رصد «العالم بالعربية» لما نشرته مراكز الأبحاث العالمية عن الشرق الأوسط بين 29 أغسطس و4 سبتمبر 2026 لم تعد الحرب مع إيران تُقرأ في مراكز الأبحاث بوصفها مواجهة عسكرية تنتظر لحظة النهاية فحسب. خلال هذا الأسبوع، انتقل جانب معتبر من النقاش إلى ما خلفته بالفعل من تغييرات يصعب التراجع عنها: هشاشة نموذج القواعد العسكرية الكبيرة في الخليج، وانكشاف الاقتصادات الآسيوية أمام اضطراب مضيق هرمز، وتصاعد البحث الخليجي عن ترتيبات أمنية وشركاء أكثر تنوعًا، وعودة أمن الطاقة إلى قلب السياسات الصناعية والمناخية. وبالتوازي، تحولت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان من حدث سياسي إلى موضوع لتحليل شكل النظام الأمني الإقليمي الناشئ، بينما فتحت سوريا جبهة أخرى للنقاش تجمع بين إعادة بناء الدولة والاقتصاد، ومستقبل الوجود الأميركي، وتصاعد الاحتكاك التركي الإسرائيلي. وفي فلسطين واليمن والعراق، عادت الأسئلة المتعلقة بسلطة الدولة والسلاح وإعادة الإعمار واحتمالات تجدد الحرب إلى مقدمة الاهتمام. المنهجية يغطي التقرير سبعة أيام خلت، من السبت 29 أغسطس إلى الجمعة 4 سبتمبر 2026. ويبدأ الرصد من قائمة مرجعية لمراكز الأبحاث، تضم 73 مصدرًا، روعي فيها التنوع الجغرافي والتخصصي، ثم يُستكمل ببحث مستقل في مواقع المؤسسات وصفحات البرامج والموضوعات ومحركات البحث بلغات النشر الأصلية. ولا يستعرض التقرير المادة لمجرد ورود اسم دولة أو شخصية شرق أوسطية، بل يجب أن تكون المنطقة أو إحدى قضاياها موضوعًا جوهريًا فيها. وتُعطى الأولوية للأبحاث والتحليلات وأوراق السياسات والتعليقات المتخصصة والاستشراف، مع استخدام النسخة العربية التي ينشرها المصدر نفسه متى كانت متاحة. أبرز العناوين المجلس الأطلسي — غيسو نيا: «قهوة ثورية: أثر إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب» — تحليل، 29 أغسطس 2026. مركز الجزيرة للدراسات — حفصة فاتح مصطفى أحمد: «الحرب اللامتماثلة بين إسرائيل وحماس» — دراسة، 30 أغسطس 2026. مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» — علي إبراهيم مصطفى فقيه: «هل زادت الحرب مع إيران من الرغبة العالمية في التحول إلى الاقتصاد الأخضر؟» — تحليل، 30 أغسطس 2026. مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» — خالد الشهري وصلاح الدين مراد سيرين: «التكلفة المستوية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية: ترابط الطاقة والذكاء الاصطناعي: تحليل القدرة التنافسية والسياسات العامة» — ورقة نقاش، 30 أغسطس 2026. مركز الخليج للأبحاث — جون سفاكياناكيس: «الوضع الطبيعي الجديد في الخليج: عدم استقرار مُدار وحرب متكررة؟» — تعليق وتحليل، 30 أغسطس 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — إليزابيث دينت ومات تافاريس: «مساعدة دول الخليج وأوكرانيا على بناء شراكتهما في مواجهة الطائرات المسيّرة» — تحليل موجز، 31 أغسطس 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — ديفورا مارغولين وأندرو جيه. تابلر: «ما بعد قوات سوريا الديمقراطية: ماذا ينتظر شمال شرق سوريا والسياسة الأميركية؟» — تحليل موجز، 31 أغسطس 2026. معهد دراسات الأمن القومي — عوفر غوتمان وأوريت بيرلوف: «انتخابات 2006 في الساحة الفلسطينية كإشارة تحذير: قائمة وطنية موسعة طريقًا إلى تطبيع حماس» — موجز بحثي، 31 أغسطس 2026. المركز العربي واشنطن دي سي — إنجي جوهر: «أسبوع السياسة في واشنطن: إدارة ترامب تطلق هجومًا اقتصاديًا جديدًا على إيران» — موجز سياسات، 31 أغسطس 2026. المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية — أنتوني دوركين: «قلق مناخي: الوجه المتغير للحركات الاجتماعية في شمال أفريقيا» — تعليق، 31 أغسطس 2026. مركز الخليج للأبحاث — آمنة مصلي: «دول الخليج تعيد تعريف نفوذ القوى المتوسطة في نظام متعدد الأقطاب» — تعليق وتحليل، 31 أغسطس 2026. معهد الشؤون الدولية الإيطالي — أليساندرا سكاليا: «من إرهاب المستوطنين إلى عنف تمكّنه الدولة: إعادة التفكير في مكافحة الإرهاب في الضفة الغربية» — تعليق بحثي، 31 أغسطس 2026. المجلس الأطلسي — كيرت ديفيس الابن: «حرب إيران ليست فيتنام جديدة.. لكنها قد تصبح مستنقعًا اقتصاديًا للخليج» — تحليل، 31 أغسطس 2026. المجلس الأطلسي — آرون ماجيد: «الردع العسكري الأردني انهار» — تحليل، 31 أغسطس 2026. مركز الجزيرة للدراسات — حاتم غندير: «إيران في مواجهة “الإنزال الاقتصادي”: من هرمز إلى الممرات الأوراسية» — ورقة تحليلية، 1 سبتمبر 2026. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية — حسام ردمان وعبدالغني الإرياني وميساء شجاع الدين ولارا أولينهاوت: «عودة الحرب في اليمن: المعطيات والمآلات – قراءة خبراء مركز صنعاء» — وجهات نظر وتحليلات، 1 سبتمبر 2026. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «تداعيات أزمة هرمز في مجال الطاقة على الصين» — ندوة، 1 سبتمبر 2026. مركز الخليج للأبحاث — مايكل وليام ويلسون: «العلاقات التجارية بين الخليج وأفريقيا» — تعليق وتحليل، 1 سبتمبر 2026. مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية «سيتا» — مصطفى جانر: «تحالف مكة ينتقل من الورق إلى التطبيق» — فيديو تحليلي، 1 سبتمبر 2026. المركز العربي واشنطن دي سي: «نظام إقليمي ما بعد الولايات المتحدة؟ تحولات البنية الأمنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال حرب إيران» — ندوة، 1 سبتمبر 2026. مركز الجزيرة للدراسات — سعيد الحاج: «هل تغير موقع إسرائيل في الإستراتيجية الدفاعية التركية؟» — ورقة تحليلية، 1 سبتمبر 2026. المجلس الأطلسي — أفيا ليبرمان وميلاني روبنز: «ما الذي يتطلبه إعادة بناء قطاع العمل عن بُعد في غزة؟» — موجز قضايا، 1 سبتمبر 2026. مركز ستيمسون — كريستيان ألكسندر: «مستقبل القواعد الأميركية في الخليج بعد حرب إيران 2026» — تحليل، 2 سبتمبر 2026. المعهد الياباني للشؤون الدولية — سوميكا تاكيوتشي: «ما الذي ينبغي لليابان فعله في سياسة الطاقة بعد حرب إيران؟ “صدمة آسيا” التي فجرتها الحرب» — بحث، 2 سبتمبر 2026. معهد دراسات الأمن القومي — يارون شنايدر: «خطة نزع سلاح الميليشيات العراقية: الانقسام الداخلي ومساعي إيران لإفشالها» — موجز بحثي، 2 سبتمبر 2026. مركز الخليج للأبحاث — ليلى علي: «الشركاء الآسيويون وأمن الخليج: استجابات متباينة لعدم الاستقرار الإقليمي» — تعليق وتحليل، 2 سبتمبر 2026. مركز الجزيرة للدراسات — محمد عبد العاطي: «زيارة شي جين بينغ إلى مصر: الأبعاد الإستراتيجية لشراكة متنامية» — تعليق تحليلي، 2 سبتمبر 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — شيفان أناند وغرانت روملي: «زيارة شي إلى مصر: خطوات محسوبة بعناية» — تحليل موجز، 2 سبتمبر 2026. مؤسسة بروكينغز — أندرو يو: «حرب إيران واتساع الفجوة في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه آسيا» — بحث، 2 سبتمبر 2026. مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية «سيتا» — سيبل دوز وآخرون: «هل يشكل تحالف مكة محورًا أمنيًا جديدًا؟» — تحليلات خبراء، 2 سبتمبر 2026. مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» — أشرف محمد كشك: «القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون: حوار سياسي وتعاون اقتصادي دون تكتل أمني» — تحليل، 3 سبتمبر 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — جيمس جيفري: «دفاعا عن خيار الجمود مع إيران» — مقال تحليلي، 3 سبتمبر 2026. مركز الجزيرة للدراسات: «قصف عبثي لقاعدة سورية ينذر بتأزم إسرائيلي إستراتيجي وشيك» — تقدير موقف، 3 سبتمبر 2026. مركز الجزيرة للدراسات — عبد الله العمادي: «الأمن الخليجي: رؤية لما بعد الحرب» — تعليق تحليلي، 3 سبتمبر 2026. المركز العربي واشنطن دي سي — يوسف منير: «قراءة استطلاعات الرأي الفلسطينية… وسوء قراءة السياسة الفلسطينية» — وجهة نظر، 3 سبتمبر 2026. المركز العربي واشنطن دي سي — دانيال نيب: «”إنزال ترامب الاقتصادي” يعزز المتشددين في إيران» — تحليل سياسات، 3 سبتمبر 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — هنري توغيندهات وغرانت روملي: «الصين لا تخشى ضغط ترامب على إيران» — مقال تحليلي، 3 سبتمبر 2026. المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية «إيفري» — تاكاشي هاتوري: «سياسة الطاقة اليابانية بعد هرمز: الأمن والتنافسية وإزالة الكربون» — افتتاحية بحثية، 4 سبتمبر 2026. المجلس الروسي للشؤون الدولية — نيكولاي سوخوف: «مفارقة هرمز: كيف تعيد الأزمة تشكيل جغرافيا الطاقة في الشرق الأوسط؟» — مقال، 4 سبتمبر 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — إليزابيث دينت: «طموحات السعودية في الذكاء الاصطناعي تفتح فرصة أمام الولايات المتحدة» — تحليل موجز، 4 سبتمبر 2026. المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية — مارك ليونارد وإيلي جيرانمايه: «الضغط الأقصى على إيران: الجولة الثانية» — بودكاست، 4 سبتمبر 2026. معهد هدسون — جان قاساب أوغلو: «بين الاستنزاف والتكيف: تقييم قدرات إيران في حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة» — تقرير، 4 سبتمبر 2026. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — مايكل جيكوبسون: «ما بعد الطلقة التحذيرية الأولى: متابعة “عملية النبذ الاقتصادي” لعزل إيران اقتصاديًا» — تحليل موجز، 4 سبتمبر 2026. هرمز: الأزمة تتحول من حدث عسكري إلى مشكلة بنيوية الخيط الأوضح الذي يربط بين إصدارات مراكز الأبحاث العالمية خلال الأسبوع الماضي لم يكن السؤال عما إذا كان مضيق هرمز سيعود إلى وضعه السابق، بل ما الذي ينبغي تغييره لأن الأزمة أثبتت أن الاعتماد على ترتيبات ما قبل الحرب يحمل مخاطر أكبر مما كان يُفترض. رأى مركز الخليج للأبحاث أن الخليج يتجه إلى حالة يمكن وصفها بـ«عدم الاستقرار المُدار»: قدرة أفضل على امتصاص الصدمات من دون أن يعني ذلك عودة الاستقرار القديم. ويذهب التحليل إلى أن الخطر الأكثر واقعية قد يكون تكرار جولات محدودة من الحرب بدل صراع شامل أو تسوية نهائية. ومن زاوية الوجود العسكري الأميركي، اقترح كريستيان ألكسندر في «مستقبل القواعد الأميركية في الخليج بعد حرب إيران 2026» إعادة تصميم الانتشار نفسه: تقليص حجم القواعد الدائمة وتركيزها، مع الحفاظ على حق الوصول والمعدات المسبقة والانتشار البحري والدوري والروابط الاستخباراتية والقدرة على التعزيز السريع. أي إن البديل المطروح ليس انسحابًا أميركيًا بسيطًا، بل وجودًا أقل تركيزًا وأكثر مرونة. أما المجلس الأطلسي فنقل مركز النقاش من الكلفة العسكرية إلى الكلفة الاقتصادية، محذرًا من أن استمرار الحرب قد يتحول إلى «مستنقع اقتصادي» بالنسبة إلى دول الخليج وشركائها التجاريين، حتى من دون تحول الصراع إلى حرب برية أميركية طويلة. وفي المقابل، دافع جيمس جيفري في «دفاعا عن خيار الجمود مع إيران» عن استمرار الحصار والضغط التدريجي باعتبار الوضع الحالي أقل الخيارات سوءًا بالنسبة إلى واشنطن، شريطة تجنب انزلاق طهران إلى حرب إقليمية أوسع. لكن هذه الفرضية واجهت اعتراضًا مباشرًا من المركز العربي واشنطن دي سي، حيث رأى دانيال نيب أن حملة الضغط الجديدة قد تعزز قبضة المتشددين في إيران بدل أن تفرض استسلام النظام. ومن ثم لم يكن الخلاف بين المراكز حول وجود ضغط اقتصادي هائل، بل حول ما الذي سيفعله هذا الضغط بالبنية السياسية الإيرانية. آسيا تدفع ثمن هرمز فيما يتعلق بالمنظور الآسيوي، وصف المعهد الياباني للشؤون الدولية تداعيات الحرب بأنها «صدمة آسيا»، وربطها بالاعتماد الشديد لليابان على خام الشرق الأوسط والحاجة إلى تحول هيكلي يتجاوز السحب من المخزونات أو إجراءات الدعم المؤقتة. ووصل المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية «إيفري» إلى نتيجة مهمة: أزمة هرمز لا تضع أمن الطاقة في مواجهة إزالة الكربون، بل تجعل الاثنين أكثر ترابطًا. فتنويع الواردات، وتوسيع الطاقة النووية والمتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك يمكن النظر إليها في الوقت نفسه بوصفها سياسات مناخية وصناعية وأمنية. أما مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فناقش استجابة الصين التي تجمع بين كهربة النقل، وتوسيع المخزون النفطي الاستراتيجي، وزيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، في وقت يختبر فيه تعطل الإمدادات قدرة بكين على حماية أمنها الطاقوي. ومن موسكو، رأى نيكولاي سوخوف في «مفارقة هرمز» أن الأزمة لا تلغي أهمية المضيق، وإنما تدفع المنتجين والمستهلكين إلى إعادة النظر في جغرافيا الطاقة والمسارات البديلة، بما قد يقلل على المدى الطويل من قدرة نقطة اختناق واحدة على تعطيل النظام بأكمله. وفي الإجابة عن سؤال «هل زادت الحرب مع إيران من الرغبة العالمية في التحول إلى الاقتصاد الأخضر؟»، أبرز مركز «دراسات» مفارقة أخرى: الحرب عززت الحجة الاستراتيجية للطاقة المتجددة، لكنها رفعت كذلك تكاليف التمويل وأعادت بعض الاقتصادات في الأجل القصير إلى الفحم والحفر والوقود الأحفوري. أمن الخليج.. التنويع بدل الاستبدال يتقاطع جانب كبير من إصدارات الأسبوع الماضي عند تراجع جاذبية الاعتماد على ضامن أمني خارجي واحد، لكن ذلك لم يتحول إلى إجماع على خروج أميركي من المنطقة. دعا عبد الله العمادي في «الأمن الخليجي: رؤية لما بعد الحرب» إلى بناء استراتيجيات دفاعية متعددة الطبقات وقدرات ردع مشتركة وتنويع الشراكات الأمنية، انطلاقًا من أن الضمانات الخارجية وحدها لم تعد كافية. وفي مركز الخليج للأبحاث، ظهرت دول الخليج بوصفها قوى متوسطة تحاول تحويل الثروة والطاقة والوساطة والمرونة الدبلوماسية إلى نفوذ أكبر في النظام الدولي، لا مجرد دول تبحث عن حماية من قوة كبرى. وعند فحص الشركاء الآسيويين، وجدت ليلى علي في «الشركاء الآسيويون وأمن الخليج» تقاطعًا واسعًا حول أهمية خفض التصعيد واستمرار تدفقات الطاقة وحرية الملاحة، لكن مع تفاوت كبير في استعداد الدول الآسيوية للمساهمة في تشكيل البيئة الأمنية نفسها. ومن زاوية عملية مختلفة، ناقشت النسخة العربية لـ«مساعدة دول الخليج وأوكرانيا على بناء شراكتهما في مواجهة الطائرات المسيّرة» إمكان توسيع التعاون في التدريب والتكنولوجيا والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، مستفيدة من خبرة أوكرانيا الميدانية في مواجهة المسيّرات. وطرح المركز العربي واشنطن دي سي السؤال الأكثر مباشرة: هل تتشكل بنية أمنية إقليمية «ما بعد الولايات المتحدة»؟ لكن النقاش نفسه أبقى الاحتمال مفتوحًا بين خفض الاعتماد على الضمانات الأميركية وبين بناء ترتيبات جديدة تكمل الشراكات القائمة بدل أن تستبدلها فورًا. اتفاقية مكة: من الإعلان إلى المأسسة كان أحد أبرز التطورات البحثية في الأسبوع انتقال اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان من النقاش في دلالتها السياسية إلى متابعة كيفية تحولها إلى ترتيبات مؤسسية. في «تحالف مكة ينتقل من الورق إلى التطبيق»، رأى مصطفى جانر أن اجتماع نهاية أغسطس يمثل خطوة نحو الانتقال من الإعلان السياسي إلى بناء آليات أكثر ديمومة. وفي اليوم التالي، قدمت سيتا معالجة أوسع بمشاركة عدد من الباحثين، تناولت إنشاء أمانة دائمة، وتوسيع الأنشطة العسكرية المشتركة، والتعاون الصناعي الدفاعي، وتطوير التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وتأثير ذلك المحتمل في توازنات الردع الإقليمي. والأهم أن الاتفاقية لم تعد تُقرأ بمعزل عن التحولات الأخرى. ففي «هل تغير موقع إسرائيل في الإستراتيجية الدفاعية التركية؟»، ربط سعيد الحاج بين الاستهدافات الإسرائيلية لمواقع مرتبطة بالوجود التركي في سوريا وبين تحول تدريجي في تصور أنقرة لإسرائيل من منافس إقليمي إلى مصدر تهديد مباشر. وهكذا بدأ نقاش اتفاقية مكة يتحول من سؤال «هل هي تحالف حقيقي؟» إلى سؤال أكثر تحديدًا: ما القدرات والمؤسسات التي ستنشأ عنها، وما حدود الالتزامات التي تستطيع تحويلها إلى ردع فعلي؟ سوريا: إعادة دمج الدولة واحتدام التنافس الإقليمي بدأ الأسبوع بتحليل للمجلس الأطلسي عن «أثر إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب»، ركز على ما تفتحه الخطوة من إمكانات لإعادة دمج البلاد اقتصاديًا وماليًا بعد سنوات من القيود والعزلة. وبعد ذلك بيومين، بحث معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مرحلة ما بعد حل «قوات سوريا الديمقراطية» بوصفها قوة عسكرية مستقلة، مشيرًا إلى أن دمج كوادرها ومؤسساتها داخل الدولة يمكن أن يحافظ على جانب من المعرفة والعلاقات التي تراكمت خلال سنوات التعاون مع الولايات المتحدة، لكنه يضع كذلك أسئلة توزيع الموارد وحقوق المكونات المحلية أمام دمشق. في الوقت نفسه، قرأ مركز الجزيرة للدراسات الضربات الإسرائيلية لمطار أبو الظهور في سياق أوسع من القلق الإسرائيلي حيال صعود الحضور العسكري التركي في سوريا، معتبرًا ذلك مؤشرًا إلى احتكاك استراتيجي متزايد بين أنقرة وتل أبيب. وبهذا تبدو سوريا أمام مسارين متزامنين: اندماج اقتصادي وسياسي أكبر في النظام الإقليمي والدولي، وارتفاع قيمتها في الوقت نفسه كساحة تنافس أمني بين القوى الإقليمية. الصين: شريك واعد لا بديل أمني قدمت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مادة مناسبة للمقارنة بين قراءتين. ركز محمد عبد العاطي في مركز الجزيرة للدراسات على اتساع الشراكة الصينية المصرية من البنية التحتية والتجارة إلى التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والقضايا الأمنية. أما تحليل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى فشدد على أن الصين تستطيع تقديم الكثير لمصر في الاستثمار والتكنولوجيا وربما التعاون الدفاعي، لكنها أقل قدرة على تقديم ما تبحث عنه القاهرة في مواجهة بعض التهديدات الإقليمية المباشرة. وفي الملف الإيراني، ذهب هنري توغيندهات وغرانت روملي في «الصين لا تخشى ضغط ترامب على إيران» إلى أن قدرة واشنطن على خنق الاقتصاد الإيراني تظل مقيدة ما دامت لا ترغب في تحويل الضغط على الروابط الصينية الإيرانية إلى مواجهة اقتصادية جديدة مع بكين. الصورة الناتجة ليست انتقال المنطقة من راعٍ أميركي إلى راعٍ صيني؛ بل اتساع مساحة المناورة أمام دول تحاول تنويع علاقاتها من دون إحلال قوة دولية واحدة محل أخرى. السعودية بين الأمن والذكاء الاصطناعي لم يقتصر حضور السعودية على اتفاقية مكة وأمن الخليج. فقد تناولت ورقة كابسارك اقتصاديات البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، وربطت القدرة على جذب الصناعات كثيفة الحوسبة بموثوقية الكهرباء وتكلفتها وكفاءة استخدام الموارد والاستدامة. وفي المقابل، نظر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى الطموحات السعودية في الذكاء الاصطناعي من زاوية العلاقات السعودية الأميركية، معتبرًا توسع الشراكات مع الشركات الأميركية فرصة لتعميق التعاون التقني المشروط بضوابط الأمن السيبراني والتقنيات الحساسة. الفارق بين العدستين واضح: الأولى تسأل كيف تتحول ميزة الطاقة السعودية إلى ميزة رقمية مستدامة، بينما تركز الثانية على ما تعنيه هذه الطموحات لموقع الولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية مع الصين. اليمن: خطر العودة إلى الحرب الواسعة قدم مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية واحدة من أبرز المواد اليمنية في الأسبوع، محذرًا من أن البلاد تقترب من خطر تجدد الحرب الشاملة بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا، في ظل تصاعد الهجمات واستخدام المسيّرات والصواريخ وتداخل المواجهة اليمنية مع الحرب الإقليمية الأوسع. وتنبع أهمية الملف من أنه يربط بين السعودية والبحر الأحمر وباب المندب وإيران وأمن الممرات البحرية، بحيث لا يمكن قراءة اليمن بوصفه صراعًا محليًا منفصلًا عن إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. فلسطين: السياسة والسلاح والعنف وإعادة بناء الاقتصاد في معهد دراسات الأمن القومي، انصب الاهتمام على احتمال مشاركة حماس في قائمة فلسطينية وطنية موسعة في الانتخابات المقبلة، مع تحذير إسرائيلي من أن يؤدي ذلك إلى دمج الحركة سياسيًا من دون إلزامها بشروط تتعلق بالسلاح أو الاتفاقات السابقة. وفي اتجاه مختلف، حذر يوسف منير في المركز العربي واشنطن دي سي من تفسير تراجع التأييد لحماس على أنه تحول تلقائي نحو فتح أو المسار السياسي القائم، معتبرًا أن قراءة الرأي العام الفلسطيني تتطلب فهمًا أكثر تعقيدًا لطبيعة التحولات التي أحدثتها الحرب. أما أليساندرا سكاليا في معهد الشؤون الدولية الإيطالي فناقشت تحول عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى ظاهرة أكثر اتصالًا بالحماية والتمكين المؤسسي، وما يكشفه ذلك من ثغرات في طريقة تطبيق الأطر الغربية لمكافحة الإرهاب والعنف المتطرف. وفي غزة، اتجه المجلس الأطلسي إلى سؤال اقتصادي عملي: كيف يمكن إعادة بناء قطاع العمل عن بُعد بوصفه وسيلة لتوليد الدخل؟ وربطت الورقة ذلك بالكهرباء والاتصال والمعدات ومساحات العمل وأنظمة الدفع والحماية القانونية، لا بالتدريب التقني وحده. العراق: اختبار احتكار الدولة للسلاح ركز يارون شنايدر في «خطة نزع سلاح الميليشيات العراقية» على الموعد المحدد في نهاية سبتمبر لتنفيذ الخطة، وعلى الانقسام بين فصائل أكثر استعدادًا للتسوية وأخرى أكثر ارتباطًا بإيران ورفضًا للتخلي عن السلاح. ويجعل ذلك العراق واحدًا من أهم الملفات التي تستحق المتابعة في الأسابيع المقبلة، لأن النتيجة ستتجاوز مصير مجموعة من الفصائل إلى اختبار قدرة الدولة العراقية على فرض احتكارها للقوة في مواجهة شبكات مسلحة ذات امتدادات سياسية وإقليمية. من كان في قلب الاهتمام؟ شكّلت إيران ومضيق هرمز مركز الثقل الأوسع في إنتاج الأسبوع، لكن حضورهما لم يقتصر على الحرب نفسها؛ بل امتد إلى العقوبات، والطاقة، والقواعد العسكرية، والصين، واليابان، والمسيّرات والصواريخ، ومستقبل التحالفات. وظهرت السعودية ودول الخليج بصورة فاعل يعيد ترتيب خياراته، من اتفاقية مكة والتعاون الدفاعي إلى علاقات آسيا والذكاء الاصطناعي والطاقة. أما سوريا فبرزت بوصفها نقطة التقاء بين إعادة بناء الدولة والتنافس التركي الإسرائيلي، فيما حضرت الصين عبر مصر وإيران وأمن الطاقة، وظلت فلسطين واليمن والعراق مرتبطة بأسئلة السلاح والسيادة وإعادة الإعمار واحتمالات التصعيد. اتجاهات المواقف أوضح خلاف فكري في المواد المنتقاة كان حول الضغط على إيران. اتجاه يرى أن استمرار الحصار والضغط التدريجي يمكن أن يضعف طهران بمرور الوقت؛ واتجاه آخر يرى أن هذه السياسة قد تمنح المتشددين مزيدًا من النفوذ أو تطيل الصراع من دون استراتيجية خروج واضحة. ويظهر هذا التباين بوضوح بين جيمس جيفري في معهد واشنطن ودانيال نيب في المركز العربي واشنطن دي سي، إلى جانب نقاش المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لمخاطر جولة جديدة من «الضغط الأقصى». وفي أمن الخليج، لم يظهر النقاش في صورة «الولايات المتحدة أم الصين»، بل في صورة تنويع للمصادر والقدرات: وجود أميركي يعاد تصميمه، وقدرات خليجية ذاتية، وتحالفات دفاعية إقليمية جديدة، وشركاء آسيويون وأوروبيون في مجالات محددة. اختلاف العدسات ركزت المراكز الأميركية بدرجة واضحة على مستقبل القوة والسياسة الأميركيتين: شكل القواعد، واستدامة العقوبات، وأثر الحرب على استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا، وسبل الحفاظ على النفوذ في الخليج. في المقابل، أعطت المؤسسات اليابانية والأوروبية وزنًا أكبر لـأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية وإزالة الكربون، بينما ركزت مراكز خليجية وعربية على بناء القدرة الذاتية وتنويع الشراكات وإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي. وفي المواد الإسرائيلية، برز اهتمام أكبر بمستقبل حماس، والميليشيات العراقية، وتوازنات تركيا، وانعكاسات التحولات الجديدة على البيئة الأمنية الإسرائيلية. على شاشة الرادار خلال الفترة المقبلة تستحق المتابعة خصوصًا: خطوات مأسسة اتفاقية مكة؛ أي تغيير في هندسة القواعد والانتشار العسكري الأميركي في الخليج؛ المهلة العراقية لنزع سلاح الميليشيات؛ التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا؛ احتمال تجدد الحرب الواسعة في اليمن؛ ومدى تحول أزمة هرمز إلى تغييرات طويلة الأجل في سياسات الطاقة الآسيوية. كما يستحق مسار منظمة شنغهاي للتعاون الانتباه بعد أن ناقش مركز «دراسات» إمكانات الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي مع بقاء المنظمة بعيدة عن التحول إلى كتلة أمنية جماعية على نمط الأحلاف العسكرية التقليدية. ما الذي بقي في الظل؟ بقيت ملفات مثل لبنان والسودان في الظل خلال هذه الفترة، كما تراجعت القضايا الاجتماعية والتنموية الداخلية أمام الأمن والطاقة والتحالفات والحرب. ولا يعني ذلك غياب إنتاج بحثي عنها، وإنما أنها لم تنافس القضايا المتصدرة في المواد التي اكتسبت الحضور الأبرز خلال الأسبوع. الخلاصة الصورة التي تقدمها مراكز الأبحاث خلال هذا الأسبوع ليست صورة شرق أوسط ينتظر انتهاء حرب كي يعود إلى وضعه السابق. القواعد العسكرية الأميركية نفسها تخضع للمراجعة، ودول الخليج توسع شبكاتها الأمنية، واتفاقية مكة تبدأ الانتقال من الرمز السياسي إلى البناء المؤسسي، واليابان والصين تعيدان حساب أمن الطاقة، وسوريا تتحرك نحو مزيد من الاندماج الاقتصادي، بينما ترتفع حساسيتها كساحة تنافس تركي إسرائيلي، وغزة واليمن والعراق تعيد طرح الأسئلة القديمة بصيغ جديدة: من يملك السلاح؟ من يملك موارد التعافي؟ ومن يستطيع تحويل السيادة من نص قانوني إلى قدرة فعلية؟ لذلك، يبدو أن الخيط الأقوى الذي يربط إصدارات هذا الأسبوع هو إعادة التفكير في الاعتماد: الاعتماد على قاعدة عسكرية كبيرة، أو مضيق واحد، أو مورد طاقة واحد، أو قوة دولية واحدة، أو منظومة أمنية لم تعد قادرة على حماية المنطقة بالشروط القديمة.