الرئيسة في العمق اتفاقية مكة.. تحالف لتجنب الحرب أم استعداد لخوضها؟ 

اتفاقية مكة.. تحالف لتجنب الحرب أم استعداد لخوضها؟ 

3 min read
0

الاتفاقية الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان لا تتضح ملامحها الكاملة إلا باستحضار المشهدين الإيراني والإسرائيلي وحدود المظلة الأمريكية.

 

حين وقّعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس 2026، كان البند الذي خطف الانتباه هو الأكثر بساطة والأوسع دلالة: أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع.

وحده هذا الالتزام يكفي لجعل الاتفاق مختلفًا عن أي تعاون عسكري اعتيادي، ولذلك وصفته بعض التغطيات الإعلامية والتحليلات البحثية بأنه اتفاق «على نمط الناتو»، بل ذهب بعضها إلى وصفه بـ «ناتو إسلامي». لكن ما نعرفه عن الاتفاق حتى الآن لا يسمح بالقفز إلى هذا الاستنتاج.

فالدول الثلاث لم تعلن آلية محددة لاستخدام القوة، ولا قيادة عسكرية موحدة، ولا حجم القوات أو القدرات التي يتعين على كل طرف تقديمها عند تعرض الآخر للهجوم. هذا الفارق بين قوة المبدأ وغموض التنفيذ هو المدخل الأهم لفهم الاتفاقية.

فالرهان، على الأرجح، ليس أن تدخل السعودية وتركيا وباكستان حربًا معًا، بل أن يصبح احتمال دخولها كافيًا لردع الخصم عن إشعال الحرب أصلًا.

لكن «اتفاقية مكة» أكبر من بند الدفاع المشترك أيضًا. فقد جاءت في لحظة تعيد فيها حرب إيران تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة، فيما تتزايد أسئلة دول الخليج حول حدود المظلة الأمريكية، وتتسع القوة العسكرية الإسرائيلية خارج حدودها، وتتعاظم الصناعات الدفاعية التركية، وتتحول باكستان تدريجيًا من قوة تتمحور حساباتها حول جنوب آسيا إلى لاعب أكثر حضورًا في أمن الخليج والشرق الأوسط.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ضد من وُقعت الاتفاقية؟ بل ربما يكون: أي نظام أمني تحاول الدول الثلاث بناءه في منطقة لم تعد تثق بأن قوة واحدة قادرة على ضمان أمنها؟

 

ما الذي اتفقت عليه الدول الثلاث فعلًا؟

بحسب البيانات الرسمية التي نقلتها مصادر إعلامية وبحثية، أبرزها BBC عربي وCNN وRFE/RL، تهدف اتفاقية مكة إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. وجوهرها: اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع.

ونقلت بي بي سي عربي أن الاتفاقية تستند كذلك إلى حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس الوارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

أما الموقف السعودي الرسمي فيحدد بوضوح ما تريد الرياض ألا يُفهم من الاتفاق. إذ نقلت CNN عربي عن وزارة الخارجية السعودية تأكيدها على أن الاتفاقية لا تمثل توجهًا لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي أو مذهبي، ولا ترتبط بمساعٍ نووية أو سباق تسلح، ولا تأتي على حساب علاقات المملكة الخليجية أو العربية أو الدولية، كما لا تلغي الاتفاقات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة.

ووصف وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان الاتفاقية بأنها إطار لشراكة دفاعية طويلة المدى تعزز الردع والتنسيق والتكامل، بينما ربط وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان الاتفاق بالرغبة المشتركة في مواجهة التحديات والتهديدات التي يتعرض لها أمن المنطقة.

تركيا بدورها حرصت على النقطة نفسها؛ إذ نقلت يديعوت أحرونوت تأكيد أنقرة على أن الاتفاقية لا تتناقض مع التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي، بل تمثل آلية تعاون مكملة للأمن الإقليمي.

إذن، اتفاقية مكة تضاف إلى التحالفات القائمة ولا تحل محلها، على الأقل وفق الرواية الرسمية للدول الموقعة.

وهذا أيضًا ما يجعل تشبيهها بالناتو بحاجة إلى ضبط. فالتشابه موجود في مبدأ الدفاع الجماعي، لكنه لا يثبت وجود نسخة إقليمية من المادة الخامسة للناتو بكل مؤسساتها وآلياتها التنفيذية.

أليسون ماينور، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط التابع لـ أتلانتك كاونسل، كانت من أكثر المحللين وضوحًا في هذه النقطة؛ إذ رأت أن الاتفاق ليس حلفًا شبيهًا بالناتو بالمعنى المؤسسي، ولا كتلة إقليمية منفصلة، وإن كان ذلك لا يقلل من أهميته الاستراتيجية.

 

الحرب عجلت الاتفاق.. لكنها لم تصنعه من الصفر

توقيع الاتفاق وسط الحرب الإيرانية قد يوحي بأنه استجابة طارئة للأزمة، لكن تسلسل الأحداث الذي أوردته المصادر يرسم صورة مختلفة.

فقد وقعت السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 «اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل»، الذي اعتبر بدوره أي اعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى.

وذكرت بي بي سي عربي أن أنقرة كانت قد دخلت في محادثات بشأن ترتيبات الدفاع بين السعودية وباكستان قبل شهور من اتفاق مكة.

أما دويتشه فيله فنقلت عن مصدر عسكري لم تسمه أن الاتفاق الثلاثي كان قيد المناقشة «لفترة طويلة»، وأن التطورات الإقليمية الأخيرة سرعت وتيرة إنجازه.

وتذهب إذاعة أوروبا الحرة وفورين بوليسي أبعد، إذ تقولان إن المناقشات استمرت قرابة عام. النتيجة المهمة هنا أن الحرب تبدو عامل تسريع وحسم أكثر من كونها نقطة البداية.

الاتفاقية بُنيت أيضًا على تحول سابق في العلاقة السعودية التركية. فالجزيرة الإنجليزية، في تحليل كتبه أبو بكر الشماحي، ربطت جزءًا من خلفية المشهد بتجاوز الأزمة العميقة التي أعقبت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول عام 2018. ومنذ 2022، بدأ الطرفان يضعان خلافاتهما خلفهما؛ السعودية في سياق سياسة أوسع لخفض التصعيد الإقليمي، وتركيا سعيًا إلى تحسين علاقاتها الإقليمية وظروفها الاقتصادية.

فورين بوليسي أضافت تفصيلًا مهمًا آخر: مصر شاركت في المباحثات المبكرة حول الإطار الدفاعي لكنها لم تظهر ضمن الموقعين النهائيين.

وهذا يعني أن الصيغة الثلاثية التي وُقعت في مكة كانت نتيجة مسار تفاوضي، وليست بالضرورة الشكل الوحيد الذي كان مطروحًا.

 

لماذا تحتاج السعودية إلى اتفاق دفاعي جديد؟

من مظلة واحدة إلى «طبقات متعددة من الأمن»

هذه هي الفكرة التي تتكرر أكثر من غيرها عبر مصادر مختلفة التوجهات.

يرى تقرير سي ان ان الذي كتبه عباس حسن اللواتي أن الاتفاقية تمنح السعودية طبقة حماية إضافية فوق شراكتها الأمنية التاريخية مع الولايات المتحدة، في ظل تنامي الشكوك الإقليمية حول حدود قدرة واشنطن على حماية شركائها الخليجيين في جميع الظروف.

وصاغ أندرو كريج، أستاذ دراسات الدفاع في كلية كينج لندن، الفكرة بطريقة أكثر تحديدًا في حديث نقلته دويتشه فيله: المنطقة تبتعد عن نظام أمني تنظمه الولايات المتحدة بصورة حصرية، لكن السعودية وتركيا وباكستان لا تحاول استبدال واشنطن.

فالولايات المتحدة، في تقدير كريج، تظل «لا غنى عنها»، لكن النزاعات الأخيرة أظهرت حدود قدرتها على منع الحروب الإقليمية أو حماية البنية التحتية الخليجية في جميع الظروف. ولذلك تريد الرياض طبقات متعددة من الأمن بدل مظلة واحدة.

أليسون ماينور في أتلانتك كاونسل تصل إلى نتيجة قريبة. فهي ترى أن السعودية «تنسج شبكة من الشراكات» حتى تصبح أقل اعتمادًا على طرف واحد، وتعتبر اتفاقية مكة دليلًا إضافيًا على تراجع السعي السعودي إلى ضمانة أمريكية صريحة على غرار المادة الخامسة في الناتو.

لكن ماينور لا تعتبر ذلك رفضًا للشراكة الأمريكية. بل ترى أن النظام الجديد قد ينسجم مع انتقال الولايات المتحدة من دور «الضامن» إلى دور «حلقة الوصل» الذي يساعد الشركاء الإقليميين على ربط قدراتهم بعضها ببعض.

المعنى الأعمق إذن ليس أن السعودية تستبدل الولايات المتحدة بتركيا وباكستان، بل أنها تحاول الانتقال من الاعتماد الأحادي إلى شبكة من القدرات والضمانات والشركاء.

 

الاتفاق أداة للقيادة أيضًا

لا يقتصر المكسب السعودي على الأمان. أليسون ماينور ترى أن الرياض تستغل اللحظة المضطربة لتعزيز موقعها كقوة تقود إنتاج الاستقرار الإقليمي. فالسعودية تستضيف اتفاقًا أمنيًا يجمعها بقوتين إقليميتين كبيرتين في وقت ينظر فيه كثير من دول المنطقة إلى سياسات إيران وإسرائيل باعتبارها مصدرًا للتصعيد.

وقدم عبدالعزيز بن صقر، مؤسس ورئيس مركز الخليج للأبحاث، قراءة قريبة نقلتها تايمز أوف إنديا عن رويترز. ففي تقديره، إذا تحولت الاتفاقية إلى مؤسسات وتعاون ملموس، فقد تساعد على ظهور هندسة أمنية تقودها المنطقة بدرجة أكبر.

وهذه ربما إحدى أكثر دلالات الاتفاق أهمية: السعودية لا تريد فقط أن تكون دولة تتلقى ضمانات الأمن، بل دولة تشارك في بناء النظام الذي ينتج هذا الأمن.

 

المملكة بين هرمز وباب المندب

تزداد أهمية هذه الرؤية حين ننظر إلى طبيعة التهديد الذي تواجهه السعودية.

سي ان ان تحدثت عن هجمات إيرانية على منشآت سعودية مدنية ومحطات طاقة ومصالح أمريكية، إلى جانب استمرار التهديد من جماعات مرتبطة بطهران في العراق واليمن.

كما نقلت سي ان ان عن مسؤول سعودي أن المملكة كانت تستعد لاحتمال هجوم كبير ومنسق من جماعات مدعومة من إيران في العراق واليمن، مع دعم من الحرس الثوري.

المونيتور، في تقرير أمبرين زمان، لخصت البيئة الجغرافية للضغط بصياغة أكثر وضوحًا: إيران تضغط عند مضيق هرمز شرقًا، والحوثيون يهددون باب المندب غربًا، بينما تضيف تقلبات السياسة الأمريكية طبقة ثالثة من عدم اليقين.

واللافت أن اتفاقية مكة ليست الترتيب الأمني السعودي الوحيد الذي ظهر في هذه البيئة.

فقد أشارت المونيتور إلى ائتلاف دفاعي بحري متعدد الجنسيات أعلنت عنه الرياض لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وكانت تركيا وباكستان ضمن الدول التي شاركت في إعلان تأسيسه.

هذا يعني أن السعودية لا تبني «حلفًا واحدًا»، بل عدة طبقات أمنية لوظائف مختلفة: أمن بحري، تعاون دفاعي، دفاع جوي، ردع استراتيجي، استخبارات وصناعة دفاعية.

 

تركيا: السلاح والنفوذ والسوق

تركيا تدخل اتفاقية مكة من موقع مختلف؛ فهي عضو في الناتو، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، فيما تحولت صناعتها الدفاعية خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أدوات نفوذها الخارجي.

بي بي سي عربي نقل عن مسؤولين أتراك قولهم إن الصناعات المحلية تلبي نحو 80% من احتياجات البلاد الدفاعية، وأن خمس شركات تركية دخلت قائمة أكبر مئة شركة عالميًا في تصنيع السلاح والخدمات العسكرية.

وفي حواره مع فرانس24، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي د. عمر الرداد أن تركيا تقدم إلى الاتفاق خبرة مهمة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وتقنيات الحروب الحديثة، إلى جانب سعي أنقرة إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية وتوسيع نفوذها في الخليج.

ويضيف السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، بعدًا اقتصاديًا واضحًا في تحليل نقلته إذاعة أوروبا الحرة: بإمكان تركيا استخدام الإطار الجديد لجذب رأس المال السعودي إلى صناعاتها الدفاعية وتوسيع الإنتاج المشترك والمبيعات مع باكستان.

ويشدد حقاني على أن تركيا لا تترك الناتو؛ بل تبني «شراكة موازية» تمنحها قدرًا أكبر من المرونة الاستراتيجية وقوة التفاوض.

ريتش أوتزن يقدم قراءة أكثر طموحًا عبر أتلانتك كاونسل؛ إذ يعد الاتفاق نقطة تحول في نظام إقليمي متعدد الأقطاب، ويرى أنه يوسع شبكة العلاقات الأمنية التركية الموجودة أصلًا مع دول أخرى.

كما يرى أوتزن أن إضافة السعودية وباكستان ترفع قدرة تركيا على الردع تجاه إسرائيل، لكن هذه قراءة تحليلية تخصه وليست هدفًا رسميًا معلنًا لاتفاق مكة.

الخلاصة أن أنقرة تكسب من الاتفاق على ثلاثة مستويات: نفوذ جيوسياسي، وأسواق وتمويل للصناعات الدفاعية، ومرونة أكبر في علاقتها بالغرب وبالقوى الإقليمية.

 

باكستان: من جنوب آسيا إلى أمن الخليج

تعني الاتفاقية لإسلام آباد التوسع في المجال الاستراتيجي نفسه. ويرى مايكل كوجلمان، الباحث في أتلانتك كاونسل، أنها ترسخ أقدام باكستان داخل البنية الأمنية الناشئة للشرق الأوسط.

وهذه المنطقة حيوية لإسلام آباد لثلاثة أسباب ذكرها كوجلمان: وجود عدد من أهم حلفائها فيها، اعتمادها على المنطقة في جانب كبير من وارداتها الهيدروكربونية، ووجود عدة ملايين من المواطنين الباكستانيين فيها.

إضافة إلى ذلك، تمنح الاتفاقية باكستان مكانة دولية جديدة بوصفها شريكًا أمنيًا ووسيطًا، وليس مجرد قوة عسكرية جنوب آسيوية.

ويرى كوجلمان كذلك أن الاتفاق قد يفيد علاقة باكستان بالولايات المتحدة، لأن إدارة ترامب ترغب في قدر أكبر من تقاسم الأعباء بين الحلفاء والشركاء.

أما حسين حقاني فيركز على بعد آخر: تستطيع باكستان التي تواجه ضغوطًا اقتصادية تحويل خبرتها العسكرية إلى مورد اقتصادي من خلال التدريب، وانتشار القوات، ومبيعات الأسلحة، والتعاون الدفاعي.

إذاعة أوروبا الحرة أشارت كذلك إلى توسع شبكة العلاقات الدفاعية الباكستانية في الخليج، بما في ذلك تعاون مع الكويت.

وبذلك لا تبدو باكستان في الاتفاق مجرد «الدولة الإسلامية النووية»؛ بل قوة تحاول تحويل ثقلها العسكري إلى نفوذ سياسي ومصالح اقتصادية وحضور طويل المدى في أمن الخليج.

 

معادلة القدرات الثلاث

اختلاف موارد الأطراف هو أحد أسباب جاذبية الاتفاق.

أسامة بن جافيد، مراسل الجزيرة، لخصها بكلمات واضحة: باكستان تضيف قوة عسكرية ذات خبرة وترسانة نووية، وتركيا تضيف التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، والسعودية تضيف القدرة المالية، وهي الصورة التي رسمتها فورين بوليسي بتفاصيل مشابهة.

أما منصور أحمد من مركز الدراسات الاستراتيجية والدفاعية (SDSC) التابع لـ الجامعة الوطنية الأسترالية (ANU) فقال لـتايمز أوف إنديا إن باكستان وتركيا تستطيعان تقديم قدرات متقدمة في التصنيع الدفاعي، بينما توفر السعودية الاستثمار المالي والتكنولوجي.

وقد تكون هذه المعادلة أكثر أهمية على المدى الطويل من أي حديث عن التدخل في حرب.

فإذا نتج عنها إنتاج مشترك، ونقل للتكنولوجيا، ودفاع جوي، ومسيّرات، وذخائر وأنظمة قيادة وسيطرة، فسوف تتكون سلسلة قيمة دفاعية تجعل العلاقة أكثر قدرة على الاستمرار من تحالف مؤقت فرضته أزمة.

 

إيران: الغائب الأكثر حضورًا

لا يمكن تفسير توقيت الاتفاقية بمعزل عن إيران. لكن لا يمكن أيضًا، استنادًا إلى البيانات الرسمية، القول إن الدول الثلاث أعلنت تحالفًا ضدها.

بي بي سي وسي ان ان ودويتشه فيله وإذاعة أوروبا الحرة ونيوزيك جميعها وضعت الحرب الإيرانية في قلب السياق الإقليمي الذي دفع الاتفاق إلى الأمام.

سي ان ان ترى أن الاتفاقية ترفع تكلفة أي هجوم كبير جديد على السعودية، لأن طهران ستضطر إلى حساب احتمال توسع المواجهة لتضم تركيا وباكستان.

لكن السعودية وتركيا أكدتا أن الاتفاق غير موجه ضد دولة بعينها.

ولدى أنقرة وإسلام آباد أسباب فعلية لتجنب حرب مباشرة مع إيران. فباكستان تشاركها الحدود وتحتاج إلى إدارة علاقة إقليمية وداخلية حساسة، بينما تتنافس تركيا وإيران في ملفات عديدة لكنها تتقاطعان في مصالح أخرى.

ولهذا نقل المونيتور عن مصادر دبلوماسية إقليمية تشكك في أن تتحول الصياغة الجديدة بسهولة إلى ضربات تركية أو باكستانية مباشرة ضد الحوثيين أو إيران.

ووصف أحد هذه المصادر بند الدفاع الجماعي بأنه «ادعاء يحتاج إلى اختبار». وهنا تكمن المفارقة: قد يكون الغموض مصدر قوة. فإذا لم تعرف إيران يقينًا إلى أي مدى ستتدخل تركيا وباكستان، فإنها مضطرة إلى احتساب احتمال التصعيد الأوسع. لكن هذا الغموض قد يصبح نقطة ضعف بمجرد اختبار الاتفاق؛ فإذا وقع هجوم كبير ولم يتحرك الحلفاء بصورة ملموسة، تتضرر مصداقية الردع.

 

إيران ترد: «اتفاق ورقي»

أبرز رد إيراني مبكر ورد على لسان إبراهيم رضائي، عضو البرلمان الإيراني ولجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية. ونقلت قناة تلفزيون نيودلهى المحدودة (دي تي في)، انتقاده الاتفاق واعتباره أن «اتفاقًا ورقيًا» مع تركيا وباكستان لن يوفر الأمن للسعودية، وأن الرياض تحتاج إلى تغيير سياساتها بدل البحث عن الأمن لدى الآخرين.

هذا الخطاب يعكس رواية إيرانية مضادة. ففي حين يرى محللون مثل كريج وماينور أن السعودية تنتقل نحو تعدد الشركاء وتقليل الاعتماد الأحادي، يحاول رضائي تصوير التحول على أنه مجرد استبدال مصدر خارجي للحماية بمصدر آخر.

لكن من الضروري وضع ما يلي في الاعتبار: رضائي شخصية سياسية إيرانية بارزة مرتبطة بلجنة الأمن القومي، وليس تصريحه في ذاته بيانًا رسميًا جامعًا للحكومة الإيرانية.

 

إسرائيل: القلق من قوة إقليمية لا تدور حولها

إذا كانت إيران هي التهديد الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى السعودية، فإن إسرائيل تظهر بقوة كلما اتسعت زاوية تحليل الاتفاق.

فورين بوليسي، في تقرير ألكسندرا شارب، قالت إن خبراء ينظرون إلى الاتفاق باعتباره استجابة للتحركات العسكرية الإيرانية والإسرائيلية معًا.

الجزيرة الإنجليزية طرحت بدورها احتمال أن تكون القوى الثلاث في طريقها إلى بناء مساحة استراتيجية تقع بين إسرائيل وإيران وتتحفظ على سياسات الطرفين.

أما القراءة الأكثر مباشرة فجاءت من محللين إسرائيليين. إذ نقلت يديعوت أحرونوت عن د. يوئيل جوزانسكي، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، اعتقاده أن التحالف الثلاثي ليس طبيعيًا بالكامل، بل هو نتاج تغير الظروف الإقليمية، بما في ذلك ضعف إيران النسبي وصعود قوة إسرائيل.

ويرى جوزانسكي أن الاتفاق قد يعمل على موازنة القوة الإسرائيلية، لكنه لا يصفه بأنه تحالف حرب ضد إسرائيل. كما يرى أنه لا يساعد مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي، وإن كان لا يغلق الباب أمامه.

المونيتور نقلت كذلك عن غاليا ليندنشتراوس من معهد دراسات الأمن القومي وصفها الاتفاق بأنه تطور مقلق من المنظور الإسرائيلي؛ لأنه يضيف مكونًا عسكريًا إلى التقارب السياسي الإقليمي، وقد يجعل التطبيع السعودي الإسرائيلي أقل ترجيحا.

وفي السياق نفسه، يذهب ريش أوتزن في أتلانتك كاونسل إلى أن الاتفاق يعزز الردع التركي تجاه إسرائيل.

لكن هذه كلها تقديرات محللين؛ فلا السعودية ولا تركيا ولا باكستان أعلنت أن الاتفاقية تستهدف إسرائيل.

 

هل يولد «محور ثالث»؟

من هنا ظهرت إحدى أكثر الفرضيات إثارة. إذ تساءل أبو بكر الشماحي عبر الجزيرة عما إذا كانت اتفاقية مكة يمكن أن تكون بداية تحالف أوسع يقع بين إيران وإسرائيل، متوجسًا من الطرفين.

نيوزويك نقلت عن المحلل مارك ساكسر رؤية أكثر صراحة: إيران وإسرائيل تتنافسان على الهيمنة الإقليمية، بينما تسعى مجموعة من القوى المتوسطة تتمحور حول السعودية وتركيا وباكستان ومصر إلى موازنة الطرفين.

ويمكن التقاط أصداء هذه الفكرة في تحليلات ريش أوتزن ويوئيل جوزانسكي. لكن الحديث عن «محور ثالث» يظل فرضية تحليلية، لا حقيقة مؤسسية مكتملة.

فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الدول الثلاث تستطيع التحول من تقارب في المصالح إلى موقف موحد عندما تتعارض حساباتها الوطنية.

الأكثر تحوطا في الوقت الراهن هو القول إن الاتفاقية تعكس محاولة من قوى إقليمية كبيرة لتوسيع مساحتها الاستراتيجية المستقلة، بحيث لا يصبح النظام الإقليمي محكومًا بالكامل بإيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة.

 

الولايات المتحدة: الاتفاق لا يعني الطلاق

على الرغم من كثرة الحديث عن تراجع المظلة الأمريكية، فإن معظم التحليلات الجادة التي تناولناها لا ترى اتفاقية مكة إعلان قطيعة مع واشنطن.

أندرو كريج يقول إن الولايات المتحدة تظل قوة لا غنى عنها.

وأليسون ماينور ترى أن الاتفاق يمكن أن ينسجم مع تحول الدور الأمريكي من الضامن إلى المُكامل.

بورجو أوزجيليك، الباحثة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، قالت وفق المنيتور إن الاتفاق ينسجم مع التفضيل الأمريكي لتحمل القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن الأمن والردع.

Michael Kugelman يرى أن مشاركة باكستان في هذا النوع من تقاسم الأعباء قد تكون مفيدة لعلاقتها بواشنطن.

حتى يوئيل جوزانسكي يقر بأن الدول الثلاث، لا سيما السعودية، لا تزال مرتبطة بالولايات المتحدة، وأن من أسباب بحثها عن ترتيبات إضافية ضعف الثقة في الضمانات الأمريكية وليس الرغبة في التخلص منها.

إذن قد يكون التحول الحقيقي من: أمن تديره قوة خارجية بصورة شبه أحادية إلى أمن شبكي تشارك فيه الولايات المتحدة إلى جانب قدرات وتحالفات إقليمية أكثر استقلالًا.

 

المظلة النووية: عنصر في الحسابات لا حقيقة مثبتة

وجود باكستان يطرح حتمًا السؤال النووي. لكن هذه تحديدًا إحدى النقاط التي ينبغي ألا تتجاوز فيها الإثارة الأدلة.

الموقف السعودي الرسمي واضح: اتفاقية مكة ليست مرتبطة بمساعٍ نووية.

فورين بوليسي أشارت إلى أن باكستان قللت من شأن التكهنات المتعلقة بتمديد قدراتها النووية إلى حلفائها.

يديعوت أحرونوت قالت إنه لا توجد حتى الآن إشارة في الاتفاق المنشور إلى دخول الترسانة النووية الباكستانية في آلية الردع الجديدة.

ونقلت عن خبير أسترالي ورد في تقرير رويترز ترجيحه بقاء الردع النووي الباكستاني متمركزًا أساسًا حول الهند.

وقال منصور أحمد لـ تايمز اوف إنديا أيضًا إن الاتفاق الثلاثي من غير المرجح أن يحتوي على مكون نووي؛ لأن الردع الباكستاني يظل موجهًا أساسًا إلى الهند.

وفي المقابل، رأى د. عمر الرداد في فرانس24 أن امتلاك باكستان القدرة النووية يضيف بعدًا ردعيًا إلى التوازنات.

وهذا هو التعبير الأدق: السلاح النووي الباكستاني يؤثر في تصور القوة وفي حسابات الخصوم، لكن لا دليل متاحًا على أنه أصبح مظلة نووية رسمية للسعودية أو تركيا.

 

المعضلة الكبرى: ماذا يحدث في اليوم التالي للهجوم؟

هذا هو الاختبار الذي سيحدد القيمة التاريخية للاتفاق.

أليسون ماينور تُذَكِّر بأن السعودية كانت لديها ترتيبات دفاعية جماعية قبل اتفاق مكة، سواء مع باكستان أو داخل مجلس التعاون، من دون أن تتحول إلى استجابة آلية مماثلة للصورة الشائعة عن المادة الخامسة للناتو.

فورين بوليسي تشير إلى أن إسلام آباد لم ترد عسكريًا على الهجمات الإيرانية الأخيرة على السعودية رغم وجود الاتفاق الثنائي السعودي الباكستاني.

ويستدعي يوئيل غوزانسكي في يديعوت أحرونوت سابقة أقدم: امتناع باكستان عن المشاركة في الحرب اليمنية عام 2015 رغم رغبة الرياض في مشاركتها.

ويرى أن النص الجديد يقول كيف تنظر الدول الثلاث إلى الهجوم، لكنه لا يقول تحديدًا ماذا تفعل عند وقوعه.

ولهذا لا يتوقع أن يعني هجوم إيراني جديد على السعودية بالضرورة شن تركيا وباكستان حربًا على إيران؛ فقد يكون الرد دفاعًا جويًا أو دعمًا استخباراتيًا أو إجراءات سياسية ودبلوماسية.

هارلان أولمان، رئيس مجموعة كيلوين، طرح السؤال نفسه عبر الجزيرة بصياغة مباشرة: إذا هاجم الحوثيون السعودية، هل تدخل تركيا؟ وهل تدخل باكستان؟

حتى الآن، لا توجد إجابة معلنة. وهذه «معضلة المصداقية» في جوهر الاتفاقية: كلما صدق الخصم احتمال تدخل الحلفاء، ارتفعت قوة الردع. لكن إذا اختُبر الالتزام ولم يظهر الدعم، قد تتراجع هذه القوة بسرعة.

 

وربما تكون الدبلوماسية أهم من الحرب

قياس نجاح الاتفاق بعدد الجنود الذين يدخلون المعركة فقط قد يكون مضللًا.

أليسون ماينور ترى أن العائد الدبلوماسي للاتفاق قد يفوق أحيانًا فائدته العسكرية المباشرة، مشيرة إلى قدرة السعودية على الاستفادة من علاقتها بإسلام آباد في الاتصالات المتعلقة بإيران وضبط التصعيد.

بي بي سي عربي أشار كذلك إلى الدور الذي لعبته باكستان في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، مع دعم إقليمي من دول بينها السعودية وتركيا.

وهكذا قد تصبح الاتفاقية أداة مزدوجة:

زيادة كلفة الهجوم من جهة، وزيادة قنوات الوساطة عند اندلاع الأزمة من جهة أخرى.

وهذا النموذج يناسب باكستان وتركيا بصفة خاصة؛ إذ يمنحهما وزن الحليف من دون إجبارهما بالضرورة على التخلي عن علاقاتهما مع إيران.

 

الصناعة الدفاعية: العمود الذي قد يبقى بعد انتهاء الحرب

قد يكون هذا الجانب هو الأكثر أهمية على المدى الطويل.

بي بي سي عربي نقل عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاتفاق يشمل تعزيز التعاون الدفاعي وتطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

دويتشه فيله نقلت عن شبكة هابيرتورك احتمال أن تشمل آليات التنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

ديلي صباح، وفق ما نقلته إذاعة أوروبا الحرة، اعتبرت التعاون الصناعي الدفاعي ضرورة استراتيجية، وتحدثت عن الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

ريش أوتزن يتوقع استفادة الصناعات الدفاعية التركية من توسيع التعاون.

أما منصور أحمد فيضع أساس المعادلة: قدرة صناعية تركية وباكستانية يقابلها الاستثمار السعودي.

إذا تحولت هذه الاحتمالات إلى مشروعات ومصانع وعقود وتدريب واعتماد متبادل، فسوف تنشأ حول الاتفاقية مصالح مستدامة لا تنتهي بانتهاء الحرب الحالية.

وهذا هو ما يمكن أن يحول اتفاق مكة من رد فعل على أزمة إلى مؤسسة دائمة في النظام الإقليمي.

 

مصر: لماذا بقي الطرف الرابع خارج الاتفاق؟

غياب مصر عن التوقيع مثير للاهتمام لأن مصادر عدة وضعتها داخل دوائر التنسيق التي سبقت الاتفاق.

فورين بوليسي قالت إن القاهرة شاركت في المناقشات الأولية. والجزيرة قدمت تفسيرًا محتملًا يقوم على تركيز مصر على الاقتصاد والحذر من الانجرار إلى صراع إقليمي. والمونيتور طرحت فرضية أخرى تتعلق بحساسية القيادة المصرية تجاه الطابع الإسلامي المحتمل للترتيب.

لكن لا يوجد في المواد التي رصدها التقرير تصريح مصري رسمي يحسم سبب عدم الانضمام. ولهذا فإن الجزم بأي تفسير سيكون تجاوزًا للأدلة.

المؤكد فقط أن غياب القاهرة يكشف أن توسيع الاتفاقية لن يكون عملية آلية، وأن الاختلافات الوطنية ستظل تحديًا أمام أي محاولة لتحويل الثلاثي إلى تحالف إقليمي أكبر.

 

هل يتسع الاتفاق؟

المسؤولون الأتراك الذين نقلت عنهم بي بي سي وسي ان ان وتايمز اوف إنديا قالوا إن الباب يمكن أن يكون مفتوحًا أمام دول أخرى.

وطرحت الجزيرة مصر وقطر وسوريا والإمارات كمرشحين محتملين، لكنها بينت أيضًا العقبات أمام كل منها.

وهذا يجعل السيناريو الأقرب ربما ليس «ناتو إسلاميًا» كبيرًا بحدود عضوية واضحة، وإنما شبكة من الاتفاقات المتداخلة: دولة تنضم إلى الأمن البحري، وأخرى إلى التدريب، وثالثة إلى الصناعة الدفاعية، فيما يبقى الدفاع المتبادل الصريح محصورًا بعدد أقل من الأطراف.

 

باكستان تربط أمن الشرق الأوسط بجنوب آسيا

وجود باكستان يجعل اتفاقية مكة أكثر من شأن شرق أوسطي. إذ قالت وزارة الخارجية الهندية، حسبما نقلته تايمز أوف إنديا، إنها تتابع التطور «عن كثب»، من دون إدانة الاتفاق أو اعتباره موجهًا ضد الهند.

لكن الاتفاق يفتح سؤالًا لم تجب عنه البيانات المنشورة: ماذا لو تعرضت باكستان لهجوم في سياق أزمة مع الهند؟ هل ينطبق المبدأ نفسه تلقائيًا؟

هذه المسألة تعكس اختلاف خرائط التهديد لدى الأطراف. فالسعودية تنظر خصوصًا إلى إيران والحوثيين. وتركيا لديها حساباتها المتعلقة بإسرائيل والجماعات الكردية المسلحة. وباكتسان لا تستطيع فصل استراتيجيتها عن الهند وأفغانستان.

الدول الثلاث تتشارك الحاجة إلى مزيد من الأمن، لكنها لا تتشارك بالضرورة تعريفًا واحدًا للتهديد.

 

«ناتو إسلامي» أم «محور سني»؟

الاختلاف لم يعد حول مضمون الاتفاق فقط، بل حتى حول اسمه ودلالته.

منصة نيوزكورد، في تحليل جمع تغطية 29 وسيلة إعلامية، أبرز الاختلاف بين وسائل استخدمت تعبير «ناتو إسلامي» ومصادر أخرى ركزت على الطابع الدفاعي وعدم استهداف دولة معينة.

سي ان ان تناولت إمكانية ظهور جبهة عسكرية تقودها دول ذات أغلبية سنية في مواجهة التهديد الإيراني، لكنه نقل أيضًا النفي السعودي والتركي الواضح للطابع الطائفي. وهو السؤال نفسه الذي طرحته كلا من فرانس 24 ودويتشه فيله.

أما د. عمر الرداد، فقال لفرانس24 إن كون الدول الثلاث ذات أغلبية سنية ليس، في تقديره، المرجعية الأساسية للاتفاق، وإنما الظروف الإقليمية هي التي دفعت إلى هذا التقارب.

والصياغة السعودية الرسمية أوضح من الجميع: الاتفاق ليس تكتلًا طائفيًا أو مذهبيًا. لذلك، يجب التعامل مع «التحالف السني» و«الناتو الإسلامي» بوصفهما توصيفين إعلاميين أو تحليليين، لا اسمين موضوعيين لطبيعة الاتفاقية.

 

إلى أين يمكن أن تصل اتفاقية مكة؟

يمكن استخلاص خمسة مسارات رئيسة من مجمل التحليلات التي استعرضها التقرير:

المسار الأول: ردع مرن

يبقى مبدأ الدفاع الجماعي قويًا سياسيًا، لكن طبيعة الدعم تُحدد وفق كل أزمة: دفاع جوي، استخبارات، دعم لوجستي، تحرك سياسي، وربما تدخل عسكري إذا بلغت الأزمة مستوى استثنائيًا.

المسار الثاني: المأسسة العسكرية

إنشاء قيادة أو غرفة عمليات، وتدريبات منتظمة، ودفاع جوي وصاروخي متكامل، وانتشار قوات ومشروعات تصنيع مشتركة. عندها فقط يقترب الاتفاق من أن يصبح بنية دفاعية حقيقية لا مجرد تعهد سياسي.

المسار الثالث: شبكة أمنية متعددة الطبقات

ينمو حول الثلاثي عدد من الترتيبات المتخصصة؛ بحرية وصناعية واستخباراتية، تضم أعضاء مختلفين من دون إنشاء حلف واحد شامل.

المسار الرابع: اختبار يضر بالمصداقية

يتعرض أحد الأعضاء لهجوم كبير ولا يقدم الآخران دعمًا ذا شأن، فتتراجع قيمة مبدأ «الهجوم على الجميع».

المسار الخامس: ظهور محور إقليمي ثالث

تتوسع العضوية ويستمر التعاون بعد انتهاء الحرب ويصبح الإطار قادرًا على موازنة إيران وإسرائيل معًا. وهو السيناريو الأكثر طموحًا والأقل إثباتًا حتى الآن.

 

ما الذي يجب مراقبته؟

لن تُعرف قيمة الاتفاق من البيانات المقبلة، بل من الإجراءات.

هل تنشأ آلية تخطيط وقيادة مشتركة؟

هل تبدأ تدريبات دورية واسعة؟

هل تنشر تركيا قوات أو أصولًا عسكرية جديدة في السعودية؟

هل يتطور التكامل في الدفاع الجوي والصاروخي؟

هل تبدأ مشروعات إنتاج وتسليح مشتركة؟

هل يصبح تبادل الاستخبارات مؤسسيًا؟

هل تنضم دولة رابعة؟

والأهم: ماذا ستفعل تركيا وباكستان عند أول هجوم كبير تتعرض له السعودية بعد توقيع الاتفاق؟

ثم يأتي الاختبار الأطول مدى:

هل يبقى التعاون بعد انتهاء حرب إيران؟

إذا استمر لأن حوله مصانع واستثمارات وتدريبًا وأمنًا بحريًا وشبكات تجارة ومصالح، فسيكون اتفاق مكة قد تجاوز الظروف التي سرعت ولادته وأصبح جزءًا من النظام الإقليمي نفسه.

 

الخاتمة: أقوى تحالف هو الذي لا يضطر إلى إثبات قوته

لا تبدو اتفاقية مكة مجرد إضافة تركيا إلى اتفاق دفاعي سابق بين السعودية وباكستان. إنها تجمع ثلاثة أنماط مختلفة من القوة:

  1. السعودية تريد أمنًا لا يعتمد على مظلة واحدة، وتريد في الوقت نفسه دورًا أكبر في هندسة النظام الإقليمي.
  2. تركيا تريد سوقًا ونفوذًا ومرونة استراتيجية أوسع، من دون التخلي عن الناتو.
  3. وباكتسان تريد تحويل ثقلها العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي راسخ في الخليج والشرق الأوسط.

إيران تنظر بعين الشك إلى الترتيب الجديد وتحاول التقليل من قيمته.

ومحللون إسرائيليون يرون فيه احتمال ظهور قوة موازنة قد تعقد الحسابات الإسرائيلية، وإن لم يكن اتفاقًا معلنًا ضد إسرائيل.

والولايات المتحدة ليست بالضرورة الطرف الذي يحاول الثلاثي التخلص منه؛ فالمشهد الجديد قد يكون أكثر تعقيدًا من ثنائية البقاء تحت المظلة الأمريكية أو مغادرتها.

لذلك، فإن السؤال الأعمق الذي تطرحه اتفاقية مكة ليس: من هو عدو هذا التحالف؟

بل: ماذا يحدث عندما تقرر ثلاث قوى إقليمية كبيرة أن أمنها لا ينبغي أن يعتمد على قوة واحدة، وأن النظام الإقليمي لا ينبغي أن تحدده إيران أو إسرائيل وحدهما؟

قد تكون اتفاقية مكة بداية جواب عن هذا السؤال. وقد تكون المفارقة أن أفضل دليل على نجاحها هو ألا تُختبر أبدًا.

فإذا اقتنع الخصوم بأن مهاجمة إحدى الدول الثلاث قد تطلق سلسلة من التداعيات العسكرية والسياسية التي يصعب التنبؤ بحدودها، يكون الردع قد أدى وظيفته قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

أما إذا جاء الاختبار، فستتحول العبارة التي صنعت الاتفاقية من مبدأ سياسي إلى سؤال حاسم: هل السعودية وتركيا وباكستان مستعدة فعلًا للقتال من أجل بعضها؟

 


المراجع:
Saudi Arabia, Turkey and Pakistan sign Mecca defence pact, deny forming ‘sectarian alliance’
https://www.bbc.com/arabic/articles/cvg9pl46yndo
Saudi Arabia turns to Muslim military heavyweights in landmark defense pact as Iran war closes in
https://edition.cnn.com/2026/08/07/middleeast/saudi-arabia-turkey-pakistan-pact-intl
ليست مرتبطة بمساعٍ نووية.. السعودية توضح أهداف اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/08/07/ksa-objectives-joint-defense-agreement-turkiye-pakistan
ما هو مضمون الاتفاق الدفاعي الموقع بين السعودية وباكستان وتركيا وكيف تنظر إسرائيل إليه؟
https://www.france24.com/ar/الشرق-الأوسط/20260807-اتفاق-دفاع-تحالف-تسلح-السعودية-تركيا-باكستان-حرب-إيران-إسرائيل-الشرق-الأوسط
اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.. “تحالف سني”؟
https://www.dw.com/ar/اتفاق-دفاع-مشترك-بين-السعودية-وتركيا-وباكستان-تحالف-ضد-إيران/a-78280878
‘Paper Agreement With Turkey, Pak Will Not Bring You Security’: Iran To Saudi
https://www.ndtv.com/world-news/paper-agreement-with-turkey-pak-will-not-bring-you-security-iran-to-saudi-11880611
Why Saudi Arabia, Pakistan, and Turkey just signed a defense pact
https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/why-saudi-arabia-pakistan-and-turkey-just-signed-a-defense-pact/
‘A claim to be tested’: Can Saudi Arabia-Turkey-Pakistan defense pact deter Iran?
https://www.al-monitor.com/originals/2026/08/claim-be-tested-can-saudi-arabia-turkey-pakistan-defense-pact-deter-iran
Will Pakistan-Saudi-Turkiye alliance actually create a new regional order?
https://www.aljazeera.com/news/2026/8/7/new-regional-order-pakistan-turkiye-saudi-arabia
The Middle East’s new trio: What lies behind the Saudi-Turkey-Pakistan defense alliance?
https://www.ynetnews.com/article/byqdt3qlfg
Saudi Arabia, Pakistan, Turkey Sign Joint Defense Pact Amid US-Iran Tensions
https://www.rferl.org/a/saudi-turkey-pakistan-defense-agreement-iran-war/33824220.html
The Middle East Tries Its Hand at a NATO-Style Pact
https://foreignpolicy.com/2026/08/07/pakistan-saudi-arabia-turkey-mutual-defense-pact-iran-israel-military/
Saudi Arabia, Turkey And Pakistan Sign Mecca Joint Defence Agreement
https://newscord.org/article/saudi-arabia-turkey-and-pakistan-sign-mecca-joint-defence-agreement–Story_20260807_WaronIranSaudiArabiaf9d53780
Saudi Arabia, Pakistan & Turkey sign ‘Mecca’ pact for mutual defence; India reacts
https://timesofindia.indiatimes.com/world/middle-east/saudi-arabia-pakistan-turkey-sign-mecca-pact-for-mutual-defence-india-reacts/articleshow/133031916.cms
Saudi Arabia, Turkey, Pakistan Form NATO-Style Pact—How It Impacts Iran War
https://www.newsweek.com/saudi-arabia-turkey-pakistan-nato-style-pact-iran-war-12298253
طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

نهاية العالم كما نعرفه: تآكل 10 ركائز للنظام الدولي

ملف تحليلي من مجلة فورين بوليسي يستعرض أفول عشر أفكار ومؤسسات شكّلت النظام الدولي، من التح…