ماذا بعد؟ حين صار الدرع هدفًا.. ماذا بقي من معادلة القواعد الأمريكية وأمن الخليج؟ منشور في 6 سبتمبر، 2026 منذ أكثر من ثلاثة عقود، قامت المعادلة الأمنية في الخليج على افتراض بسيط: وجود القوات الأمريكية يرفع كلفة مهاجمة دول المنطقة. لكن حرب 2026 كشفت مفارقة أكثر تعقيدًا. فالمنشآت التي تمنح دول الخليج الإنذار المبكر والدفاع الجوي والقدرة على استدعاء قوة أمريكية كبيرة عند الخطر، أصبحت هي نفسها أهدافًا للصواريخ والمسيّرات، فيما ظلت قرارات الحرب الكبرى تُتخذ خارج العواصم التي تتحمل جانبًا معتبرًا من تبعاتها. فهل آن أوان التخلص من القواعد الأمريكية؟ أم أن المشكلة ليست في وجودها بقدر ما هي في طبيعة الدور الذي تؤديه، ومن يملك قرار استخدامها؟ منذ التسعينيات، كان السؤال الذي يطارد دول الخليج بشأن الولايات المتحدة واضحًا إلى حد كبير: هل ستبقى واشنطن حين تقع الحرب؟ في 2026، لم يختف السؤال، لكنه لم يعد كافيًا. وظهر سؤال أصعب: ماذا لو كانت الولايات المتحدة نفسها طرفًا في الحرب، وكانت القواعد الموجودة على أراضي دول الخليج جزءًا من بنك أهداف خصمها؟ وهذا ليس افتراضًا نظريًا. ففي الخامس من سبتمبر وحده، وبعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، قصفت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط إيرانية ردًا على إطلاق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية على سفينتين حربيتين أمريكيتين، وفق تقرير رويترز الذي أعدته جورجينا مكارتني بعنوان الجيش الأمريكي يضرب ثلاث ناقلات نفط خام إيرانية، بحسب القيادة المركزية. وقبل ذلك بثلاثة أيام، كان تقرير باريزا حافظي وبو إريكسون في رويترز، الضربات الأمريكية الإيرانية تثير مخاوف من تجدد الحرب في أنحاء الشرق الأوسط، يرصد جولة إيرانية جديدة استهدفت مواقع أمريكية في البحرين والكويت والعراق والأردن. أي إن مسألة القواعد لا تُناقش الآن استعدادًا لأزمة مستقبلية، بل بينما الأزمة نفسها مستمرة. لهذا تبدو الإجابة السهلة، سواء كانت «أبقوا القواعد» أو «أخرجوها»، أقل فائدة من السؤال الذي يسبقها: أي بنية أمنية يحتاج إليها الخليج أصلًا؟ فالقاعدة العسكرية ليست غاية. وإذا كانت لا تخدم أمن الدولة المضيفة، أو إذا كان استخدامها في حرب لا تختارها تلك الدولة يعرض أمنها واقتصادها ومجتمعها لخطر أكبر مما يدفع عنها، فلابد من مراجعة المعادلة. وفي المقابل، إزالة القاعدة لا تخلق تلقائيًا قدرة دفاعية بديلة ولا تجعل الدولة خارج حسابات الخصوم. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. أولًا: «القواعد الأمريكية» ليست شيئًا واحدًا يجري الحديث أحيانًا عن «القواعد الأمريكية في الخليج» كما لو أنها ست منشآت متطابقة ترفع فوقها واشنطن علمها وتمارس فيها سيادة مستقلة. الواقع أكثر تعقيدًا. يميّز أستاذ العلاقات الدولية إف. غريغوري غوس الثالث، في دراسته الصادرة عن معهد الشرق الأوسط بعنوان القواعد الأمريكية في الخليج: أهداف أم أدوات ردع؟، بين وجود أمريكي أكثر رسوخًا في الكويت والبحرين وقطر، وبين ترتيبات للوصول واستخدام منشآت عسكرية في الإمارات والسعودية وعُمان. وهذه الفروق مهمة لأنها تحدد حجم القوات، ووظيفة الموقع، ونوع السيطرة التي تحتفظ بها الدولة المضيفة. في قطر، تمثل قاعدة العديد عقدة قيادة لا مجرد مطار عسكري. وتقول وزارة الخارجية الأمريكية في وثيقة التعاون الأمني الأمريكي مع قطر إن الدوحة أنفقت منذ 2003 أكثر من ثمانية مليارات دولار على تطوير القاعدة، التي تستضيف مقار أمامية للقيادة المركزية والقوات الجوية الأمريكية، إضافة إلى مركز العمليات الجوية المشتركة. وفي يناير 2026 أضافت القيادة المركزية الأمريكية داخلها خلية جديدة للدفاع الجوي والصاروخي، ويعمل مركز العمليات نفسه بمشاركة ممثلين من 17 دولة، وفق البيان الرسمي الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون يفتتحون خلية جديدة لعمليات الدفاع الجوي في قطر. أما البحرين فتستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي، فيما تمثل الكويت واحدة من أهم العقد البرية واللوجستية للقوات الأمريكية في المنطقة، ولا سيما معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية ومواقع أخرى. ويورد دليل رويترز المحدث في 28 فبراير 2026، ما أبرز القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؟، هذه المنشآت وأدوارها ضمن الخريطة الحالية للانتشار الأمريكي. وفي الإمارات تستخدم القوات الأمريكية قاعدة الظفرة ومرافق بحرية، بينما يتمركز الوجود الأمريكي في السعودية بدرجة كبيرة حول قاعدة الأمير سلطان الجوية ودعم مهام الدفاع الجوي. أما عُمان فالنموذج مختلف؛ إذ وسّع اتفاق إطاري وقع في مارس 2019 قدرة القوات الأمريكية على الوصول إلى مرافق وموانئ في الدقم وصلالة، بحسب وثيقة الخارجية الأمريكية التعاون الأمني الأمريكي مع عُمان. هذه التفاصيل ليست هامشية؛ فالخليج يستطيع أن يحتفظ بالتعاون الاستخباري والتدريب والدفاع الجوي والوصول اللوجستي الأمريكي من دون أن تكون كل دولة نسخة من النموذج القطري أو البحريني. كيف وصلنا إلى هنا؟ لفهم لماذا أصبحت هذه المنشآت جزءًا شبه ثابت من خريطة الخليج، يفيد الرجوع إلى ما قبل النقاش الحالي بكثير. في كتابه العلاقات الدولية في الخليج، يتتبع إف. غريغوري غوس الثالث تطور النظام الأمني الخليجي منذ انتهاء العلاقات الحمائية البريطانية مع دول الخليج الأصغر في 1971، مرورًا بالثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، وصولًا إلى غزو الكويت وحرب الخليج في 1990 و1991 ثم حرب العراق. وكان غزو الكويت نقطة التحول الكبرى في نقل الحضور الأمريكي من سياسة تقوم بدرجة أكبر على الوصول والتعزيز عند الحاجة إلى بنية عسكرية أكثر دوامًا داخل المنطقة. ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر وحربا أفغانستان والعراق لتضخما تلك البنية أكثر. القواعد التي بدأت في كثير من الأحيان كمرافق عمليات مؤقتة أو محدودة تحولت تدريجيًا إلى مراكز قيادة ولوجستيات واستخبارات ومخازن ومنشآت دائمة. والمشكلة أن البيئة التي صُممت لها هذه المنشآت تغيرت. ففي ديسمبر 2020، أي قبل حرب 2026 بأكثر من خمس سنوات، حذرت بيكا واسر وآرون شتاين في دراسة قواعد صغيرة وموزعة وآمنة: بنية جديدة للتمركز العسكري في الشرق الأوسط من أن عددًا قليلًا من القواعد الكبيرة الثابتة والقريبة من إيران أصبح معرضًا للصواريخ الدقيقة والمسيّرات، واقترحا بدلًا من ذلك شبكة منشآت أصغر وأكثر توزيعًا وأصعب استهدافًا. ما كان تحذيرًا نظريًا في 2020 أصبح في 2026 خبرة ميدانية مكلفة. دول الخليج رفضت الحرب.. ثم وصلت الحرب إليها هذه النقطة أساسية، لأنها تمنع اختزال القصة في عبارة من نوع «من يستضيف قاعدة أمريكية يتحمل نتائج ذلك». قبل اندلاع الحرب، أعلنت عدة دول خليجية صراحة أنها لا تريد أن تكون أراضيها منصة لمهاجمة إيران. في 28 يناير، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي أعمال عسكرية ضد إيران، أيًا كانت الجهة التي تشنها، وفق بيان وزارة الخارجية السعودية سمو ولي العهد يتلقى اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الإيراني. وقبل ذلك بيومين، أعلنت الإمارات في بيان رسمي بعنوان الإمارات تؤكد مجددًا التزامها بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية ضد إيران أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في عمل عسكري ضد إيران، وأضافت بصورة أكثر تحديدًا أنها لن تقدم دعمًا لوجستيًا لمثل هذه العمليات. وقالت قطر لاحقًا إنها لم تكن طرفًا في الحرب ولم تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي للأعمال القتالية. وجاء ذلك في بيان وزارة الخارجية القطرية قطر تجدد إدانة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على أراضيها ودول أخرى. مع ذلك، تعرضت دول مجلس التعاون الست جميعها لهجمات إيرانية. ورصدت إيلين كلارك ونور حماد وأسنا واجد في دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، خريطة الأضرار: الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون، إطلاق أكثر من أربعة آلاف مقذوف إيراني على دول مجلس التعاون حتى 19 مارس وحده، فيما امتدت الأهداف من المنشآت العسكرية إلى الطاقة والنقل والبنية الاقتصادية والمدنية. وخلص الباحثون إلى أن الهجمات تجاوزت محاولة ضرب الوجود العسكري الأمريكي إلى الضغط على اقتصادات الخليج نفسها وثقة المواطنين والمقيمين والمستثمرين في قدرتها على توفير الأمن. وبعد الهجمات على الرياض والمنطقة الشرقية، ذكّرت وزارة الخارجية السعودية في بيانها الصادر في 28 فبراير، بعنوان المملكة تعرب عن رفضها وإدانتها بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة والجبانة التي استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية وتم التصدي لها، بأن طهران كانت تعلم مسبقًا أن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لاستهداف إيران. وفي 3 مارس أدانت المملكة كذلك استهداف مبنى السفارة الأمريكية بالرياض، مكررة النقطة نفسها. إذن، الحياد عن قرار الحرب لم يكن كافيًا لمنع انتقالها إلى الخليج. لكن هذا لا يعني أيضًا أن القواعد بلا أثر. المشكلة ليست أن القاعدة «سببت» الحرب.. بل أنها أعادت توزيع مخاطرها يقدم غوس في دراسته بمعهد الشرق الأوسط القواعد الأمريكية في الخليج: أهداف أم أدوات ردع؟ اعتراضًا مهمًا على فكرة أن إزالة القواعد كانت ستعفي دول الخليج تلقائيًا من الهجمات. فإيران لم تضرب المنشآت العسكرية وحدها، بل طالت هجماتها مرافق للطاقة ومطارات مدنية ومحطات تحلية وغيرها. ومن وجهة نظره، وجود القواعد نتيجة للعلاقة الاستراتيجية الأمريكية الخليجية الأوسع، لا سببها الوحيد. وهذه ملاحظة مهمة، لكنها لا تلغي المعضلة. فالقاعدة قد لا تكون السبب الوحيد في إدراج دولة ما ضمن حسابات إيران، لكنها بالتأكيد تمنح بعض المواقع داخل تلك الدولة قيمة عسكرية مباشرة في صراع أمريكي إيراني. وقد لخص مايكل ستريكوف المسألة في مقابلة أجرتها فاني أرلاندي معه في صحيفة لوموند بعنوان «القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط توفر قدرات، لكنها تمثل أهدافًا أيضًا»: المنشآت تمنح قدرات عسكرية فعلية، لكنها تصبح في الوقت نفسه أهدافًا. والمشكلة في رأيه ليست مجرد وجود الأداة العسكرية، بل غياب استراتيجية سياسية ودبلوماسية تستطيع توظيف تلك الأداة لتحقيق نتيجة قابلة للاستمرار. وهنا يظهر الخلل الأهم من منظور الدولة الخليجية المضيفة. من يقرر استخدام القوة، ومن يتحمل نتائج استخدامها؟ كتب الباحث القطري عبد الله راشد المرسل في مركز الجزيرة للدراسات، في ورقته الحرب مع إيران وأزمة القرار الأميركي: التداعيات الإستراتيجية على أمن الخليج العربي، أنه لا يمكن فصل القرار الذي يُتخذ في واشنطن عن الأمن الداخلي والإقليمي للخليج، لأن الضربة الأمريكية ضد إيران تنعكس على اتجاه الرد الإيراني، وتدفقات الطاقة، والموانئ، والتأمين والشحن، والمطارات ومحطات المياه والكهرباء في دول المنطقة. وهذا، في تقديري التحليلي للمسألة، هو جوهر الخلل الذي كشفته الحرب: قد يكون قرار التصعيد أمريكيًا، لكن جزءًا معتبرًا من جغرافيا الرد خليجي. ومن هنا لا تكفي عبارة «الشراكة الاستراتيجية» وحدها. العلاقة المتوازنة تقتضي أن تكون للدولة التي تتحمل المخاطر سلطة حقيقية على القرار الذي قد يولد تلك المخاطر. لكن ماذا تعطي القواعد للخليج في المقابل؟ هنا أيضًا لا تصلح الإجابات الدعائية. من السهل تصوير الوجود الأمريكي كله كعبء بعد ما حدث في 2026. لكن ذلك يتجاهل أن جزءًا مهمًا من قدرة دول الخليج على اكتشاف التهديدات واعتراضها والتنسيق فيما بينها وبين الحلفاء يعتمد بالفعل على بنية عسكرية واستخبارية أمريكية تراكمت خلال عقود. في العديد مثلًا، لا تكمن القيمة الأساسية في عدد الطائرات الواقفة على المدرج، بل في القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات. ووفق بيان القيادة المركزية الأمريكية الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون يفتتحون خلية جديدة لعمليات الدفاع الجوي في قطر، فإن الخلية التي أُنشئت في يناير 2026 داخل مركز العمليات الجوية المشتركة صُممت تحديدًا لتنسيق الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل الإنذارات والبيانات بين الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين. وتمنح الكويت القوات الأمريكية قدرة كبيرة على التخزين المسبق والإمداد والتحرك البري. وتوضح وثيقة الخارجية الأمريكية التعاون الأمني الأمريكي مع الكويت كيف أصبحت الكويت بعد 1991 منصة لوجستية رئيسية للعمليات الأمريكية والإقليمية. وهذه البنية نفسها تمنح الكويت قدرة على استقبال تعزيزات ضخمة بسرعة إذا تعرضت لتهديد كبير. كما يوفر الوجود الأمريكي طبقة مهمة من الدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات والاستطلاع والتدريب وقابلية التشغيل المشترك. ويشير ألبرت فيدال ريبي في دراسة IISS، الدفاع عن أجواء دول الخليج العربية، إلى أن الولايات المتحدة وفرت أنظمة باتريوت وTHAAD وطائرات وقدرات دفاعية ساعدت كذلك في الدفاع عن الدول المضيفة، إلى جانب مساهمات بريطانية وفرنسية وغيرها. لذلك فإن التخلص السريع من القواعد من دون إيجاد بديل لوظائفها قد يقلل نوعًا من المخاطر ليصنع نوعًا آخر. السؤال الصحيح ليس: هل نحتاج الأمريكيين؟ بل: ما الذي نحتاجه منهم بالضبط؟ وجود قوات أمريكية لا يعني بالضرورة وجود «مادة خامسة» ربما تكون هذه من أكثر المسائل التي تحتاج إلى وضوح في النقاش العام. وجود آلاف العسكريين الأمريكيين في دولة ما لا يساوي قانونيًا معاهدة دفاع جماعي من نوع حلف شمال الأطلسي، ولا يعني تلقائيًا أن الولايات المتحدة ملزمة بخوض حرب كاملة دفاعًا عنها في كل الظروف. حتى اتفاق التكامل الأمني الشامل والازدهار بين الولايات المتحدة والبحرين، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2023، ينص على اعتبار العدوان الخارجي أو التهديد الخارجي مسألة خطيرة تستدعي التشاور وتحديد استجابة مناسبة، لكنه لا يكتب في نصه استجابة عسكرية تلقائية مماثلة للمادة الخامسة في الناتو. ويشير كريستيان ألكسندر أيضًا، في دراسته الحديثة بمركز ستيمسون مستقبل القواعد الأمريكية في الخليج بعد حرب إيران 2026، إلى أن بنية القواعد الأمريكية في الخليج لم تكن في الأصل معادلة لضمان دفاع جماعي على طريقة الناتو، وأن حرب 2026 جعلت الغموض بين «وجود أمريكي كبير» و«التزام أمريكي بحماية الدولة المضيفة» أكثر وضوحًا. وهذا فارق لا ينبغي أن يبقى مسألة قانونية دقيقة لا يلتفت إليها إلا المتخصصون. فإذا كانت القاعدة تجعل الدولة أكثر ظهورًا داخل حسابات الخصم، فإن نوع الضمان الذي تحصل عليه الدولة مقابل استضافتها يصبح جزءًا من الحساب الأمني، لا تفصيلًا دبلوماسيًا. حرب المسيّرات كشفت مشكلة أخرى: يمكنك أن تنجح في الاعتراض وتخسر حرب الكلفة أنفقت دول الخليج مبالغ هائلة خلال السنوات الماضية على بعض أكثر منظومات الدفاع الجوي تطورًا في العالم، وأثبتت هذه المنظومات قدرتها على إسقاط أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيّرات. لكن السؤال ليس فقط: هل أصاب الاعتراض هدفه؟ السؤال الثاني: كم كلف إسقاطه؟ وكم صاروخًا بقي في المخزن؟ وكم شهرًا تحتاج لتعويضه؟ كتب ألبرت فيدال ريبي في IISS، في الدفاع عن أجواء دول الخليج العربية، أن دول الخليج استهلكت بالفعل جزءًا معتبرًا من مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية بعيدة المدى في الأسابيع الأولى من الحرب. ثم عاد في مايو في دراسة تحدي دول الخليج: إعادة التسلح بعد الحرب ليحذر من أن إعادة ملء المخازن ليست مجرد مسألة مال، بسبب طول فترات التصنيع وضغط الطلب العالمي والاختناقات في سلاسل الإمداد وأولوية إعادة تكوين مخزونات دول أخرى. والنتيجة العملية واضحة: لا يمكن استخدام ذخيرة باهظة الثمن دائمًا ضد كل مسيّرة منخفضة التكلفة. ولهذا تقترح دراسات IISS، وكذلك دراسة أوليفييه باسو الصادرة عن معهد البحوث الاستراتيجية في المدرسة العسكرية الفرنسية IRSEM بعنوان إعادة التفكير في الوضع الدفاعي لدول الخليج بعد الحرب، بناء دفاع متعدد الطبقات لا بحسب المدى فقط، بل بحسب الكلفة أيضًا: أنظمة متقدمة للصواريخ الباليستية والتهديدات الكبرى، يقابلها عدد أكبر من المدافع السريعة والمسيّرات الاعتراضية والحرب الإلكترونية والاعتراضات قصيرة المدى، بل والليزر عندما تصبح تقنياته جاهزة عمليًا. ويذهب باسو إلى نقطة أوسع: حماية الخليج تعني حماية نموذج التنمية الخليجي نفسه. فالمطارات والموانئ ومحطات التحلية والطاقة والاتصالات ليست أهدافًا مدنية هامشية في حرب حديثة؛ هي مفاصل القوة الاقتصادية والاجتماعية للدولة. الأمن الذي لا يحمي الماء والمطار والميناء ليس أمنًا كاملًا ربما كانت هذه أهم رسالة خرجت من الضربات بعيدًا عن الجدل حول القواعد. الدولة الخليجية الحديثة ليست مجرد منشآت نفطية وجيش. هي مطارات عالمية، وموانئ وحاويات، ومراكز مالية، ومحطات كهرباء وتحلية، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز بيانات، وشبكات لوجستية، ومدن تعتمد في جاذبيتها للمستثمر والمقيم والسائح على مستوى مرتفع جدًا من الاستقرار. لذلك لا يحتاج الخصم إلى احتلال أرض أو هزيمة جيش حتى يحقق أثرًا استراتيجيًا. يكفي أحيانًا أن يرفع تكلفة التأمين، ويعطل رحلات الطيران، ويجعل السفن تتردد في دخول الموانئ، ويضغط على الكهرباء والمياه، ويزعزع الاعتقاد بأن المنطقة واحة مستقرة للأعمال. وهذا ما يجعل دراسة IISS عن خريطة الأضرار خريطة الأضرار: الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون مهمة: لأن الباحثين لم يجدوا أن الضربات اقتصرت على القواعد، بل امتدت بصورة منهجية إلى ركائز الاقتصاد والنقل والطاقة. بعبارة أخرى، إذا أعادت دول الخليج بناء سياستها الأمنية بعد الحرب على سؤال «كيف نحمي القواعد؟» فقط، فهي تعالج جزءًا من المشكلة. السؤال الأكبر هو: كيف تبقى الدولة قادرة على العمل؟ ست دول.. وست معادلات مختلفة لا يوجد حل خليجي واحد لتوزيع القواعد؛ فالجغرافيا والدور السياسي وحجم الدولة وطبيعة المنشأة تختلف. قطر: لا تهدم العديد.. ألغِ فكرة «نقطة الفشل الواحدة» تكمن قيمة العديد في شبكة القيادة والإنذار والتنسيق التي تراكمت حولها، وليس من المنطقي التعامل معها كمجرد مدرج يمكن نقله غدًا إلى مكان آخر. لكن عقدة قيادة بهذا الحجم يجب ألا تكون نقطة يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى إرباك منظومة أوسع. المصلحة القطرية، وفق ما توحي به الدروس العملياتية ودراسة كريستيان ألكسندر في مركز ستيمسون، مستقبل القواعد الأمريكية في الخليج بعد حرب إيران 2026، هي الإبقاء على الوظائف الأعلى قيمة مع توزيع القيادة والاتصالات والمخزون، وإنشاء بدائل احتياطية، وتحصين المرافق، وتقليل التركيز الدائم للقوات والأصول القابلة للنقل. وفوق ذلك، تحتاج قطر إلى أن يظل الفصل واضحًا بين استضافة منظومة تخدم الدفاع الإقليمي وبين استخدام أراضيها لبدء حرب لم توافق عليها، خصوصًا أن الدوحة بنت لنفسها في الوقت نفسه دورًا دبلوماسيًا ووسيطًا. البحرين: لا يمكن نقل الجغرافيا.. ويمكن توزيع الوظائف قيمة البحرين للوجود البحري الأمريكي تأتي جزئيًا من موقعها نفسه. لكن صغر المساحة والكثافة ووضوح مقر الأسطول الخامس تجعل تركيز وظائف كثيرة في موقع معروف أمرًا أكثر حساسية في عصر الصواريخ الدقيقة. المطلوب ليس خسارة شبكة الأمن البحري، بل زيادة قدرتها على الاستمرار بعد الضربة: قيادة احتياطية، مخازن واتصالات موزعة، قدرة على العمل من البحر ومن مواقع بديلة، وتحويل قدر أكبر من الأمن البحري إلى وظيفة إقليمية متعددة الأطراف لا تتوقف على سلامة مقر واحد. الكويت: من «المخزن الكبير» إلى شبكة لوجستية موزعة الكويت نموذج شديد الوضوح لكيفية استمرار بنية عسكرية تشكلت لخطر قديم في مواجهة خطر جديد. بعد 1991 أصبحت مركزًا مثاليًا لتجميع القوات والمعدات لحروب برية في العراق، وفق الخلفية التي توثقها الخارجية الأمريكية في التعاون الأمني الأمريكي مع الكويت. لكن المخازن الكبيرة والتجمعات الثابتة التي كانت ميزة في حرب الحشود تصبح أهدافًا مغرية في حرب الصواريخ والمسيّرات. المصلحة الكويتية ليست فقدان القدرة على استقبال التعزيزات الأمريكية، بل الحصول عليها من دون تخزين القدر الأكبر من المخاطر في بضعة مواقع معروفة. الإمارات: الشراكة القوية لا تلغي حق الدولة في قول «لا» الموقف الإماراتي في يناير 2026 الإمارات تؤكد مجددًا التزامها بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية ضد إيران يستحق التوقف عنده: علاقة دفاعية عميقة مع واشنطن لم تمنع أبوظبي من إعلان أنها لن تسمح باستخدام أرضها أو أجوائها أو مياهها ضد إيران، ولن تقدم دعمًا لوجستيًا لهذه الغاية. هذا النموذج، أي التكامل الدفاعي مع الاحتفاظ الصريح بالسيادة على الاستخدام الهجومي، قد يكون أكثر ملاءمة للمستقبل من النموذج الذي يفترض أن التحالف العسكري يساوي تفويضًا مفتوحًا. السعودية: العمق الجغرافي ميزة.. وعدم التحول إلى جبهة ميزة أكبر تمتلك السعودية شيئًا تفتقده معظم جاراتها: العمق الجغرافي. ويشير تقرير واشنطن بوست الذي أعده نواه روبرتسون وجون هدسون وسوزانا جورج، البنتاغون يدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بعد انتهاء حرب إيران، إلى أن بعض التصورات الأمريكية المطروحة بعد الحرب تتضمن تحريك أجزاء من الانتشار غربًا بعيدًا عن المواقع الأكثر عرضة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومن الخيارات التي وردت في النقاش قاعدة الأمير سلطان قرب الرياض. لكن الصحيفة تؤكد أن الأمر لا يزال قيد الدراسة ولم يتحول إلى قرار رسمي. المصلحة السعودية لا ينبغي أن تكون أن تصبح المملكة ببساطة المخزن البديل لما أصبح مكشوفًا في بقية الخليج. قيمتها الأكبر في الدفاع الجوي والإنذار والتدريب والعمق الاستراتيجي، مع الإبقاء على ما أعلنته الرياض أصلًا: عدم تحويل أراضي المملكة إلى منطلق للهجوم على إيران. عُمان: أحيانًا تكون قيمة الموقع في ألا يتحول إلى جبهة الدقم وصلالة مغريان عسكريًا لأنهما يمنحان وصولًا مباشرًا إلى بحر العرب بعيدًا عن الجزء الداخلي من الخليج. لكن عُمان تمتلك أصلًا استراتيجيًا آخر لا يقل قيمة عن الميناء: قدرتها التاريخية على الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متخاصمة. لذلك تبدو المصلحة العُمانية في إبقاء نموذج الوصول الأمريكي مرنًا ولوجستيًا ودفاعيًا أكثر من تحويله إلى وجود هجومي كبير قد يخصم من قدرة مسقط على لعب دور الوسيط. ويؤكد الاتفاق الإطاري الأمريكي العُماني لعام 2019 التعاون الأمني الأمريكي مع عُمان أن جوهر الترتيب هو توسيع الوصول إلى الدقم وصلالة وليس إنشاء نسخة أخرى من العديد. المفارقة أن واشنطن نفسها بدأت تطرح السؤال الخليجي من اللافت أن النقاش حول مستقبل هذه القواعد لم يعد مقتصرًا على منتقدي الوجود الأمريكي. في 18 أغسطس كشفت واشنطن بوست، في تقرير نواه روبرتسون وجون هدسون وسوزانا جورج البنتاغون يدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بعد انتهاء حرب إيران، أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس بصمة عسكرية أصغر في الخليج، وأن أحد الأسئلة المطروحة هو ما إذا كان ينبغي إعادة بناء المنشآت المتضررة بالصورة نفسها أصلًا. الصحيفة شددت في الوقت نفسه على أن التقييم لم يكن حينها مراجعة رسمية نهائية، وأن أي تغيير دائم يحتاج إلى قرارات سياسية لاحقة. وبعدها بأيام، طرح جاكوب جودا في فاينانشيال تايمز السؤال مباشرة في تقريره هل تستحق القواعد الأمريكية الضخمة في الخليج إعادة البناء؟. وتناول الجدل حول جدوى إنفاق مليارات الدولارات على إصلاح قواعد كبيرة وثابتة أثبتت الحرب قابليتها للاستهداف، مقابل الاتجاه إلى انتشار أصغر وأكثر حركة وتوزيعًا. وفي أحدث إضافة مهمة للنقاش، نشر كريستيان ألكسندر في مركز ستيمسون يوم 2 سبتمبر دراسة مستقبل القواعد الأمريكية في الخليج بعد حرب إيران 2026. وخلاصتها ليست الخروج الأمريكي من الخليج، وإنما تقليص حجم وتركيز القواعد الدائمة، مع الاحتفاظ بالوصول والمعدات المخزنة مسبقًا والانتشار البحري والقوات الدورية والروابط الاستخبارية وخطط التعزيز السريع. وهنا ينبغي لدول الخليج أن تنتبه جيدًا. إذا كانت واشنطن ستعيد تصميم انتشارها على أي حال، فمن غير المنطقي أن يكون الخليج مجرد مكان تُنفذ فيه الخطة الأمريكية الجديدة بعد اكتمالها. هذه لحظة تفاوض حول شكل العلاقة نفسها. من «الأمن الأمريكي للخليج» إلى «أمن خليجي يستعين بأمريكا» هذه هي المساحة الثالثة بين خيارين رديئين: الاعتماد المفرط على واشنطن، أو محاولة الاستغناء عنها بصورة متعجلة. وهي ليست دعوة إلى استبدال الولايات المتحدة بالصين أو روسيا أو أوروبا. الاعتماد على ضامن خارجي جديد يعيد المشكلة باسم مختلف. كتب علي باكير في موجز مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، الدروس المستفادة لدول مجلس التعاون الخليجي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية 2026، أن أحد أهم دروس الحرب هو أن الأمن لا يمكن إسناده بالكامل إلى الخارج، وأن العلاقة الأمريكية تظل ذات قيمة، لكن ينبغي أن تصبح واحدة من ركائز متعددة ضمن قدرة دفاعية محلية وإقليمية أكبر. كما يرى أن التقارب الدبلوماسي والردع ليسا بديلين؛ فالدبلوماسية تخفض احتمالات الصدام، فيما تحتاج الدولة إلى حد أدنى موثوق من القدرة التي تجعل استهدافها مكلفًا. ويقدم الباحث نديم أحمد موناكال في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة» زاوية خليجية مكملة، في مقاله حدود الاتفاق الأمريكي الإيراني ومخاوف دول الخليج؛ إذ يرى أن أي اتفاق أمريكي إيراني لا يعالج مخاوف دول الخليج المتعلقة بالصواريخ والمسيّرات وأمن مضيق هرمز والسلوك الإقليمي سيظل تسوية ناقصة من منظور الدول التي تحملت آثار الحرب من دون أن تكون صاحبة قرار إشعالها. هذه النقطة بالذات مهمة. ليس المطلوب من الخليج الاختيار بين واشنطن وطهران. المطلوب ألا يُختزل أمنه في العلاقة بين واشنطن وطهران أصلًا. سبعة تغييرات تستحق أن تكون على طاولة دول الخليج إذا جُمعت خبرة الحرب مع اتجاهات الدراسات الحديثة والمواقف الخليجية المعلنة، فإن إعادة بناء المعادلة الأمنية يمكن أن تبدأ من سبعة تغييرات مترابطة: الانتقال من القواعد المركزة إلى شبكة موزعة ومحصنة. تبقى العقد التي لا يمكن الاستغناء عنها، لكن مع مراكز قيادة احتياطية، ومدارج بديلة، ومستودعات موزعة، واتصالات وطاقة مستقلة، وقدرة على الانتقال السريع بين المواقع. هذه ليست فكرة ولدت بعد الحرب؛ فقد دعت إليها واسر وشتاين منذ 2020 في دراسة قواعد صغيرة وموزعة وآمنة: بنية جديدة للتمركز العسكري في الشرق الأوسط، وعادت دراسة كريستيان ألكسندر في سبتمبر 2026 لتضعها في قلب نموذج ما بعد الحرب. وضع قواعد أكثر صراحة لاستخدام المنشآت في العمليات الهجومية. من حق الدولة المضيفة أن تعرف مسبقًا ما إذا كان تعاونها الدفاعي يمكن أن يجعل أرضها جزءًا من عملية عسكرية لم توافق عليها. والمواقف المعلنة للسعودية والإمارات وقطر خلال الأزمة، ومنها البيان الإماراتي الإمارات تؤكد مجددًا التزامها بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية ضد إيران، توفر أساسًا سياسيًا واضحًا لهذه القاعدة. إكمال شبكة إنذار ودفاع جوي خليجية يملكها الخليج نفسه. في سبتمبر 2025 قرر مجلس الدفاع المشترك زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، ونقل صورة الموقف الجوي إلى مراكز عمليات دول المجلس، وتسريع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وفق بيان الدورة الاستثنائية لمجلس الدفاع المشترك. وفي اجتماع قادة القوات الجوية والدفاع الجوي المنعقد في البحرين مطلع سبتمبر 2026، عاد المجلس لمناقشة تكامل المنظومات الدفاعية. المطلوب الآن تحويل القرارات إلى قدرة تشغيلية لا تتوقف عند البيانات والاجتماعات. حل معادلة الكلفة في الدفاع الجوي. يجب ألا يواجه الدرون الرخيص دائمًا بصاروخ مرتفع التكلفة. وفي دراسة تحدي دول الخليج: إعادة التسلح بعد الحرب، يبرز المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الحاجة إلى طبقات من الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيّرات الاعتراضية والأسلحة قصيرة المدى، إلى جانب باتريوت وTHAAD وما يماثلهما، مع زيادة تصنيع الذخائر والاعتراضات محليًا. إدارة المخزون الدفاعي خليجيًا لا وطنيًا فقط. الحرب التي تستنزف دولة اليوم قد تستنزف جارتها غدًا. ومن ثم يصبح من المنطقي بناء ترتيبات للإمداد المتبادل والمخزونات الاحتياطية والتوحيد النسبي للأنظمة والذخائر. شراء ست دول منظومات متطورة لا تستطيع العمل أو تبادل البيانات معًا ليس تكاملًا دفاعيًا، بل ستة جزر مرتفعة التكلفة. اعتبار البنية المدنية جزءًا من الدفاع الوطني. محطات التحلية والكهرباء والمطارات والموانئ والطاقة والاتصالات ومراكز البيانات تحتاج إلى التوزيع والتحصين والبدائل وخطط استعادة العمل، لأن دراسة خريطة الأضرار: الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون أظهرت أن الإضرار بالاقتصاد والثقة قد يكون هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته. الإبقاء على باب إيران مفتوحًا من موقع أكثر قدرة، لا من موقع أكثر خوفًا. التقارب الخليجي الإيراني قبل الحرب لم يمنع الهجمات، لكن هذا لا يجعل الدبلوماسية بلا قيمة، كما أن نجاح الاعتراضات العسكرية لا يجعل التصعيد استراتيجية مستدامة. المطلوب قنوات اتصال دائمة، وقواعد متفق عليها لعدم الاعتداء وعدم استخدام أراضي الدول لضرب الجيران، وآليات لإدارة الحوادث في البحر والجو، بالتوازي مع قدرة دفاعية تجعل انتهاك هذه القواعد مكلفًا. وهذا هو الجمع بين الردع والتواصل الذي يطرحه علي باكير في الدروس المستفادة لدول مجلس التعاون الخليجي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية 2026، لا الاختيار بينهما. إذن.. هل الخليج أكثر أمنًا بالقواعد الأمريكية أم من دونها؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع: يتوقف ذلك على شكل القواعد ووظيفتها وعلى ما يبنيه الخليج حولها من قدرة مستقلة. قاعدة توفر إنذارًا مبكرًا، وتربط الرادارات، وتدعم الدفاع الصاروخي، وتتيح وصول تعزيزات عند الخطر، وتعمل وفق قرار الدولة المضيفة، يمكن أن تضيف كثيرًا إلى أمنها. أما قاعدة ضخمة تجمع آلاف الأفراد والطائرات والمخزون ومراكز القيادة في نقطة واحدة، ثم تصبح هدفًا عند كل صدام أمريكي إيراني، فيما يظل للدولة المضيفة تأثير محدود في القرار الذي يبدأ الصدام، فهذه تحتاج إلى إعادة تصميم لا إلى شعارات دفاع عنها. وفي الجهة الأخرى، إغلاق منشأة لا يعوض رادارًا، ولا يصنع صاروخ اعتراض، ولا ينشئ قيادة جوية مشتركة، ولا يضمن أن إيران أو غيرها ستزيل الدولة من حساباتها. لهذا فإن النقاش الأكثر فائدة ليس «القواعد الأمريكية: نعم أم لا؟». بل: أي قدر من الوجود؟ لأي غرض؟ تحت أي شروط؟ ومن يملك القرار؟ وما الذي يستطيع الخليج فعله إذا لم تصل المساعدة الخارجية في الوقت المتوقع؟ وهذه الأخيرة ربما تكون أهم الأسئلة كلها. ففي أحدث الاجتماعات، ما زالت دول المجلس تتحدث عن «تكامل المنظومات الدفاعية». وفي بيان الدورة الاستثنائية لمجلس الدفاع المشترك عام 2025، قررت بالفعل مشاركة صورة الموقف الجوي وتسريع الإنذار المبكر. هذه هي بداية الاتجاه الصحيح، بشرط ألا يبقى التكامل وصفًا للعلاقة مع الجيش الأمريكي أكثر مما هو وصف للعلاقة بين الجيوش الخليجية نفسها. الخلاصة لم تثبت حرب 2026 أن الوجود الأمريكي بلا قيمة. ولو كان كذلك، لما ظلت شبكات الإنذار والدفاع الجوي والقيادة والاستخبارات واللوجستيات التي يوفرها جزءًا أساسيًا من الدفاع عن المنطقة. ولم تثبت أيضًا أن الدبلوماسية الخليجية مع إيران كانت خطأ. فالبديل عن الحوار في منطقة تتقاسم الجغرافيا والطاقة والمياه والممرات البحرية ليس «عدم الحوار»، وإنما انتظار الأزمة التالية في بيئة أكثر عداء. ما أثبتته الحرب هو شيء أكثر تحديدًا: النموذج الذي يجعل أمن الخليج شديد الاعتماد على قرارات وقدرات قوة خارجية، بينما تبقى المنطقة نفسها ساحة الرد على قرارات تلك القوة، لم يعد كافيًا. من هنا يصبح الخيار الأكثر منطقية -بحسب التحليلات التي استعرضها التقرير- ليس إخراج الولايات المتحدة من معادلة أمن الخليج، ولا ترك المعادلة لها. المطلوب أن تنقلب العلاقة: من دول تستضيف منظومة أمريكية وتستفيد منها، إلى منظومة خليجية تملك قرارها وقدرتها الأساسية، وتستعين بحلفائها لتعزيز أمنها إذا لزم الأمر. عندها فقط يصبح الدعم أداة في استراتيجية الخليج، لا تصبح الاستراتيجية الخليجية رهينة للدعم الخارجي. أبرز المصادر: رويترز – جورجينا مكارتني (Georgina McCartney): US military strikes three Iranian crude oil carriers, Central Command says، تقرير إخباري، 5 سبتمبر 2026. ويثبت مصدر إعادة النشر الأصلي اسم الصحفية في خانة التقرير. (Internazionale) رويترز – باريزا حافظي (Parisa Hafezi) وبو إريكسون (Bo Erickson): US-Iran strikes raise fears of renewed war across the Middle East، تقرير، 2 سبتمبر 2026. (Currently) رويترز – دافني بساليداكس (Daphne Psaledakis) وباريزا حافظي: US launches new strikes on Iran and Tehran hits back in widening conflict، تقرير، 1 سبتمبر 2026. (Al-Monitor) مركز ستيمسون – كريستيان ألكسندر (Kristian Alexander): The Future of US Basing in the Persian Gulf After the 2026 Iran War، تحليل، 2 سبتمبر 2026. (Stimson Center) واشنطن بوست – نواه روبرتسون (Noah Robertson)، جون هدسون (John Hudson)، سوزانا جورج (Susannah George): Pentagon weighing smaller U.S. military presence in Gulf once Iran war ends، تحقيق إخباري، 18 أغسطس 2026. (The Washington Post) فاينانشيال تايمز – جاكوب جودا (Jacob Judah): Are America’s vast Gulf bases worth rebuilding?، تقرير تحليلي، 23 أغسطس 2026، خاص بالمشتركين. (Archive) لوموند – فاني أرلاندي (Fanny Arlandis)، حوار مع الباحث مايكل ستريكوف: «Les bases américaines au Moyen-Orient fournissent des capacités, mais elles constituent aussi des cibles»، مقابلة، 20 يوليو 2026، خاص بالمشتركين. (Le Monde.fr) معهد الشرق الأوسط – إف. غريغوري غوس الثالث (F. Gregory Gause III): American Bases in the Gulf: Targets or Deterrents?، تحليل، 15 أبريل 2026. (Middle East Institute) مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية – علي باكير: Lessons Learned by GCC States in the 2026 US-Israel-Iran War، موجز سياسات، 14 يوليو 2026. (Middle East Council on Global Affairs) المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS – إيلين كلارك، نور حماد، أسنا واجد: Mapping the damage: Iranian strikes on the GCC، تحليل، 27 مارس 2026. (IISS) المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS – ألبرت فيدال ريبي (Albert Vidal Ribe): Defending the skies of the Arab Gulf states، تحليل، 18 مارس 2026؛ وChallenge for the Gulf states: rearming after the war، 12 مايو 2026. (IISS) مركز الجزيرة للدراسات – عبد الله راشد المرسل: الحرب مع إيران وأزمة القرار الأميركي: التداعيات الإستراتيجية على أمن الخليج العربي، دراسة، 21 يوليو 2026. (Al Jazeera Centre for Studies) معهد البحوث الاستراتيجية في المدرسة العسكرية الفرنسية IRSEM – أوليفييه باسو (Olivier Passot): Repenser la posture de défense des États du Golfe après la guerre، موجز استراتيجي، 23 أبريل 2026. والمؤسسة تنبه إلى أن الدراسة تعبر عن صاحبها ولا تمثل موقفًا رسميًا لوزارة القوات المسلحة الفرنسية. (Irsem) المعهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة» – نديم أحمد موناكال (Nadeem Ahmed Moonakal): The Limits of the US–Iran Agreement and the Gulf States’ Concerns، مقال تحليلي، 1 يوليو 2026. (المعهد الدولي للدراسات الإيرانية) رصانة – فريق التحرير: The Gulf States’ Response to Iran’s Attacks: Strategic Restraint Amid Escalation، تقرير، 19 مارس 2026. (المعهد الدولي للدراسات الإيرانية) وور أون ذا روكس – بيكا واسر (Becca Wasser) وآرون شتاين (Aaron Stein): Small, Distributed, and Secure: A New Basing Architecture for the Middle East، تحليل، 16 ديسمبر 2020. (War on the Rocks) كامبريدج يونيفرسيتي برس – إف. غريغوري غوس الثالث: The International Relations of the Persian Gulf، كتاب، 2010. (Cambridge Assets)