقد ظل مقيدًا بالبنية الموروثة. ثم جاء دونالد ترامب ليجرد النظام من كثير من لغته الليبرالية ويستبدلها بمنطق أكثر صراحة ومعاملاتية، قبل أن يصل جو بايدن، وفق قراءة لينش، إلى إحدى أكثر لحظات النظام انهيارًا أخلاقيًا عبر الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل خلال حرب غزة. ويعكس فهرس الكتاب نفسه هذا البناء، إذ يخصص فصولًا مستقلة لهذه الإدارات ولما يسميه المؤلف تأسيس النظام الأمريكي وترسيخه وتصدعه.

ويلخص أسامة خليل هذه الحجة في مراجعته المنشورة في The Middle East Journal:

«المشكلة بنيوية وليست شخصية». — أسامة خليل، ميدل إيست جورنال

فالقادة والمستشارون، بحسب هذا المنظور، ليسوا جميعًا أشرارًا أو جاهلين، لكنهم يعملون داخل منظومة مؤسسية تجعل الهيمنة الأمريكية هدفًا قائمًا بذاته، وتعيد تعريف الأزمات بما يبرر مزيدًا من التدخل والوجود العسكري.

فلسطين ليست ملفًا بين ملفات أخرى

تمثل القضية الفلسطينية المركز الأخلاقي والسياسي للكتاب. ويجادل لينش بأن واشنطن لم تفشل فقط في التوصل إلى تسوية عادلة، بل حولت ما سمي «عملية السلام» إلى إحدى أدوات ترسيخ موقعها المهيمن.

فبدل أن تنهي العملية الاحتلال، حولته إلى مسار تفاوضي مفتوح بلا نهاية، وأعادت صياغة الوجود الفلسطيني باعتباره مشكلة أمنية وإدارية، فيما واصلت إسرائيل توسيع سيطرتها. وفي مراجعتها للكتاب في Foreign Affairs، تشير ليزا أندرسون إلى أن العملية التي قادتها الولايات المتحدة أصبحت، في تحليل لينش، «عملية بلا سلام»، تحافظ على ضرورة الوساطة الأمريكية أكثر مما تقرب المنطقة من حل سياسي.

لا تظهر غزة في الكتاب باعتبارها استثناءً طارئًا أو انحرافًا مفاجئًا، بل بوصفها النتيجة القصوى لنظام اعتاد إخضاع الحقوق الفلسطينية لاعتبارات الأمن الإسرائيلي والاستقرار الإقليمي. ويجادل المؤلف بأن تجاهل القضية الفلسطينية أضعف خطاب الديمقراطية، ورسخ دعم الحكام السلطويين، وألزم واشنطن بتدخلات متكررة لمواجهة الانفجارات التي ساهم النظام نفسه في إنتاجها.

النظام الذي وعد بالاستقرار وأنتج «قشرة من النظام»

بحسب عرض نيل هيكس في مجلة رواق عربي، يرى لينش أن الهيمنة الأمريكية بعد عام 1990 كشفت التناقض بين الخطاب الحقوقي لواشنطن وسياساتها الفعلية. فقد فُضل الاستبداد على الديمقراطية، والإنفاق العسكري على التنمية، وحُمي الحلفاء من المساءلة ما داموا يخدمون أولويات تتعلق بإسرائيل والطاقة ومواجهة إيران وروسيا والصين.

وكان صناع السياسة يقدمون هذا النظام بوصفه موردًا عامًا يضمن الاستقرار والطاقة والأمن، لكن لينش يصف ما أنتجه بأنه مجرد قشرة من النظام؛ إذ بدت المنطقة أكثر تعرضًا للحروب والانهيارات والتفاوت السياسي والاقتصادي، فيما ظل الوجود الأمريكي ضروريًا لمعالجة الأزمات التي ولدتها سياساته.

«من الصعب دفع التغيير الديمقراطي حين يعتمد نظامك الإقليمي على الدكتاتوريين». — مارك لينش، نقلًا عن نيل هيكس، رواق عربي

وفي هذا السياق، لا تُعامل الديمقراطية باعتبارها هدفًا مستقلًا، بل بوصفها أداة يمكن تشجيعها ما دامت لا تهدد الترتيبات الإقليمية القائمة. وعندما تقود الانتخابات أو الحركات الشعبية إلى قوى لا ترضى عنها واشنطن أو حلفاؤها، تتراجع أولوية الديمقراطية لمصلحة الاستقرار والأمن.

الهيمنة وازدواجية تطبيق القانون

يخصص الكتاب مساحة كبيرة للتناقض بين اللغة الأمريكية عن حقوق الإنسان والنظام الدولي القائم على القواعد، وبين التطبيق الانتقائي لهذه المبادئ. فالقانون الدولي يُستدعى في مواجهة الخصوم، لكنه يُهمش عندما يتعلق الأمر بالحلفاء، وتُعامل معاناة شعوب المنطقة باعتبارها تكلفة ثانوية يمكن احتواؤها.

ويرى حسام الحملاوي أن أحد أهم إنجازات الكتاب هو كشفه أن الازدواجية ليست انحرافًا عابرًا عن السياسة، وإنما جزء من بنيتها المستقرة:

«النفاق ليس زلة عارضة، بل بنية تحتية». — حسام الحملاوي، ميدل إيست آي

ولا يقوم هذا التفاوت دائمًا على تصريحات علنية، بل يظهر في طريقة احتساب الضحايا، وفي لغة وسائل الإعلام والكونغرس ومراكز الأبحاث، وفي السرعة التي تتحول بها حقوق السكان إلى قضية هامشية عندما تتعارض مع تعريف ضيق للأمن.

لا إعفاء للفاعلين الإقليميين

مع ذلك، لا يقدم لينش المنطقة باعتبارها ضحية سلبية لا تملك إرادة أو مسؤولية. فإسرائيل وإيران والسعودية والإمارات ومصر وسوريا وغيرها تظهر بوصفها قوى لها مصالحها وحساباتها وممارساتها القمعية أو التوسعية.

لكن المؤلف يرفض تحويل «الفاعلية المحلية» إلى ذريعة لمحو دور الولايات المتحدة. فواشنطن لم تنشئ كل نظام سلطوي أو جماعة مسلحة أو حرب أهلية، لكنها أسهمت في تشكيل البيئة التي عملت فيها هذه القوى، من خلال التسليح والحماية والعقوبات والتدخلات العسكرية والتمييز بين حليف يُعفى من العقاب وخصم يُعاقب.

وهذه نقطة مهمة في بناء الكتاب: المسؤولية الأمريكية ليست بديلًا عن مسؤولية القوى الإقليمية، لكنها لا تسقط لمجرد أن تلك القوى امتلكت أجنداتها المستقلة.

قراءة أكثر تعقيدًا للحركات الإسلامية

من الجوانب التي تشيد بها بعض المراجعات معالجة لينش للحركات الإسلامية. فهو يرفض التعامل مع حماس والإخوان المسلمين وحزب الله والحوثيين باعتبارها تعبيرات متماثلة عن تهديد حضاري واحد، ويضع كل حركة في سياقها السياسي والاجتماعي: الاحتلال، أو القمع، أو انهيار الدولة، أو الحرب الأهلية.

وفي المقابل، لا يضفي عليها صورة رومانسية؛ إذ يعترف ببنيتها السلطوية، وخطاباتها الطائفية، وأدواتها القسرية، وحساباتها الاستراتيجية. لكن تحليله يؤكد أن إغلاق المجال السياسي، ودعم الانقلابات والأنظمة القمعية، واستمرار الاحتلال، ساهمت جميعًا في إنتاج بعض القوى التي تزعم السياسة الأمريكية لاحقًا أنها جاءت لمواجهتها.

نجاح وفق المقاييس الضيقة وفشل بمقاييس شعوب المنطقة

هنا يصل الكتاب إلى مفارقته الأساسية. فمن منظور السلام والتنمية والعدالة والديمقراطية، كانت حصيلة النظام الأمريكي كارثية. لكن وفقًا للمؤشرات التي اعتمدتها المؤسسة السياسية في واشنطن، حقق هذا النظام عددًا من أهدافه:

ظلت إسرائيل متفوقة ومحمية، واستمر تدفق النفط والغاز، وحافظت أنظمة حليفة على بقائها، وتعرضت إيران للاحتواء والعقاب، وظلت الولايات المتحدة الطرف الذي تستدعيه كل أزمة.

بذلك، لم تكن أرواح العراقيين أو الفلسطينيين أو اليمنيين أو السوريين جزءًا مركزيًا من دفتر الحسابات الذي قُيّمت على أساسه السياسة. وكان كل فشل جديد يتحول إلى حجة لمزيد من الإدارة والتدخل، بدل أن يؤدي إلى مراجعة الأسس التي أنتجته.

ولهذا يرى Stephen Zunes أن الكتاب من أهم الدراسات الحديثة للسياسة الأمريكية في المنطقة، لما يقدمه من تحليل شامل ومتاح للمتخصصين وغير المتخصصين، ولأنه يشرح كيف تحولت الرؤى التي حذر منها خبراء الشرق الأوسط مرارًا إلى سياسات قصيرة النظر أضرت بالمصالح الأمريكية نفسها.

أين يمكن الاعتراض على الكتاب؟

قوة الكتاب في وضوح بنيته التفسيرية، لكنها قد تكون أيضًا مصدر بعض محدوديته. فقد لاحظ نيل هيكس أن لينش لا يذهب بعيدًا في تحليل كيفية تغير العلاقات المتباينة بين واشنطن وكل من إسرائيل والسعودية والإمارات وقطر ومصر وتركيا إذا تراجعت الهيمنة الأمريكية. كما أن الكتاب لا يقدم تصورًا مكتملًا لما قد يأتي بعدها، ولا يثبت أن الفراغ الناتج سيقود بالضرورة إلى نظام أكثر عدلًا أو استقرارًا.

ويشير هيكس أيضًا إلى أن تراجع القوة الأمريكية قد يفتح الباب أمام سباق تسلح أشد خطورة، بما في ذلك احتمالات الانتشار النووي الإقليمي. ولذلك فإن إنهاء نظام مدمّر لا يكفي وحده؛ إذ تظل الحاجة قائمة إلى تصور بديل يضمن تطبيقًا متساويًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، من دون أن يقود انتقال القوة إلى فوضى أكبر.

أما ليزا أندرسون فترى أن لينش يخفف أحيانًا من حدة إدانته للأفراد، إذ يصر على أن كثيرًا من صناع السياسة كانوا موهوبين وجادين ومطلعين، رغم أنهم أنتجوا أخطاء وسياسات هائلة الضرر. ويمكن قراءة ذلك باعتباره نقطة قوة، لأنه يتجنب اختزال المشكلة في فساد أخلاقي شخصي، أو باعتباره تساهلًا مع المسؤولين عن قرارات كارثية.

لماذا يستحق الكتاب القراءة؟

لا تكمن أهمية الشرق الأوسط الأمريكي في أنه يكشف معلومات سرية جديدة، بل في قدرته على جمع ثلاثة عقود ونصف من السياسات داخل إطار تفسيري واحد. فهو يربط بين العقوبات على العراق، ومسار أوسلو، وغزو العراق، والحرب على الإرهاب، والتعامل مع الانتفاضات العربية، والاتفاق النووي الإيراني، والتطبيع الإقليمي، وحرب غزة.

ويشرح لماذا لم تؤد الكوارث المتعاقبة إلى تغيير جوهري في السياسة: لأن الفشل الإنساني والإقليمي لم يكن كافيًا لإسقاط نظام استمر في خدمة الأولويات التي صُمم من أجلها.

والكتاب، بهذا المعنى، ليس فقط تاريخًا للسياسة الأمريكية، بل تشريح للطريقة التي تتحول بها الأفكار إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى «حكمة تقليدية»، ثم تصبح البدائل خارج حدود النقاش المقبول، حتى عندما تتراكم الأدلة على خراب النتائج.

خاتمة

يقدم مارك لينش كتابًا غاضبًا، لكنه ليس انفعاليًا؛ أخلاقيًا، لكنه لا يستبدل التحليل بالإدانة؛ ونقديًا تجاه الولايات المتحدة، من دون أن يسقط مسؤولية القوى الإقليمية. وأهم ما يفعله أنه ينقل السؤال من مستوى القرارات الفردية إلى مستوى النظام الذي جعل تلك القرارات قابلة للتكرار عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة.

إن قيمة الكتاب لصانع القرار والباحث العربي لا تقتصر على تفسير ما فعلته واشنطن، بل تمتد إلى التنبيه إلى خطورة بناء أمن المنطقة على منظومة تنظر إلى الاستقرار من زاوية بقاء التحالفات وتدفق الطاقة والتفوق العسكري، لا من زاوية حقوق السكان وشرعية المؤسسات والتنمية المستدامة.

لا يقدم لينش وصفة جاهزة لما بعد «الشرق الأوسط الأمريكي»، وربما يكون هذا أبرز ما يظل مفتوحًا للنقاش. لكنه ينجح في إثبات أن النظام القائم ليس واقعًا طبيعيًا ولا قدرًا لا يمكن تغييره، بل بناء سياسي صنعته قرارات ومؤسسات ومصالح محددة. وكما يختتم حسام الحملاوي قراءته: وصف السجن يعني أيضًا الإقرار بأن جدرانه صُنعت، وأن ما صُنع يمكن تفكيكه.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم كتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

دليل روتليدج للترجمة والإعلام

عنوان الكتاب: دليل روتليدج للترجمة والإعلام الناشر: روتليدج تاريخ النشر: 24 ديسمبر 2021  ا…