نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) تحليلا أعدته نيتيا لابه وفارع المسلمي، يتناول الحصار الذي أعلنته جماعة الحوثي ضد السعودية في البحر الأحمر، محذرًا من أن الأزمة لم تعد تقتصر على تهديد الملاحة الإقليمية، بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام الدولي على حماية التجارة العالمية ومنع انهيار التعاون في مجال الأمن البحري. وترى الباحثتان أن استمرار إغلاق باب المندب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يفضيان إلى أزمة ممتدة، ثم إلى ترتيبات فردية تكافئ الإكراه وتفتح الباب أمام صراع أوسع.

يمثل إعلان الحوثيين في 20 يوليو مرحلة أكثر خطورة في أزمة التجارة البحرية العالمية. فمع ورود تقارير عن استهداف سفن سعودية، بات مضيق باب المندب وقناة السويس مغلقين فعليًا من طرفي البحر الأحمر، بالتزامن مع الأزمة القائمة في مضيق هرمز. وبهذا يواجه العالم، بحسب المقال، أزمة متزامنة في ثلاثة ممرات حيوية، تضع الحكومات أمام سؤال صعب: إلى أي مدى يمكنها تحمل الاضطراب الاقتصادي قبل الانتقال إلى التصعيد العسكري؟

تكشف الأزمة كذلك عن تنامي قدرة الفاعلين من غير الدول على التأثير في الاقتصاد العالمي. فقد أثبت الحوثيون أن جماعة محدودة الإمكانات العسكرية نسبيًا تستطيع تهديد ممرات بحرية استراتيجية وممارسة ضغط على قوى إقليمية، على غرار ما فعلته إيران في مضيق هرمز. غير أن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الحوثيون قادرين على هزيمة القوات البحرية الدولية، بل ما إذا كانوا يستطيعون إبقاء مستوى من الاضطراب يكفي لتحقيق أهدافهم السياسية.

ويرى الكاتبان أن إيران تتعامل مع التصعيد في مضيق هرمز بوصفه مقامرة محسوبة، هدفها رفع تكلفة المواجهة بما يكفي لإجبار واشنطن على العودة إلى التفاوض بشروط أوسع. ووفق هذه القراءة، تعتمد طهران سياسة «التصعيد من أجل خفض التصعيد». ويخدم دخول الحوثيين على خط المواجهة المصالح الإيرانية عبر زيادة الضغط على حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما السعودية، وإلحاق الضرر بأسواق النفط، وتوسيع أدوات الضغط الإيرانية، مع منح طهران مساحة للإنكار وتخفيف العبء عن جبهة هرمز.

أما إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتتبنى منطقًا معاكسًا يقوم على استعادة الردع من خلال الضغط العسكري الكاسح، مع محاولة تجنب الانجرار إلى حرب أخرى مفتوحة في الشرق الأوسط. إلا أن هذا النهج يحمل مخاطر واضحة؛ فإذا أخفق في تحقيق نتيجة قابلة للتسويق داخليًا، فقد تدفع الضغوط السياسية الإدارة نحو مزيد من التصعيد بدل ضبط النفس. وقد أعلنت واشنطن بالفعل استعدادها لاستهداف الحوثيين مجددًا إذا هاجموا الملاحة الأمريكية، ما يرفع احتمال امتداد العمليات العسكرية من الخليج إلى البحر الأحمر.

ويحذر المقال من اختزال الحوثيين في دور الوكيل المنفذ للاستراتيجية الإيرانية. فالجماعة مندمجة بعمق في «محور المقاومة» وتعتمد على الدعم العسكري الإيراني، لكنها تحتفظ بقدر مهم من الاستقلال، ولا سيما في ما يتعلق بأهدافها الداخلية. وتتقاطع مصالحها مع طهران، لكنها لا تتطابق معها دائمًا.

بالنسبة إلى الحوثيين، يخدم تعطيل الملاحة عدة أهداف تتجاوز مساندة إيران. فهو يمنحهم ورقة ضغط على المجتمع الدولي، ويوفر أداة ردع في مواجهة خصومهم الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية، ويعزز شرعيتهم الداخلية من خلال تصويرهم قوة قادرة على تحدي أطراف خارجية كبرى. وقد رفعت هجماتهم البحرية بين 2023 و2025، التي ربطوها بدعم فلسطين، من مكانتهم لدى قطاعات من اليمنيين رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية.

كما يعكس التصعيد طموح الحوثيين إلى دفع السعودية نحو إحياء خريطة الطريق السياسية التي جُمّدت أواخر 2023، بما يشمل استئناف التفاوض بشأن ترتيبات مالية تعزز قدرة الجماعة على الحكم وتزيد مواردها الاقتصادية. وإقليميًا، يبدو أنهم يسعون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم الطرف الأبرز داخل محور المقاومة بعد تراجع قوة حزب الله في لبنان.

ولا يحتاج الحوثيون إلى إغراق أعداد كبيرة من السفن لتحقيق أثر استراتيجي. فنجاحهم يقوم أساسًا على خلق عدم يقين يدفع شركات التأمين إلى رفع الأقساط، وشركات الشحن إلى تغيير المسارات، والحكومات إلى تحمل تكاليف اقتصادية متزايدة. ولهذا فإن معيار النجاح لديهم نفسي واقتصادي أكثر منه عسكريًا، وربما يكونون قد حققوا بالفعل جزءًا من هذا الهدف.

لكن إطالة الأزمة قد تفرض تكاليف كبيرة على اقتصادات تعتمد على الواردات، مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية. وقد يكون الحوثيون قد قللوا من حجم رد الفعل الذي ستثيره خسائر التجارة العالمية، إذ يُرجح أن يتزايد الضغط من أجل تنسيق تحرك دبلوماسي وأمني ضدهم كلما تراكمت الأضرار.

ويحدد المقال خطرًا أشد يتمثل في انهيار القواعد الجماعية وتحول الدول إلى منطق «كل طرف ينجو بنفسه». فمع استمرار تعطيل سلاسل الإمداد، قد تسعى حكومات وشركات إلى إبرام تفاهمات منفردة مع إيران أو الحوثيين لضمان المرور الآمن. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات إلى اتفاقات مؤقتة مع طهران في هرمز، ويمكن أن يتكرر الأمر في البحر الأحمر. ورغم أن هذه الترتيبات قد تحمي بعض الأطراف مؤقتًا، فإنها تضعف الأمن البحري الجماعي وتكافئ استخدام تعطيل الملاحة أداةً للابتزاز السياسي.

في المقابل، يشدد الكاتبان على وجود بدائل جماعية جاهزة. فقد اقترحت المملكة المتحدة وفرنسا في أبريل تشكيل تحالف من أربعين دولة لحماية الملاحة مستقبلًا عبر مضيق هرمز، كما تعمل قوتا الاتحاد الأوروبي البحريتان أسبيدس وأتالانتا منذ سنوات في الخليج والبحر الأحمر. ويمكن توسيع هذه الجهود عبر تنظيم المرافقة البحرية والقوافل، وتحديد مسارات آمنة، وتنفيذ عمليات لحماية حرية الملاحة، وتقديم دعم طارئ عند وقوع الهجمات.

ويخلص المقال إلى أن تقوية هذه الأطر ستكون أكثر فعالية من السماح بانتشار ترتيبات ثنائية متنافسة مع الحوثيين وطهران. أما الاعتماد المتزايد على شركات الأمن البحري الخاصة فقد يوفر حماية مؤقتة، لكنه سيعقد القيادة والسيطرة والتنسيق بين القوات البحرية، ويطمس خطوط المسؤولية عند وقوع الحوادث.

وفي المحصلة، لم تعد حماية حرية الملاحة تحديًا عسكريًا صرفًا، بل أصبحت اختبارًا أوسع لقدرة الدول على التنسيق وسط أزمات جيوسياسية متزامنة. والخطر الأكبر ليس استمرار الحصار وحده، بل تحوله إلى سابقة تثبت أن تعطيل الممرات البحرية وسيلة ناجحة لانتزاع المكاسب السياسية.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

40 عامًا على إطلاق مؤشر «بيج ماك».. ماذا يكشف عن الاقتصاد العالمي؟

يستعرض تقرير «ذي إيكونوميست» كيف تحول مؤشر بيغ ماك خلال أربعين عامًا من فكرة ساخرة إلى أدا…