بروكنجز: هل ينبغي إعلان “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية؟

ترجمة: د. محمود عبدالحليم

كلمة المحرر:

“يذهب الكاتبان في هذا المقال إلى أن فكرة إعلان “الاخوان المسلمين” منظمة إرهابية ظلت تتردد منذ فترة طويلة، وهي الآن تأتي في خضم حماس أكبر يعيشه الرئيس دونالد ترامب نحو ما يمكن أن ينظر اليه على أنه حرب حضارية ضد “الإسلام الراديكالي”، بيد أن المشكلة أن مثل هذا الإعلان سيكون مخالفاً للقانون.

كانت بعض القطاعات من اليمين الأمريكي- ولا تزال- تتلهف على إعلان جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية بموجب تشريع الدعم المادي، والآن بعد تولي “ترامب” سدة الحكم ازداد الحماس في الحديث عن هذا الأمر.

كان السيناتور “تيد كروز” قد أعاد هذا العام تقديم طلب لسن تشريع يلزم وزير الخارجية الأمريكي بالحضور للكونجرس ليقدم شهادته حول ما إذا “كانت جماعة الاخوان المسلمين تنطبق عليها المعايير التي تجعلها “منظمة إرهابية أجنبية”، وإذا لم تكن تنطبق عليها المعايير، فيجب على وزير الخارجية أن يقدم “تفسيراً مفصلاً عن المعايير التي لم تنطبق عليها”.

مغبات هذا الإعلان

في الآونة الأخيرة قالت “نيو يورك تايمز” إن ترامب يفكر في اصدار أمر تنفيذي “يلزم وزير الخارجية بأن يقطع في مسألة إعلان جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهو الإعلان الذي سعت من أجله مصر والامارات العربية المتحدة”.

الواقع أن فكرة ترامب محل انتقاد الكثيرين، فقد كتب “ياروسلاف تروفيموف” في “وول ستريت جورنال” معرباً عن قلقه من أن “إدراج الإخوان المسلمين على القائمة السوداء له مغبات متعددة”، يعود معظمها إلى أن الجماعة “لا تزال تحتفظ بالملايين من الأنصار، ووصف الجماعة بأنها خارجة عن القانون قد يعقد علاقات الولايات المتحدة مع حلفاء مهمين لها في المنطقة”، وأهمهم تركيا على وجه التحديد.

كما يحذر “ناثان براون” و “ميشيل دن” من أن هذا الإعلان قد يقوض الغرض الذي تم من أجله، لا أن يحقق المرجو منه وقد ينجم عنه أضرار جانبية تؤثر على أهداف سياسة الولايات المتحدة. وقد يكون الضرر الأكبر في مجال السياسة الشعبية، لأن إلصاق الإرهاب بكل منظمات الإخوان المسلمين قد يراه كثير من المسلمين في جميع أنحاء العالم على أنه حرب على تيار الإسلام السياسي غير العنيف، بل على الإسلام ذاته.

لكن هناك على الأقل سببا وجيها لأن يرفع ترامب يده عن إعلان جماعة الاخوان منظمة إرهابية ألا وهو أن هذا الأمر ليس من القانون في شيء.  إذا لا تنطبق المعايير التي نص عليها القانون على تلك الجماعة بشكل عام من جوانب عدة. وهذا هو السبب في أنها لم تعلن بهذه الصفة رغم الضغط الذي مارسته الحكومتان المصرية والامارتية لوقت طويل.

إننا نرى أنه مع الحيلولة دون ادخال تغيير في القانون الذي من المؤكد أنه سيبطل دستورية قانون الدعم المادي، سيبقى هذا الإعلان رغم حالة الهياج التي تصاحبه، غير قانوني حتى ولو أجيز في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

معايير وصم جماعة بالإرهاب

تنص المعايير التي بموجبها يتم وصم منظمة بالإرهاب على أن وزير الخارجية الأمريكي له بشكل عام صلاحية إعلان منظمة معينة بأنها منظمة إرهابية أجنبية إذا كانت هذه المنظمة أجنبية وضلعت في أعمال إرهابية أو أن لديها القدرة والنية للانخراط في أعمال إرهابية، أو أن تلك الأعمال الإرهابية أو ما تمارسه المنظمة من إرهاب يهدد أمن مواطني الولايات المتحدة أو الأمن القومي للولايات المتحدة.

المهم هنا أن نطرح الأسئلة التالية: هل الاخوان المسلمين (1) منظمة أجنبية؟، (2) هل هي ضالعة في أعمال إرهابية أو لديها القدرة والنية للقيام بها، (3) وهل إرهابها يهدد الولايات المتحدة أو مواطنيها؟

الاخوان المسلمون: جذور وفروع

الإجابة السريعة هي أن الاخوان المسلمون ليست منظمة واحدة على الإطلاق، ويمكن وصف بعض عناصرها بالإرهاب بل حدث ذلك بالفعل، لكن المؤكد أن عناصر أخرى من تلك الجماعة لا يمكن وصمها بالإرهاب. ولا يمكن القطع بالقول إن تلك الجماعة بأسرها ضالعة في الإرهاب أو أنها تهدد الولايات المتحدة.

تأسست جماعة الاخوان المسلمين في مصر عام 1928، ولها اليوم فروع في عشرات الدول يتم التنسيق فيما بينها بشكل صوري على يد تنظيم دولي تحت امرة المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين في مصر. ويصعب تقييم مدى قوة العلاقة بين التنظيم الدولي والفروع المتعددة له في مختلف البلاد بسبب هوس المنظمة بالسرية. فرع الجماعة في مصر معروف بالسرية على وجه الخصوص لأنه عمل لسنوات طويلة بشكل سري نتيجة للقمع الذي تمارسه الحكومة عليهم مما جعل جماعتهم منظمة أشبه بالعقيدة، لكن ما أن يسمح لفروع جماعات الاخوان بالعمل العلني، تختفي هذه السرية ونجد قدرا أكبر من الشفافية.

التنظيم الدولي: حقيقة أم أسطورة؟

يبدو لنا مما هو متاح بين أيدينا من أدلة، أن التنظيم الدولي لا يقدر على أن يملي ارادته على أعضائه بله أن يحدد لهم ما يناقشوه. صحيح أن كل فرع منهم يريد من حكومة بلاده أن تطبق الشريعة الإسلامية، إلا أن كل منهم له سياساته المختلفة عن الآخر فيما يتعلق بتنفيذ ذلك، وغالباً ما يختلفون فيما بينهم لدرجة أن يؤدي مثل هذا الخلاف الى أن يخرج فرع منها عن التنظيم الدولي مثلما حدث مع جماعة الاخوان المسلمين في الكويت بعد أن أيد التنظيم الدولي احتلال صدام حسين لبلادهم. وعلى حد قول أحد كبار الباحثين الأمريكيين لجماعة الاخوان المسلمين فان التنظيم الدولي لها يشبه في معظمه ما يعرف اليوم بـ”الاشتراكية الدولية”، أي إطار لجماعة مدجنة متقطعة العرى تضم حركات متشابهة تعترف كل منها بالأخرى ويتبادلون فيما بينهم الروايات والخبرات عندما تجمعهم اللقاءات بين حين وآخر، ويسعدهم الانتماء لأيدولوجية دولية معروفة دون أن يعيروها كثيراً من الاهتمام”.

“سلمية ..سلمية  رغم مذبحة رابعة”

تورطت بعض فروع جماعة الاخوان المسلمين أحياناً في أعمال إرهابية وغيرها من صور العنف السياسي. فقد قادت جماعة الاخوان المسلمين في سوريا تمرداً ضد الحكومة السورية في أخريات السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي. كما دأب الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين ممثلاً في حركة حماس على اللجوء الى أساليب إرهابية ضد إسرائيل، وهو ما يبرر إعلانها منظمة إرهابية من قبل وزارة الخارجية الأمريكية. وكانت جماعة الاخوان المسلمين في مصر قد قامت بهجمات إرهابية ضد الحكومة المصرية في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي الى أن جاء مرشدها الثاني فمنع العنف الثوري. وطل هذا المنع سارياً حتى بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي القادم من صفوف الاخوان المسلمين في 2013 وما تلاه من مذابح راح ضحيتها منهم ما يقرب من 1000 شخص في ميدان رابعة العدوية. وما زال زعماء الجماعة حتى اليوم يدعون الى الاحتجاج السلمي رغم أن بعضاً من شباب أعضائها قد هاجم بعض الممتلكات الخاصة ومصالح حكومية، كما يبدو أن بعض أعضاء الجماعة يقفون وراء شيء من العنف ضد الأقباط. وحسب ما هو متوفر من أدلة علنية ذات مصداقية فان الجماعة تغض الطرف عن هذه الهجمات وان لم تقف ورائها أو تدعو اليها. (بل ان البعض يتشكك في قدرة قيادة الجماعة أصلاً على السيطرة على أي من أعضائها بعد حركة الاعتقالات الجماعية التي طالت قيادات الصف الأول). مثل هذا العنف غير المصرح به وان كان مسكوتاً عنه لا يرقى الى مرتبة اعلان الجماعة منظمة إرهابية، الأمر الذي يتطلب أن تتورط الجماعة في أعمال إرهابية أو يكون لديها النية للقيام بذلك.

وحسبما أوردت وكالة “رويترز” نقلاً عن مسئول أمريكي رفض الإفصاح عن هويته أن وزارة الخارجية الأمريكية قد شهدت مناقشات حول المعلومات الاستخباراتية عن الجماعة، وخلصوا منها أنه “سيكون من الصعب إيجاد مبرر قانوني لانطباق معايير المنظمات الإرهابية على جماعة الإخوان المسلمين”.

المشاركة السياسية

لم تكن فروع الاخوان المسلمين في بلدان أخري بمثل هذا العداء مع حكومات بلادها، خاصة تلك البلاد التي سمحت لهم بالمشاركة في الانتخابات السياسية. فقد كان لجماعة الاخوان المسلمين مرشحوها الذين فازوا بمقاعد في البرلمان في عدة دول مثل الكويت والبحرين والأردن واليمن وإسرائيل، بل إن نائب الرئيس العراقي ابان الاحتلال الأمريكي كان عضواً في جماعة الاخوان المسلمين بالعراق، وشكل الحزب المرتبط بالإخوان المسلمين في المغرب آخر حكومة هناك ومن المتوقع أن يشكل الحكومة المقبلة. وكما حدث مع الوزراء وأعضاء البرلمان اللبنانيين المنتمين لحزب الله، فان إعلان جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية سيحول دون تواصل الحكومة الأمريكية مع مسئولي الدول الأجنبية الذين ينتمون لهذه الأحزاب، مما سيقيد من الشراكة التي تجمع بين الحكومة الأمريكية والحكومة المغربية كشريك رئيس في الحرب على الإرهاب

إسلاميون في إسرائيل!!

في اسرائيل حركة إسلامية طريفة يتزعمها شخص لا يقل طرافة يدعي الشيخ درويش، تلعب دوراً ديمقراطياً معتبراً داخل منظومة سياسية ديمقراطية فاعلة، وتلتزم التزاماً صادقاً وثابتاً بالعمل في إطار القانون وفي إطار النظام السياسي. والحقيقة أن الشيخ درويش منذ أن كان سجيناً قد نبذ العنف، وأطلق حركة سياسية لها مرشحيها للمناصب البلدية والرسمية في إسرائيل. وقد انشق عن الحركة جناح أكثر راديكالية بسبب ما اعتبروه “ميوعة” في موقف الشيخ درويش، ومنطقهم في ذلك أن ترشيح أعضاء من الحركة لعضوية الكنيست يكسب إسرائيل شرعية. وعلى عكس موقف ذلك الجناح لا يعرف عن الشيخ درويش أنه من أنصار حماس.

لكن الأكثر طرافة في أمر الشيخ درويش هو تصوره البليغ والبناء للعلاقة بينه كشخص من عرب فلسطين ومواطن إسرائيلي مسلم وبين الدولة التي يعيش فيها، الدولة التي تدعي في نهاية المطاف أنها دولة يهودية. فهو يحث أنصاره على الانخراط في دولة إسرائيل من المنطلق التالي” أنا انسان، مسلم، عربي، أعيش على ارضي في دولة إسرائيل، أحترم القانون، ولا أقلل من شأن أي من مواطنيها”.

لا مساومة على إدانة الإرهاب

في عالم اليوم لا نجد إلا حفنة يسيرة من الدول التي تعلن جماعة الاخوان المسلمين منظمة ارهابية مثل مصر والسعودية والامارات وروسيا وسوريا، وهناك عدد أكبر من تلك الدول قد وصمت فروع الجماعة فيها بالإرهاب عند تورطها في أعمال إرهابية مثلما كان الحال مع حركة حماس.

وينبغي أن يظل هذا الإعلان مقصوراً على الحركات الضالعة في أعمال العنف.

ليس هناك جدل أبداً في صواب دمغ قطاع من الاخوان المسلمين بالإرهاب، بل نقول أكثر من ذلك إنه إذا كان لدى الحكومة الأمريكية دليل حقيقي على أن جماعة الاخوان المسلمين في مصر تأمر أعضائها بارتكاب أعمال إرهابية فعليها أن تعلن الجماعة منظمة إرهابية. لكن هذا الإعلان لابد أن يظل مقصوراً على الجناح المتورط في أعمال العنف ولا ينسحب على أجنحة الاخوان الأخرى في أنحاء العالم التي قد لا يكون لها أي صلة بالإرهاب.

التشريع المقترح: تجريم للفكر لا الفعل

وإذا لم يكن من المحتمل وجود دليل حقيقي على تورط الاخوان في اعمال إرهابية فلن يكون من القانون في شيء أن تعلن الولايات المتحدة جماعة الاخوان منظمة إرهابية بناء على مبررات أيديولوجية خالصة. المؤكد أن جماعة الاخوان المسلمين تنتهج خطاً لا يؤمن بالليبرالية في إطار ديمقراطي، لكن ذلك في حد ذاته غير مخالف للقانون. وعلى النقيض من ذلك سيبدو تجريم الجماعة على ايمانها ببعض الأفكار هو الأمر المخالف للقانون.

عندما أيدت المحكمة العليا قانون الدعم المادي عام 2010 كان تأييدها مبنياً على فهم لا لبس فيه أن القانون لا يجرم الانتماء الى حركات سياسية بل أيدت دستورية القانون بحكم أن التمويل أمر ملموس، وإعطاء “الدعم المادي” لجماعة إرهابية أجنبية سيعد تمويلاً حقيقياً للإرهاب حتى لو كان ذلك المال لدعم نشاط حميد للجماعة لأنهم يخصصون هذا الدعم لتمويل الأعمال الإرهابية. الأمر وما فيه أن هذا لا ينطبق على الاخوان المسلمين. فإذا وجهت المال مثلا لحزب الشيخ درويش في اسرائيل فلن يخصصوه لدعم الإرهاب لأنهم لا يقومون بأعمال إرهابية ولا يرتبطون اقتصاديا بمجموعات تقوم بذلك. إذن نفس الحجة التي استندت اليها المحكمة في تأييدها لقانون الدعم المادي لا تنطبق هنا، والواقع أنك ساعتها ستكون تجرم تقديم الدعم المادي الأفكار لا تبقي القبول عندك.

دعونا هنا نشي بمعلومة سرية بسيطة خبيثة: لم تتورع الادارتان الأمريكيتان السابقتان عن اعلان وصم جماعات اجنبية بالإرهاب، فاذا لم يشمل ذلك جماعة بعينها فالأمر الأرجح أن الرئيس الأمريكي السابق والرئيس الذي سبقه لم يكن تحوطهما مجموعة مغرضة من أنصار الاخوان المسلمين ليؤثروا عليهما. التفسير البسيط الأقرب للحقيقة هو أن القانون لن يكون في صالح التشريع الذي يتحرق ترامب وأنصاره شوقا لتمريره.


*وليام مكانتس هو مدير قسم العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي، وهو زميل رفيع بقسم السياسات الخارجية بمركز سياسات الشرق الأوسط.

بنجامين ويتس هو زميل رفيع بقسم دراسات الحوكمة.