الرصد الأسبوعي لمراكز الأبحاث العالمية (12-18 سبتمبر 2026)

قبل أشهر، كان الحديث عن «النظام الإقليمي الجديد» أقرب إلى سؤال عما سيأتي بعد الحرب. هذا الأسبوع، تعاملت عدة مراكز أبحاث معه بوصفه شيئًا يتشكل بالفعل أثناء القتال. ولم تعد المسألة تقتصر على من يملك التفوق العسكري، بل باتت تشمل أيضًا من يستطيع حماية طرق التجارة والطاقة، ومن يضع قواعد المرور عبر المضائق، وأي ترتيبات أمنية تستطيع دول المنطقة الاعتماد عليها حين لا تكفي المظلة الأمريكية القديمة وحدها.

المفارقة أن اتساع أدوات القوة ترافق مع انكشاف حدودها؛ فإيران التي تعرضت لضربات واسعة لا تظهر في بعض القراءات بوصفها قوة خرجت من المعادلة، بل طرفًا يستخدم الجغرافيا والممرات البحرية لتعويض اختلال ميزان القوة التقليدي. وفي المقابل، تبحث دول الخليج عن ترتيبات أكثر تعقيدًا تجمع القدرات الذاتية، والشراكات الغربية، والتعاون الإقليمي، والتحالفات الأصغر. وبين الاثنين، يتحول هرمز وباب المندب من ممرين تمر عبرهما الأزمة إلى جزء من بنية القوة نفسها.

ولهذا تبدو الإصدارات البحثية هذا الأسبوع أقل انشغالًا بسؤال «من ينتصر؟» وأكثر اهتمامًا بسؤال أصعب: ما النظام الذي تنتجه حرب لا يستطيع طرف حسمها، لكنها تغير في أثناء استمرارها معنى الردع والتحالف والسيادة والأمن الاقتصادي؟

موجز الإصدارات البحثية

الممرات لم تعد مجرد طرق للتجارة

تلتقي الإصدارات البحثية هذا الأسبوع عند تحول الجغرافيا من خلفية للصراع إلى أداة قوة؛ إذ يضع فالي نصر السيطرة الإيرانية على هرمز في قلب حجته بشأن تآكل بنية الاحتواء الأمريكية القديمة، فيما يذهب محسن ميلاني إلى أن توظيف إيران للمضيق أظهر كيف تستطيع الجغرافيا تعويض جزء من التفوق العسكري الذي تتمتع به الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن الأسبوع أضاف إلى هرمز ممرًا ثانيًا؛ إذ يرى فارع المسلمي أن تقدم الحوثيين على الساحل اليمني رفع قدرتهم على التأثير في باب المندب، بينما تقرأ ماشا كوتكين هذا التطور مع الأضرار التي لحقت بالبنية السعودية بوصفهما ضغطًا متزامنًا على قدرة أسواق الطاقة على امتصاص الحرب.

وتضيف نوعام ريدان تفصيلًا عمليًا إلى هذه الصورة: لا تتوقف التجارة بالضرورة عندما يصبح المضيق خطرًا، لكنها تبدأ في ابتكار طرق أكثر كلفة وتعقيدًا، مثل نقل الشحنات بين الناقلات في خليج عمان. بذلك لا يكون السؤال هل تستطيع الأسواق الالتفاف على الأزمة، بل إلى متى تستطيع دفع ثمن الالتفاف عليها.

أمن الخليج.. طبقات حماية بدل المظلة الواحدة

إذا كان اضطراب الممرات يكشف ملامح المشكلة، فإن المواد المنشورة هذا الأسبوع لا تقدم حلًا واحدًا لها؛ إذ يخلص تقدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بشأن الناتو ومجلس التعاون إلى نظام أمني «متعدد الطبقات»: تعاون تقني وعملياتي مع الناتو، ترتيبات خليجية، شراكات ثنائية، وتحالفات إقليمية أصغر، من دون افتراض أن أيًا منها يستطيع وحده الحلول محل الضمانات الأمريكية.

هذه الفكرة تلتقي، من زاوية أخرى، مع حجة فالي نصر بشأن تراجع قدرة واشنطن على تشكيل النظام الإقليمي منفردة. لكن الاستنتاجين ليسا متطابقين. فقراءة نصر تمنح إيران مساحة أكبر في النظام الناشئ، بينما يركز تقدير مجلس الشرق الأوسط على كيفية بناء الدول الخليجية شبكات متعددة تقلل اعتمادها على ضامن واحد.

حتى الصيغة التي يطرحها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لفهم تركيا تنتمي إلى الاتجاه الأوسع نفسه: الاستقلال الاستراتيجي لا يتطلب بالضرورة مغادرة التحالفات القديمة، بل يمكن بناؤه من داخلها مع توسيع هامش الحركة خارجها.

إيران: البقاء لا يساوي الانتصار

أحد أكثر الفروق أهمية في مواد الأسبوع هو الفصل بين قدرة إيران على البقاء وبين الادعاء بأنها خرجت منتصرة. تصف نيغار مرتضوي دولة ما زالت مؤسساتها المركزية تعمل رغم اغتيال قياداتها والضغط الاقتصادي والعسكري، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن استمرار الدولة لا يلغي إنهاك المجتمع أو اتساع دور الأجهزة الأمنية.

أما مايكل آيزنشتات وفرزين نديمي فينظران إلى ما بعد الخسائر العسكرية: ما الذي ستعيد طهران بناءه أولًا؟ توقعهما هو أن تدفع تجربة الحرب إيران إلى زيادة الاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة، أي تعزيز الأدوات التي أثبتت فائدتها بدل محاولة استعادة كل ما فقدته بالصورة نفسها.

هنا يظهر فارق مهم بين قراءة النظام السياسي وقراءة القوة العسكرية. الأولى تقول إن الدولة لم تنهَر، والثانية تقول إن الجيش سيضطر إلى الاختيار وإعادة ترتيب الأولويات. وفي الحالتين، لا تعود فرضية «إضعاف إيران = إخراجها من النظام الإقليمي» كافية لتفسير ما يجري.

الكلفة التي لا تظهر على خرائط العمليات

تقدم دراسة كارنيغي التصحيح الأوضح للمنظور العسكري؛ فالحرب تضرب منطقة كانت تعاني أصلًا من ندرة المياه والجفاف والضغوط المناخية، وتضيف إلى ذلك تضرر منشآت المياه والطاقة، والتلوث، والنزوح، ومخاطر الصحة العامة، وتراجع قدرة الحكومات على تمويل التكيف المناخي.

أهمية هذه المادة أنها تغير معنى «الأمن». حماية الممرات والقواعد ومنشآت النفط ليست سوى جانب واحد من قدرة الدولة على الصمود. عندما تتضرر شبكات المياه والزراعة والصحة وتُستنزف الميزانيات في إصلاح البنية التحتية والدفاع، تتحول الحرب إلى عامل يضعف قدرة المجتمعات على مواجهة أزمات قد تستمر بعد توقف القتال نفسه.

العراق ولبنان والأردن: ما الذي يحل محل الترتيبات القديمة؟

في العراق، تكشف مادتان لمعهد واشنطن عن انتقال المشكلة من سؤال الوجود العسكري الأمريكي المباشر إلى قدرة الدولة على إدارة ما يبقى بعده. ديفورا مارغولين تركز على ملف المحتجزين المرتبطين بتنظيم الدولة والحاجة إلى إطار قانوني وتعاوني طويل المدى، فيما يرى ديفيد شينكر أن اختبار نزع سلاح الميليشيات أصبح أكثر إلحاحًا بعدما تجاوز تأثير بعضها الحدود العراقية.

وفي لبنان، يقترح زوهار بالتي استثمار انتهاء اليونيفيل لبناء ترتيبات تدريب وتجهيز تعزز قدرة الجيش اللبناني. هذه توصية من زاوية سياسات أمريكية واضحة، لكنها تعكس سؤالًا أوسع حاضرًا في أكثر من ساحة: ماذا يحدث عندما تتراجع أو تتغير الآليات الدولية التي أدارت الأزمة لسنوات؟

وفي الوقت نفسه، يرى ديفيد شينكر في تحليله للأردن أن الحرب لم تقلل الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة ببساطة، بل أعادت توزيعه، مع ارتفاع القيمة الاستراتيجية للمواقع الأقل تعرضًا للقدرات الإيرانية.

الضفة الغربية: ضغط يتجاوز حدود الصراع المحلي

أعادت مادتان في نهاية الأسبوع الضفة الغربية إلى الرصد من زاويتين متصلتين. نيومي نيومان تقرأ تصاعد عنف المستوطنين بوصفه نمطًا أكثر تنظيمًا يسهم في دفع تجمعات فلسطينية عن أراضيها، بينما يتابع بيير أرنو بلانشار ردًا دوليًا مختلفًا يتمثل في اتجاه مجموعة من الدول إلى استخدام التجارة أداة ضغط على المستوطنات.

الجمع بين المادتين يكشف انتقال القضية بين مستويين: تغير الوقائع على الأرض من جهة، وتحول بعض الحكومات الغربية نحو أدوات اقتصادية للتأثير فيها من جهة أخرى. ولا يعني ذلك أن الضغط سيغير المسار تلقائيًا، لكنه يوسع كلفة الاستيطان من المجال السياسي والدبلوماسي إلى العلاقات التجارية.

من كان في قلب الاهتمام؟

إيران ظلت العقدة التي ترتبط بها أكبر مجموعة من الأسئلة، لكن صورتها أصبحت أكثر تعقيدًا: دولة متضررة وقادرة على الاستمرار في الوقت نفسه، وخصم عسكري أضعف في بعض المجالات لكنه يملك أدوات غير متناظرة، وقوة تحاول تحويل هرمز إلى ورقة سياسية تتجاوز زمن الحرب.

السعودية ودول الخليج ظهرت بوصفها الطرف الذي يواجه أكثر الأسئلة إلحاحًا حول شكل الأمن المقبل. اضطراب صادرات الطاقة، تضرر البنية التحتية، الضغط من هرمز وباب المندب، والشكوك في كفاية الضمان الخارجي دفعت التحليل نحو ترتيبات أمنية أكثر تنوعًا.

اليمن لم يعد حاضرًا أساسًا بوصفه حربًا داخلية معلقة. التقدم الحوثي بات يُقرأ من خلال موقعه في أمن البحر الأحمر والطاقة والتوازن الإقليمي.

وفي العراق ولبنان والأردن والضفة الغربية ظهرت أسئلة أقل هيمنة على المشهد، لكنها متصلة بالمشكلة الكبرى نفسها: من يملك القدرة المؤسسية على إدارة الأمن عندما تتغير الترتيبات التي اعتادت المنطقة العمل في ظلها؟

اتجاهات المواقف

يمكن تمييز اتجاه بحثي يرى أن الحرب سرعت تراجع النموذج الأمني القائم على التفوق الأمريكي والاعتماد الخليجي على واشنطن، لكنه لا يتفق على ما سيحل محله. بعض القراءات يمنح إيران دورًا أكبر، وبعضها يرى في تنويع الشراكات الخليجية والاستقلال الاستراتيجي التدريجي المسار الأكثر ترجيحًا.

في المقابل، تظل مجموعة من مواد معهد واشنطن أقرب إلى سؤال السياسات الأمريكية المباشر: كيف تحافظ واشنطن على نفوذها، وتعيد توزيع وجودها العسكري، وتقوي شركاء الدولة، وتواجه الميليشيات والقدرات الإيرانية غير المتناظرة؟ وهذه عدسة مختلفة عن السؤال الذي يطرحه باحثون ينظرون إلى النظام الإقليمي من زاوية تحول موازين القوة نفسها.

اختلاف العدسات

أوضح اختلاف في الأسبوع يدور حول معنى الصمود الإيراني.

يرى فالي نصر أن نتائج الحرب قد تمنح إيران قدرة أكبر على التأثير في النظام الأمني المقبل، لأن طهران حولت الجغرافيا الخليجية إلى مصدر قوة وأظهرت حدود قدرة واشنطن على فرض النتيجة التي أرادتها.

أما نيغار مرتضوي فتضع خطًا أكثر حذرًا بين صمود النظام وبين حالة المجتمع والاقتصاد: عدم الانهيار ليس دليلًا على غياب الضرر العميق.

وفي تحليل آيزنشتات ونديمي، لا يكون السؤال أصلًا هل خرجت إيران أقوى أم أضعف سياسيًا، بل أي قدرات ستختار إعادة بنائها بعد أن كشف القتال ما نجح وما فشل.

هذه العدسات الثلاث لا تتناقض بالضرورة. لكنها تمنع اختزال النتيجة في حكم واحد من نوع «إيران انتصرت» أو «إيران هُزمت».

على شاشة الرادار

أمن هرمز وباب المندب: إذا استمر ربط الممرين داخل حسابات الصراع، فسيصبح أي تفاوض حول الملاحة والطاقة جزءًا من الترتيب الأمني الإقليمي لا مجرد مسألة شحن.

البنية الأمنية الخليجية: الاختبار المقبل ليس الإعلان عن مزيد من الاتفاقات، بل معرفة أيها ينتج قدرات تشغيلية فعلية في الدفاع الجوي والبحري وحماية المنشآت وإدارة الأزمات.

إعادة بناء القوة الإيرانية: الأولويات التي تختارها طهران بعد خسائر الحرب ستكشف كيف قرأت هي نفسها دروس المواجهة، وما إذا كان الاعتماد على الصواريخ والمسيّرات سيتعمق.

العراق: اقتراب مهلة نزع سلاح الميليشيات سيختبر قدرة الدولة على تحويل الإعلان السياسي إلى تغيير حقيقي في موازين القوة المسلحة.

الضفة الغربية: الجمع بين تصاعد العنف واتساع أدوات الضغط التجاري الخارجي يجعل الاستيطان ملفًا مرشحًا لمزيد من التدويل الاقتصادي والدبلوماسي.

ما الذي بقي في الظل؟

رغم أن دراسة كارنيغي وسعت العدسة إلى البيئة والصحة والمياه، ظل الجانب الاجتماعي للحرب أقل حضورًا من الأمن والطاقة في مجمل الإنتاج القوي الذي ظهر خلال الأسبوع. آثار الحرب في التعليم، وسوق العمل، وعدم المساواة، والتحولات داخل الأسر والمجتمعات الخليجية والإيرانية واليمنية تحتاج إلى حضور بحثي أعمق إذا طال الصراع.

كما أن النقاش بشأن النظام الأمني الجديد ما زال أوضح في المؤسسات الأمريكية والبريطانية والخليجية التي ظهرت في الرصد من الأصوات الآسيوية، رغم أن الاقتصادات الآسيوية من أكثر المتأثرين باضطراب الطاقة والملاحة. وإذا كان أحد الأسئلة الكبرى هو ما إذا كانت الصين ستوسع دورها في الخليج، فإن نقص القراءات الصينية المباشرة القوية خلال النافذة يظل فجوة جديرة بالمراقبة.

الخلاصة

إذا كان هناك خيط يجمع أبحاث هذا الأسبوع، فهو أن القوة الإقليمية لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والقواعد. القدرة على إبقاء ناقلة نفط في مسارها، أو حماية محطة مياه، أو إبقاء مضيق مفتوحًا، أو منع ميليشيا من فرض قرارها على الدولة، أصبحت عناصر من المعادلة نفسها.

الحرب لم تنتج بعد نظامًا بديلًا مكتملًا. لكنها أضعفت افتراضات كان النظام القديم يقوم عليها: أن واشنطن تستطيع وحدها ضمان أمن الخليج، وأن التفوق العسكري يكفي لإخراج إيران من معادلة القوة، وأن هرمز وباب المندب مجرد ممرات ينبغي حمايتها لا أوراق يمكن استخدامها، وأن التحالفات يجب أن تكون حصرية وثابتة.

ما يظهر بدلًا من ذلك أكثر فوضوية وأقل قابلية للاختزال في محورين: دول تحافظ على الشراكة الأمريكية وتبحث في الوقت نفسه عن استقلال أكبر، إيران متضررة لكنها باقية في قلب الحسابات، قوى وسطى توسع مساحة حركتها، وممرات بحرية أصبحت جزءًا من التفاوض على قواعد النظام نفسه. وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي التقطته مراكز الأبحاث هذا الأسبوع: النظام الإقليمي الجديد لا ينتظر نهاية الحرب كي يبدأ.