من رفاق السلاح إلى اختبار للدولة.. كيف تحل سوريا عقدة المقاتلين الأجانب؟

خلال سنوات الحرب، كان وصف «المقاتلين الأجانب في سوريا» يجمع تحت مظلة واحدة أشخاصًا شديدي الاختلاف: أويغورًا وأوزبكًا وقوقازيين قاتلوا إلى جانب المعارضة، وأفغانًا وباكستانيين ولبنانيين وعراقيين جاءت بهم إيران للدفاع عن نظام الأسد، وأجانب التحقوا بداعش، وعناصر غير سورية ارتبطت بقوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني. بعد سقوط الأسد، لم يعد السؤال مَن قاتل مع مَن، بل من يملك السلاح في سوريا الجديدة، ولمن يخضع، وما مصير من استقر فيها وبنى أسرة، وكيف تمنع دمشق أراضيها من أن تصبح قاعدة لصراعات الآخرين من دون أن تعالج إرث الحرب بالعقاب الجماعي أو بتسليم سيادتها لرغبات الخارج.

 

ثمة طريقة سهلة جدًا لكتابة هذا التقرير: نبدأ برقم كبير للمقاتلين الأجانب، نضع بجانبه أسماء «الحزب الإسلامي التركستاني» و«الأوزبك» و«الجهاديين الفرنسيين»، ثم نعدد المخاطر التي تراها واشنطن وبكين والعواصم الأوروبية.

لكنها ستكون طريقة مضللة. فـ«المقاتل الأجنبي» ليس توصيفًا قانونيًا مرادفًا تلقائيًا لـ«الإرهابي الأجنبي». وقرار مجلس الأمن 2178 عرّف تحديدًا «المقاتلين الإرهابيين الأجانب» بمن يسافرون إلى دولة أخرى بغرض ارتكاب أعمال إرهابية أو التخطيط لها أو المشاركة فيها أو تلقي التدريب الإرهابي. أما «المقاتل الأجنبي» بالمعنى الأوسع، فيشمل تاريخيًا أفرادًا شاركوا في نزاعات خارج بلدانهم لأسباب سياسية أو دينية أو قومية متعددة؛ وهو تمييز تؤكده كذلك الأدبيات المقارنة، ومنها كتاب ديفيد ماليت «المقاتلون الأجانب: الهوية العابرة للحدود في النزاعات الأهلية».

وهذا التفريق ليس ترفًا لغويًا. فإذا بدأت الدولة باعتبار الجنسية الأجنبية دليل إدانة، فهي تضع في سلة واحدة من قاتل مع داعش، ومن قاتل ضد داعش، ومن انضم بعد الحرب إلى مؤسسة عسكرية رسمية، ومن ترك السلاح، ومن يعيش مع أسرته منذ أكثر من عَقد، ومن تقوم الأدلة على ارتكابه جرائم، ومن لم توجه إليه تهمة أصلًا.

أما إذا ذهبت إلى الطرف الآخر واعتبرت كل من قاتل إلى جانب المعارضة «ضيفًا وفيًا لسوريا» لا ينبغي المساس به، فهي تحول رفقة الحرب إلى حصانة دائمة من القانون.

المصلحة السورية تقع بين هذين النقيضين.

المعيار الذي تحتاجه الدولة ليس جواز السفر وحده، بل: لمن السلاح؟ ولمن الولاء؟ ومن يملك أمر استخدام القوة؟ وهل يخضع الشخص للقانون السوري وللمساءلة نفسها التي يخضع لها السوري؟

كم عددهم؟ لا يوجد رقم واحد دقيق

أحدث تقدير مفصل صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، ذكر في مايو أن عدد المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في إسقاط نظام الأسد وما زالوا يحملون السلاح نحو خمسة آلاف مقاتل. وكتب نانار حواش وجيروم دريفون في «معركة إخضاع الفيالق الأجنبية لسلطة الدولة في سوريا» أن الأويغور يشكلون قرابة ثلثي هذه الكتلة، بينما يتوزع الآخرون بين عرب غير سوريين وآسيويين وسطيين وأوروبيين. وتؤكد المراجع الصادرة عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء ومركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت هذا التقدير بوصفه أفضل تقدير متاح، لا إحصاءً رسميًا.

أما «تقرير فريق الرصد الثامن والثلاثين» التابع لمجلس الأمن، الصادر في 10 أغسطس والمستند إلى معلومات تلقتها الأمم المتحدة حتى 9 يونيو، فيقدر أعضاء الحزب الإسلامي التركستاني وحده بنحو 3500 مقاتل، ويقول إنهم أُدمجوا في القوات السورية الجديدة، ولا سيما الفرقة 84. لكن التقرير جزء من منظومة جزاءات داعش والقاعدة، ويجمع في بعض فقراته بين معلومات موثقة وتقييمات أرسلتها دول أعضاء؛ لذلك ينبغي قراءة تقديراته بهذه الصفة، لا كأنها نتائج تعداد سوري مستقل أو أحكام قضائية على آلاف الأفراد.

وفي يونيو، كتب الصحفي السوري مصطفى رستم في تقرير «أصوات تمرد ترتفع بين المقاتلين الأوزبك في سوريا»، عبر «إندبندنت عربية»، أن وزارة الدفاع نجحت في دمج نحو 3500 مقاتل أجنبي، بينما تداولت مصادر أخرى تقديرات أوسع تراوحت بين خمسة وسبعة آلاف لمن بقي من تشكيلات أجنبية مختلفة.

الاختلاف ليس بالضرورة تناقضًا. فبعض الأرقام تحصي المندمجين في الجيش، وبعضها يحصي الفصائل المناهضة للأسد فقط، وبعضها يستخدم تعريف «المقاتل الإرهابي الأجنبي»، وبعضها يشمل مستقلين لم ينضموا إلى الدولة.

لذلك فإن الإجابة المهنية عن سؤال «كم عدد المقاتلين الأجانب في سوريا؟» في سبتمبر 2026 هي: لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات علنية موحدة تقدم رقمًا نهائيًا موثوقًا.

وهذه الفجوة نفسها مشكلة سيادية. فالدولة التي تريد إدارة الملف تحتاج أولًا إلى أن تعرف، فردًا فردًا، من يوجد على أراضيها، وأين، وبأي وضع قانوني وعسكري.

من «ضيوف الثورة» إلى مشكلة الدولة

في خطاب الحكومة السورية نفسها، ثمة اعتراف واضح بالدَّين السياسي والأخلاقي لبعض هؤلاء المقاتلين.

فعندما سئل أحمد الشرع في باريس عنهم، بتاريخ مايو 2025، قال في المؤتمر الصحفي الذي نقلته سانا تحت عنوان «الرئيس الشرع خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي: لا مبرر لبقاء العقوبات بعد إسقاط النظام»: إن منهم من جاء «لمساعدة السوريين في محاربة النظام»، وأكد أن الدولة أبلغت العواصم الأخرى «التزام هؤلاء المقاتلين بالقانون السوري» وألا يشكلوا تهديدًا لدول أخرى. لكنه لم يعدهم بالجنسية، بل قال إن مسألة الحصول عليها يحددها الدستور بعد صياغته.

وهذه النقطة مهمة لأن بعض التغطيات الأجنبية تتحدث عن «تجنيس المقاتلين» كما لو أنه قرار محسوم. بينما المتاح رسميًا حتى الآن لا يثبت اعتماد برنامج تجنيس جماعي لهم. بل إن أحدث الدراسات الأمريكية نفسها، ومنها دراسة أدريان شتوني في مركز مكافحة الإرهاب، تشير إلى أن منح الجنسية ظل معلقًا وأن الحملة التي طالبت به لم تتبعها منح جماعية ذات شأن.

لكن الاعتراف بالدَّين التاريخي شيء، وإدارة الدولة شيء آخر.

حين كان هؤلاء ضمن فصائل تقاتل الأسد، أمكن أن تقوم العلاقة على التحالف والثقة الشخصية وتاريخ الجبهات. أما بعد سقوطه، فلا تستطيع دولة طبيعية أن تحتفظ داخل جيشها بجزر عسكرية تحكمها روابط القائد القديم والجنسية المشتركة والعقيدة السابقة.

وهنا كان خيار دمشق العملي منذ 2025: الاندماج في مؤسسات الدولة أو فقدان الحق في الاحتفاظ بتنظيم مسلح مستقل.

يصف آرون زيلين هذا النهج في أحدث دراسة متخصصة منشورة حتى الآن، في 31 أغسطس 2026، تحت عنوان «إدارة المهاجرين: مستقبل المقاتلين الأجانب في سوريا». ويرى أن دمشق امتصت معظم الكتلة الأجنبية داخل هياكل القيادة الحكومية بدل تركها خارج الدولة، ولذلك ينتقد المقاربة الأمريكية التي تختزل النجاح في عدد البنادق التي تُنزع من الأجانب. بحسب حجته، يمكن لسياسة «نزع السلاح بالعدّ» أن تدفع عناصر موجودة حاليًا داخل تشكيلات مرئية وقابلة للضبط إلى شبكات مستقلة وأصعب في المراقبة.

هذه واحدة من الحالات التي يقدم فيها مصدر أمريكي حجة أقرب إلى المصلحة السورية من بعض السياسات الأمريكية الرسمية نفسها.

لكن زيلين لا يقول إن الإدماج الحالي حل المشكلة. بل إن المشكلة التالية هي: ماذا تعني كلمة «دمج» فعلًا؟

ارتداء زي الجيش لا يكفي

التوحيد الشكلي أسرع كثيرًا من بناء جيش وطني.

وتلك ليست مشكلة المقاتلين الأجانب وحدهم. حايد حايد، في مذكرة مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية «نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في سوريا.. خيوط واهية للحفاظ على تماسك المرحلة الانتقالية»، يصف عملية دمج الفصائل السورية نفسها بأنها تقدمت تنظيميًا أسرع مما تقدمت سياسيًا ومؤسسيًا: التشكيلات دخلت تحت أسماء فرق ووحدات جديدة، لكن بعض القادة احتفظوا بنفوذهم غير الرسمي وولاءات مقاتليهم. ومن ثم فإن العيب البنيوي أوسع من مسألة الأجانب: قد يصبح الجيش موحدًا على الهيكل التنظيمي بينما تبقى داخله شبكات زمن الحرب.

هذا بالضبط ما يلفت إليه حواش ودريفون في دراسة مجموعة الأزمات. فالفصائل السورية والأجنبية تخلت عن راياتها القديمة ولبست الزي الرسمي، لكن بعضها دخل الجيش كتلة متماسكة تحت قيادته السابقة. وأصبح الحزب الإسلامي التركستاني أساس ثلاث ألوية داخل الفرقة 84، فيما ساعد الإبقاء على قادة مألوفين في المحافظة على الانضباط داخل الوحدات ذات الغالبية الأجنبية.

كان لهذا منطق وجيه في الأيام الأولى بعد انهيار النظام. كان على السلطة الجديدة أن تمنع الفراغ الأمني، وتحتفظ بقوة عسكرية منضبطة، وتتجنب في الوقت نفسه تحويل آلاف الرجال المسلحين الذين قاتلوا معها لسنوات إلى خصوم في صباح اليوم التالي.

لكن حل الطوارئ لا ينبغي أن يصبح دستورًا دائمًا للجيش.

فإذا ظل قائد أجنبي قادرًا على منع الشرطة العسكرية من توقيف أحد رجاله إلا بعد أخذ موافقته، أو بقيت الوحدة تتلقى أوامرها فعليًا من هرمها القديم قبل هرم الدولة، فالمشكلة ليست أنه أجنبي؛ المشكلة أن السيادة العسكرية غير مكتملة.

الأوزبك اختبروا حدود المعادلة

شهدت إدلب في مايو ويونيو واحدة من أوضح العلامات على هذا التوتر.

بحسب مصطفى رستم في «أصوات تمرد ترتفع بين المقاتلين الأوزبك في سوريا»، رفضت مجموعات أوزبكية مستقلة الالتحاق بالفرقة 84، وظهرت احتجاجات واعتراضات بعد توقيف أحد المقاتلين، فيما طالبت مجموعات بألا يعتقل أفرادها من دون إخطار قياداتها السابقة. وهددت السلطات، وفق التقرير، من يرفض الاندماج بالبقاء عرضة للإجراءات الأمنية.

ثم كشف الصحفي السوري محمد كساح في «الترا سوريا»، في «عددهم يتزايد بهجرة محدودة.. ماذا نعرف عن الأوزبك المستقلين؟»، أن المشكلة لا تقتصر على المقاتلين القدامى؛ إذ أفادت مصادر أمنية ومحلية بوصول عشرات الأوزبك خلال الأشهر السابقة، غالبًا لصلات عائلية وشخصية بمقيمين في إدلب. ويصف التقرير التدفق بأنه محدود، لكنه يلفت إلى وجود فئة مستقلة لا تتبع وزارة الدفاع، وهي الفئة التي تراها الأجهزة السورية أكثر إثارة للمخاوف.

وهنا ينبغي الفصل بين مسألتين:

  1. وجود زوجة أو قريب أو طفل يلتحق بعائلته المقيمة في سوريا ليس «موجة مقاتلين أجانب».
  2. أما وصول رجال جدد بهدف الانضمام إلى تشكيل عسكري أو تلقي التدريب، بعد أن انتهت الحرب التي كانت الذريعة الأصلية للقدوم، فهو مسألة مختلفة تمامًا.

ومن مصلحة سوريا أن تغلق هذا الباب بوضوح. من يمكن تسوية وضعه ممن أصبح جزءًا من الواقع السوري شيء؛ وتحول سوريا الجديدة إلى مقصد مستمر لتجنيد مقاتلين من الخارج شيء آخر.

الأويغور: حيث تتصادم المصلحة السورية والصينية

لا توجد مجموعة تجعل التناقض أوضح من المقاتلين الأويغور.

التغطية الغربية والأممية والصينية تقدمهم غالبًا من بوابة الحزب الإسلامي التركستاني وعلاقاته الجهادية. لكن تحقيقًا ميدانيًا طويلًا أجرته إميلي فنغ لصالح الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية، بعد أكثر من أربعين مقابلة مع مقاتلين أويغور وأفراد أسرهم، أظهر صورة أكثر تعقيدًا.

في «المقاتلون الأجانب الذين ساعدوا في إسقاط الأسد.. ولماذا تقلق الصين منهم»، تحدث بعض المقاتلين عن القمع الذي تعرض له الأويغور في الصين بوصفه الدافع إلى مغادرتهم، وعن تعلم القتال في سوريا، ثم المشاركة الفعلية في حربها وبناء مجتمعات وأسر فيها. وفي تقرير آخر بعنوان «كيف ساعد أويغور الصين المعارضة السورية على إسقاط بشار الأسد»، روت فنغ كيف تحول ارتباطهم بسوريا بمرور السنوات من محطة مؤقتة إلى حياة ممتدة لأسر كاملة.

لكن التحقيق نفسه لا يبرئ الجميع من الطموح العابر للحدود. بعض من قابلتهم فنغ تحدثوا صراحة عن حلم العودة يومًا للقتال من أجل السيطرة على شينجيانغ، التي يسمونها تركستان الشرقية. وهذه التصريحات، إلى جانب ما يورده تقرير فريق الرصد الأممي عن خطاب بعض قيادات الحزب، تفسر جانبًا حقيقيًا من القلق الصيني؛ ولا ينبغي تجاهله لمجرد أن بكين صاحبة مصلحة في تضخيمه.

أما بكين فتقدم القضية بصيغة أكثر صرامة واتساعًا. ففي أحدث موقف رسمي بارز لها، قال القائم بالأعمال الصيني سون لي أمام مجلس الأمن، في كلمة «التعامل مع التهديدات الإرهابية في سوريا»، إن على دمشق اتخاذ إجراءات ضد التنظيمات التي تعتبرها الأمم المتحدة إرهابية، وخص بالاسم حركة تركستان الشرقية، مع مطالبة بمنع استخدام الأراضي السورية لتهديد دول أخرى.

هذه مصلحة صينية مفهومة. لكنها ليست تعريفًا تلقائيًا للمصلحة السورية.

تتقاطع مصلحتا البلدين في نقطة أساسية: ألا تستخدم أراضي سوريا للتخطيط لهجوم على الصين أو أي بلد آخر.

لكن لا يترتب على ذلك أن تصبح دمشق جهاز تنفيذ لسياسات بكين تجاه كل أويغوري يعيش في سوريا، أو أن تُعامل الأسر والأطفال والأفراد الذين لا توجد ضدهم قضية جنائية بوصفهم كتلة أمنية واحدة.

سوريا تستطيع أن تقول للصين أمرين في الوقت نفسه: لن نسمح بعمليات ضدكم من أراضينا؛ ولن نستبدل بالقانون السوري تصنيفًا جماعيًا تحدده دولة أخرى.

ما الذي تغير داخل هذه الجماعات فعلًا؟

ثمة سبب آخر يدعو إلى الحذر من اللغة الجامدة.

الجماعات المسلحة ليست موادًا كيميائية تحتفظ بالخصائص نفسها مهما تغير الزمن والبيئة.

درس جيروم دريفون هذه المسألة قبل وصول هيئة تحرير الشام إلى دمشق في كتابه «من الجهاد إلى السياسة: كيف تبنّى الجهاديون السوريون العمل السياسي». ويشرح عبر حالة جبهة النصرة وأحرار الشام كيف دفعت البيئة السورية بعض الحركات التي خرجت من تقاليد جهادية عابرة للحدود إلى إعطاء الأولوية للصراع المحلي، وبناء علاقات مع السكان وفصائل أخرى ودول، والانتقال تدريجيًا إلى منطق سياسي أكثر محلية.

وعاد دريفون مع باتريك هاني بعد سقوط الأسد إلى هذا التحول في كتاب «تحولوا بفعل المجتمع: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا»، الذي يتتبع انتقال الهيئة من جماعة ذات جذور في القاعدة إلى حركة إسلامية محافظة تدير مؤسسات وتحكم أرضًا ثم تقود الدولة الجديدة.

لا تعني هذه الأدبيات أن التحول مكتمل، أو أن تغير الخطاب يمحو التاريخ، أو أن كل مقاتل أجنبي مر بالمسار نفسه.

لكنها تدحض فرضية مقابلة شائعة في بعض الكتابات الأمنية: أن الشخص الذي دخل سوريا قبل عشرة أعوام بدافع جهادي لا يمكن أن يتغير سلوكه أو ولاؤه السياسي مهما عاش وتزوج وأنجب وارتبط بمجتمع محلي.

الدولة لا تحتاج إلى الإيمان بحسن النيات أو سوء النيات، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اختبار السلوك.

الاختبار الحقيقي: هل توجد دولة فوق الفصيل؟

هذه هي النقطة التي تجعل مسألة المقاتلين الأجانب جزءًا من سؤال بناء الجيش السوري كله.

في مايو، قدمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان واحدة من أكثر الخرائط السورية توازنًا في تقريرها «إعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة في سوريا في المرحلة الانتقالية: مسارات نحو استقرار مستدام». لا تدعو الورقة إلى تطهير المؤسسة الجديدة من كل من شارك في الحرب، ولا إلى طي صفحة الماضي بعفو شامل؛ بل تربط إعادة الإدماج بثلاثة أشياء متزامنة: نزع السلاح والتسريح والإدماج حيث يلزم، ومحاسبة الجرائم الجسيمة، وخلق سبل عيش واستقرار اجتماعي لمن يخرج من العمل المسلح.

وفي يوليو، صاغت هيومن رايتس ووتش معيارًا يصلح للتطبيق على السوري والأجنبي معًا في مذكرتها «مساهمة في الاستعراض الدوري الشامل للجمهورية العربية السورية»: تدقيق شفاف لكل قائد ومقاتل يدخل مؤسسة عسكرية أو أمنية، وتعليق عمل من توجد أدلة موثوقة على تورطه في انتهاكات خطيرة إلى حين التحقيق، وتفكيك الوحدات التي يثبت تورطها في الانتهاكات، وإخضاع الجميع لسلسلة قيادة واحدة معروفة وخاضعة للرقابة المدنية.

هذه المقاربة تتفوق على معيار الجنسية في نقطتين:

أولًا، إنها لا تمنح السوري حصانة لأنه سوري. فالجرائم التي ارتكبتها تشكيلات سورية في الساحل والسويداء لا تصبح أقل خطورة لأن مرتكبيها يحملون الجنسية.

وثانيًا، لا تجعل الأجنبي مجرمًا بحكم الأصل وحده.

وهكذا تنتقل الدولة من تصنيف الناس إلى فحص الأفعال والولاءات والقدرة على الانضباط.

والانتهاكات لا يجوز اختزالها في «العناصر الأجنبية»

هذه النقطة مهمة أيضًا في مواجهة سردية سهلة ظهرت في بعض التقارير الأجنبية بعد أحداث الساحل والسويداء: ربط التجاوزات تلقائيًا بالمقاتلين الأجانب وإيحاء أن المشكلة دخلت إلى سوريا من الخارج.

المصادر الحقوقية لا تدعم هذا الاختزال.

توثق هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومجموعات متحالفة معها وأطراف محلية أخرى خلال جولات العنف، فيما يشير تقييم مجموعة الأزمات إلى تورط أجانب في بعض الوقائع لكن مع بقاء القسم الأكبر من الانتهاكات التي تناولتها تلك الدراسات منسوبًا إلى سوريين.

وهذا لا يقلل مسؤولية أي أجنبي ارتكب جريمة.

لكنه يمنع استخدامه كبش فداء يتيح للدولة الإفلات من السؤال الأهم: هل تستطيع سلسلة القيادة السورية منع الانتهاك ومحاسبة مرتكبه، أيًا كانت جنسيته؟

والمقاتلون الأجانب لم يكونوا يومًا معسكرًا واحدًا

أكثر جوانب الخطاب عن هذا الملف انتقائية أنه استخدم خلال سنوات طويلة للإشارة، في الغالب، إلى الأجانب الذين قاتلوا المعارضة أو قاتلوا في صفوف الجماعات الجهادية السنية، بينما استُخدمت تسميات أخرى للمقاتلين الأجانب الذين أرسلتهم إيران إلى سوريا.

لكن من زاوية السيادة السورية، الفارق السياسي بين هذه التشكيلات لا يلغي حقيقة مشتركة: كلها قوات غير سورية حملت السلاح داخل سوريا خدمةً لمشروعات عسكرية مختلفة.

لواء فاطميون، مثلًا، جُنّد أساسًا من أفغان شيعة، كثير منهم من مجتمع الهزارة المقيم في إيران، وقاتل إلى جانب قوات الأسد تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني. يقدم فضل الهادي وزين خلفية لهذا المسار في الجزيرة في . (الجزيرة نت)

وفي يونيو 2026، تحدث صبغة الله صابر إلى مقاتلين سابقين في اللواء في تقرير «العربي الجديد» . وتروي شهاداتهم الانسحاب السريع من سوريا، والانتقال إلى إيران ثم عودة بعضهم إلى أفغانستان بعد انهيار النظام الذي جاؤوا للدفاع عنه.

وهذا التاريخ يغير تصور المسألة.

فلا يصح لسوريا أن تعتبر وجود المقاتل الأجنبي مقبولًا أو مرفوضًا تبعًا إلى أي طرف قاتل معه في الماضي.

المبدأ الذي يفيد سوريا هو: انتهى زمن أن تستورد القوى الخارجية رجالًا مسلحين إلى الأراضي السورية، سواء كان الراعي إيران أو تنظيمًا جهاديًا أو حزبًا عابرًا للحدود أو دولة أخرى.

ثم هناك أجانب قسد.. وهو ملف ثالث مختلف

حتى أغسطس الماضي، ظل داخل قوات سوريا الديمقراطية عناصر وقيادات غير سورية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. هؤلاء ليسوا جزءًا من كتلة الحزب الإسلامي التركستاني، ولا من داعش، ولا من التشكيلات التي قاتلت مع هيئة تحرير الشام.

ومع ذلك فإن اختبار السيادة واحد.

تنص الموقعة في 18 يناير على إخراج جميع قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من البلاد، بالتوازي مع الدمج الفردي للعناصر السورية وتسلم الدولة مسؤولية السجون والمخيمات.

وفي 25 أغسطس أعلن مظلوم عبدي حل قسد واندماجها في مؤسسات الدولة، وهو تطور رحبت به السعودية وقطر والكويت والأردن والبحرين. وتبرز في المواقف العربية المعلنة فكرة تستحق الاهتمام هنا: سوريا المستقرة تحتاج إلى دولة واحدة ومؤسسة عسكرية واحدة واحتكار الدولة للسلاح.

وهذا المبدأ يصبح أكثر اتساقًا حين يطبق على الجميع.

فليس منطقيًا مطالبة عناصر حزب العمال غير السوريين بالمغادرة لأن السيادة لا تسمح بقوة عابرة للحدود، ثم قبول قوة أجنبية مستقلة أخرى لأنها قاتلت في المعسكر الصحيح.

لكن ليس منطقيًا أيضًا مساواة شخص أجنبي اندمج فرديًا في الجيش وخضع للقانون بعنصر تنظيم عابر للحدود يحتفظ بقيادته وسلاحه وقراره.

داعش: ملف مختلف لا يجوز خلطه بالبقية

أخطر الأخطاء الممكنة هو أن يتحول تعبير «المقاتلون الأجانب» إلى جسر لغوي يربط تلقائيًا الأويغور والأوزبك المندمجين في الجيش بمعتقلي داعش وعائلاتهم.

هذا ليس صحيحًا.

أحدث تقرير لفريق الرصد الأممي يقول إنه بعد انتقال السيطرة في شمال شرقي سوريا، نُقل 5704 محتجزين مرتبطين بداعش من عشرات الجنسيات إلى العراق، بينما ظل وضع آلاف آخرين غير واضح. كما أثار إغلاق مخيم الهول والفوضى في حركة سكانه مخاوف من فقدان أثر آلاف النساء والأطفال وأشخاص آخرين كانوا محتجزين هناك.

لكن حتى تعبير «مرتبطون بداعش» يحتاج إلى تدقيق.

تقول هيومن رايتس ووتش في تقريرها إن نحو 12,500 من سكان الهول وروج قبل التغيرات الأخيرة كانوا أجانب من أكثر من ستين دولة، وكان أغلب المقيمين في المخيمين من النساء والأطفال. وتحذر المنظمة من معاملتهم كتلة جنائية واحدة، وتطالب بفحص فردي، وحماية الأطفال، ومنع الاتجار والاستغلال والتجنيد.

وتضيف هيومن رايتس ووتش أن بعض المحتجزين لم تُفصل أصلًا قضاياهم أمام قضاء يوفر الضمانات المطلوبة، وأن على دول الجنسية أن تتحمل مسؤولية رعاياها بدل إبقاء سوريا والعراق يحملان الملف إلى ما لا نهاية.

من وجهة نظر سورية، المطلوب هنا ليس «دمج مقاتلي داعش».

المطلوب قضاء: من توجد عليه أدلة على جريمة يُحاكم محاكمة عادلة؛ ومن لا توجد عليه قضية لا يبقى محتجزًا إلى الأبد؛ والأطفال لا يرثون جرم الآباء؛ والدول الأجنبية لا يجوز أن ترفض رعاياها ثم تطالب دمشق بحراسة المشكلة نيابة عنها.

الخطر الذي لا ينبغي تجاهله: عودة سوريا إلى أن تكون مقصدًا

إذا كان الاندماج يعالج إرثًا عمره أكثر من عقد، فهناك خطر مختلف تمامًا: أن تؤدي شرعية الحكومة الجديدة أو استمرار شبكات المقاتلين القدامى إلى توافد جديد.

زيلين يقول في إنه لا توجد بيانات علنية موثوقة تسمح بالحديث عن موجة كبيرة بعد سقوط الأسد، وإن المؤشرات المتاحة تشير إلى تدفق محدود لا إلى تعبئة عالمية شبيهة بعامَي 2013 و2014.

وتتوافق مع ذلك إفادات «الترا سوريا» عن عشرات الأوزبك الجدد، لا آلاف.

لكن حتى التدفق الصغير يجب التعامل معه من بدايته.

لأن المقاتل القديم مشكلة انتقالية؛ أما تجنيد مقاتل أجنبي جديد فهو سياسة مستقبلية.

إذا كانت دمشق تريد القول إن وجود الآلاف الحاليين إرث حرب لا تستطيع تصفيته بقرار إداري، فإن أقوى دليل على صدق حجتها هو أن تجعل من المستحيل تقريبًا إعادة إنتاج الظاهرة.

ملف السكن والملكية: ما لا تراه الدراسات الأمنية عادة

هناك جانب آخر لا يظهر عندما ينظر الباحث إلى المقاتلين بوصفهم «وحدات أمنية»: أين يعيشون؟

بعض الأجانب أمضوا أكثر من عشر سنوات في الشمال السوري، وتزوجوا وأنجبوا أطفالًا وأقاموا أعمالًا تجارية ومجتمعات محلية. في يونيو، وصف تقرير إميلي فنغ مخابز ومتاجر وحياة أسرية لمجتمعات أويغورية استقرت في شمال سوريا، وهو جانب يغيب تقريبًا عن تقارير مكافحة الإرهاب.

لكن الاستقرار الاجتماعي لا يجوز أن يأتي على حساب السوري الذي يعود من النزوح فيجد منزله مشغولًا أو متداولًا في نظام ملكية نشأ في زمن الحرب.

وينقل تحقيق «الترا سوريا» عن الفوعة شكاوى من ارتفاع أسعار العقارات ومنازل ما زالت أوضاع ملكيتها مرتبطة بما كان يعرف بـ«مكتب الغنائم».

لهذا فإن تسوية وضع الأسرة الأجنبية يجب أن تسير بالتوازي مع استعادة حقوق الملكية للسوريين.

من استقر في سوريا بصورة قانونية يحتاج إلى مسكن وحياة مدنية.

ومن هُجّر من منزله يحتاج إلى منزله أو تعويض عادل عنه.

ولا يجوز حل المشكلة الأولى بسرقة حق صاحب الثانية.

واشنطن تريد «نزع السلاح».. لكن هل هذا هو المعيار الصحيح لسوريا؟

تضغط السياسة الأمريكية باتجاه تقليص دور المقاتلين الأجانب، وظهرت في التشريع الأمريكي شروط ومراجعات تربط جوانب من الدعم والعلاقة مع دمشق بإخراجهم من المواقع الحساسة وتقليص وجودهم.

لكن أحدث التحليل الأمريكي المتخصص نفسه يحذر من أن التطبيق الميكانيكي لهذا الشرط قد يأتي بنتيجة عكسية.

يرى آرون زيلين أن المقاتلين الأجانب ليسوا كتلة واحدة: بعضهم داخل الدولة، وبعضهم مستقل، وبعضهم معادٍ لها، وبعضهم مرتبط بداعش. وإذا ضغطت واشنطن على دمشق لكي تنتج رقمًا بسيطًا — «كم أجنبيًا نزعت سلاحه؟» — فقد تحصل على رقم جيد في تقرير الكونغرس وسياسة أسوأ على الأرض.

ويستحق هذا المنطق أن يكون نقطة انطلاق سورية.

فالغرض ليس إرضاء الولايات المتحدة بإخراج خمسة آلاف رجل من الجيش ثم تركهم مسلحين في إدلب.

الغرض أن لا يوجد في سوريا خمسة آلاف رجل يستطيعون اتخاذ قرار الحرب بعيدًا عن الدولة.

إذا تحقق ذلك باندماج منضبط لبعضهم وتسريح بعضهم وترحيل أو محاكمة آخرين، فهذه سياسة.

أما إذا تحول «نزع السلاح» إلى شعار واحد يطبق على الجميع بلا تمييز، فقد يكون وصفة لإنتاج تمرد جديد.

لكن الإدماج المفتوح بلا نهاية خطر في الاتجاه المقابل

التحذير من الضغط الخارجي لا ينبغي أن يتحول إلى حجة لتجميد الوضع الحالي.

فحتى مجموعة الأزمات الدولية، التي تفهم منطق القرار السوري الأول، ترى أن تحسن استقرار الدولة يمنح دمشق الآن مساحة لمراجعة ما كان مقبولًا كحل طارئ.

وتقترح «معركة إخضاع الفيالق الأجنبية لسلطة الدولة في سوريا» التمييز بين احتفاظ قائد أجنبي بدور داخل وحدة غالبية أفرادها من أبناء جماعته حيث قد يفيد في الضبط الداخلي، وبين وضع أجانب في قيادة تشكيلات سورية حساسة أو مناصب سيادية، حيث ينبغي بمرور الوقت إحلال ضباط سوريين موثوقين. كما تدعو إلى ضمان صارم لعدم التخطيط لعمليات خارجية من الأراضي السورية.

هذه صيغة انتقالية معقولة:

ليست «كل أجنبي خارج الجيش غدًا».

وليست «من قاتل معنا يظل قائدًا مدى الحياة».

بل سورنة المؤسسة تدريجيًا من دون تفجيرها.

ما الذي ينبغي أن تفعله دمشق؟

إذا وضعت المصلحة السورية قبل الضغوط الصينية والأمريكية والأوروبية وقبل الروابط الشخصية التي صنعتها الحرب، تبدو الحاجة إلى سياسة وطنية واحدة تتعامل مع الحالات المختلفة بدل صفقة منفصلة مع كل جماعة. ويمكن تلخيصها في سبعة مبادئ مترابطة:

  1. إحصاء وتسجيل فردي كامل. تحتاج الدولة إلى ملف قانوني وأمني لكل مقاتل أجنبي وعائلته: الهوية الحقيقية، بلد الأصل، تاريخ الدخول، التشكيلات التي خدم فيها، الوضع الحالي، وأي ادعاءات جنائية بحقه. لا يمكن إدارة ما لا تعرف الدولة حجمه.
  2. نهاية كل تنظيم مسلح مستقل. من يبقى في سوريا لا يحتفظ براية أو محكمة أو سجن أو جهاز شرطة أو تمويل عسكري أو تسلسل قيادة موازٍ. الاندماج الحقيقي يعني أن أمر السلاح ينتقل إلى الدولة، لا أن الفصيل يغيّر اسمه إلى رقم لواء.
  3. التدقيق على أساس السلوك لا الجنسية. من توجد أدلة ذات مصداقية على تورطه في قتل المدنيين أو التعذيب أو الخطف أو جرائم الحرب يحقق معه ويُحاكم، أكان سوريًا أم أوزبكيًا أم أويغوريًا أم أفغانيًا. ومن لا توجد عليه قضية لا يُدان جماعيًا بسبب جواز سفره.
  4. سورنة القيادة والمواقع السيادية تدريجيًا. قد تقتضي المرحلة الانتقالية بقاء قادة أجانب داخل وحدات معظمها من مواطنيهم للمحافظة على الانضباط، لكن قيادة الأركان والحرس والوحدات ذات الحساسية الوطنية ينبغي أن تتحول إلى ضباط سوريين وفق معايير مهنية معلنة.
  5. منع أي نشاط عسكري خارجي ومنع الوافدين الجدد للقتال. لا عمليات ضد الصين أو أوزبكستان أو روسيا أو تركيا أو العراق أو أي دولة تُخطط من سوريا، ولا تجنيد عالمي جديد تحت ستار نصرة قضية خارجية. هذا ليس تنازلًا لبكين أو واشنطن؛ إنه مقتضى السيادة السورية وحماية سوريا من الانتقام والحروب بالوكالة.
  6. وضع قانوني مدني واضح لمن يستحق البقاء. الإقامة، الزواج، تسجيل الأطفال، العمل، ثم إمكان التجنس مستقبلًا ينبغي أن تخضع لقانون معلن وفحص فردي، لا لامتياز فصائلي ولا لمكافأة سرية على خدمة عسكرية. وفي الوقت نفسه يجب رد أملاك السوريين المهجرين وتسوية حقوق السكن.
  7. فصل ملف داعش عن ملف المقاتلين المندمجين. المعتقلون والأسر يحتاجون إلى مسار قضائي وإنساني خاص: تحقيق فردي، محاكمات عادلة لمن توجد أدلة عليه، حماية النساء والأطفال والضحايا، وإجبار دول الجنسية سياسيًا على تحمل مسؤولية رعاياها بدل ترك العبء لسوريا والعراق.

هذه المبادئ تتقاطع مع خريطة الطريق السورية التي تقترحها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومع تشخيص مجلس الشرق الأوسط بأن مشكلة السلاح السورية أوسع من ملف الأجانب نفسه: المطلوب الانتقال من صفقات أمنية متفرقة إلى إصلاح متكامل للمؤسسة العسكرية والأمنية والعدالة والاقتصاد.

وماذا تريد الدول العربية من هذا الملف؟

المصلحة العربية أقل تعقيدًا من مصالح القوى البعيدة.

الدول المجاورة لا تحتاج من سوريا أن تطرد كل أجنبي لأن واشنطن طلبت ذلك، ولا أن تحتفظ به لأن بكين تعترض على طريقة التعامل معه.

تحتاج إلى دولة سورية لا تصدر المسلحين والمخدرات والفوضى، ولا تسمح بجيوب عسكرية عابرة للحدود، وتسيطر على حدودها ومؤسساتها.

والترحيب العربي الواسع بإنهاء استقلال قسد العسكري في أغسطس يعطي مؤشرًا واضحًا إلى اتجاه التفكير الإقليمي. فالسعودية وقطر والكويت والأردن والبحرين ربطت الخطوة بوحدة سوريا واستقرارها، وشدد الموقف القطري المنقول على حصر السلاح في يد الدولة ووجود جيش واحد يمثل السوريين.

المبدأ نفسه يجب أن يحكم ملف الأجانب.

ويمكن للدول العربية أن تساعد في بناء قدرات التدقيق والحدود وإصلاح الجيش والشرطة، وفي تمويل برامج إعادة الإدماج المدني لمن يخرج من العمل العسكري، وفي الضغط على الدول الأجنبية لاستعادة رعاياها من ملفات داعش.

هذه مساعدة أكثر فائدة لسوريا من مطالبتها بحملة اعتقالات جماعية تفتح جبهة جديدة في إدلب.

ثلاثة مخاطر ينبغي ألا تختار سوريا بينها

أمام دمشق الآن ثلاثة إخفاقات محتملة.

الأول هو التساهل: أن تتحول الوحدات الأجنبية المندمجة اسميًا إلى إمارات عسكرية صغيرة داخل الجيش، تحتفظ بقياداتها وشبكاتها وأهدافها الخارجية. عندها تكون الدولة قد استوعبت شكل الفصيل وأبقت جوهره.

الثاني هو التطهير المتعجل: أن تستجيب للضغوط الخارجية بإعلان حل شامل وطرد آلاف الرجال دفعة واحدة، وبعضهم لا يستطيع العودة بأمان إلى بلده، فتدفع جزءًا منهم إلى السرية أو داعش أو شبكات تهريب وسلاح جديدة. تحذر دراسة زيلين ومجموعة الأزمات تحديدًا من هذا النوع من النتائج العكسية.

والثالث هو الاستثناء الدائم: أن تبني الدولة قاعدة قانونية للسوريين وقاعدة أخرى لـ«رفاق التحرير». وهذا ربما يكون الأخطر على المدى الطويل، لأنه يحول امتنان الحرب إلى طبقة مسلحة ذات امتياز ويزرع شعورًا بأن المواطنة السورية أقل قيمة من القرب من السلطة أو السجل القتالي.

البديل ليس وسطًا حسابيًا بين الثلاثة.

إنه دولة.

الخلاصة: المشكلة ليست أن الأجنبي أجنبي

إذا اختزلنا القضية في سؤال «هل المقاتلون الأجانب خطر؟» فلن نحصل إلا على إجابتين أيديولوجيتين: من يريد تبرير التخلص منهم سيقول نعم، ومن يريد الدفاع عنهم سيقول لا.

لكن السؤال السوري الحقيقي مختلف:

هل يستطيع شخص جاء من الصين أو أوزبكستان أو الأردن أو فرنسا قبل عشر سنوات أن يتحول من مقاتل في فصيل إلى فرد يعيش تحت سلطة دولة؟

في بعض الحالات ربما نعم.

وفي حالات أخرى لا.

من يحتفظ بمشروع حرب خارج سوريا ليس جنديًا سوريًا مهما حمل من رتبة. ومن يرفض سلطة القضاء ويطالب بحصانة فصائلية لم يندمج مهما تغير لون بزته. ومن ارتكب جريمة لا تمحوها مشاركته في إسقاط الأسد.

لكن الشخص الذي وضع سلاحه تحت أمر الدولة، وتخلى عن العمل العابر للحدود، ولم تثبت عليه جريمة، واستقرت أسرته في سوريا، لا يصبح تهديدًا تلقائيًا لأن مصدرًا أجنبيًا ما زال يراه من خلال ملف استخباراتي عمره عشر سنوات.

والحسم هنا لا ينبغي أن يكون لواشنطن ولا بكين، ولا لقيادات الفصائل القديمة.

ينبغي أن يكون للقانون السوري.

هذه في النهاية هي القضية التي يخفيها عنوان «المقاتلون الأجانب».

بعد حرب امتلأت بالأجنبي — الروسي والإيراني واللبناني والأفغاني والباكستاني والعراقي والتركي والأمريكي والأوروبي والأويغوري والأوزبكي — فإن أهم إعلان تستطيع سوريا الجديدة أن تقدمه ليس أنها وجدت طريقة للتعايش مع نوع معين من المقاتلين الأجانب.

بل أنها وصلت إلى مرحلة لا تحتاج فيها أي مقاتل أجنبي لكي تقرر من يحمي السوريين ومن يحمل السلاح فوق أرضهم.

 


* أبرز المصادر: