هل تستطيع القوة العسكرية شراء الأمن؟ سؤال يطارد القوى الإقليمة والدولية في الصحف العالمية

فترة الرصد: من السبت 10 أكتوبر إلى الجمعة 16 أكتوبر 2026

مقدمة

كان مطار الملك خالد الدولي في الرياض يستعد لاستقبال موسم حافل بالفعاليات الاقتصادية والترفيهية عندما تحوّل إلى هدف متكرر للصواريخ الحوثية. وفي الوقت نفسه، كانت غزة تستكمل عامًا على اتفاق وقف إطلاق النار لم يُنهِ سقوط الضحايا، بينما اقتربت إسرائيل من انتخابات جديدة دون أن تحسم مستقبل القطاع. بدت المفارقة قاسية: دول تنفق مليارات الدولارات على الدفاع، واتفاقات تُوقّع باسم السلام، لكن قدرة أيٍّ منهما على توفير الأمن للسكان تظل موضع اختبار.

أعاد الهجوم على الرياض سؤالًا قديمًا إلى قلب النقاش الاستراتيجي: ما قيمة التفوق العسكري إذا استطاع خصم أقل موارد تعطيل مطار دولي أو تهديد ممر تجاري حيوي؟ غير أن السؤال تجاوز السعودية واليمن. ففي لبنان، واجهت الدولة تحدي فرض سلطتها على السلاح وسط استمرار التهديدات الإسرائيلية، وفي مضيق هرمز بقيت المفاوضات الأمريكية الإيرانية عاجزة عن ضمان الملاحة، فيما واصلت الأسواق احتساب تكلفة الحرب في أسعار الطاقة.

تكشف تغطيات الأسبوع عن أزمة تتجاوز المواجهات العسكرية المباشرة. فالضمانات الأمنية التقليدية تتعرض لاختبارات متزامنة، والتحالفات الجديدة تواجه حدود قدرتها على التدخل، والتفاهمات السياسية تصطدم بحسابات الأطراف المسلحة والانتخابات الداخلية. وبينما انشغلت الحكومات بالردع والمساومة، ظل المدنيون في تعز وغزة والضفة الغربية يدفعون ثمن غياب التسويات القابلة للتنفيذ.

 

نظرة عامة

برزت خلال الأسبوع خمس قضايا مترابطة: التصعيد السعودي الحوثي، وتعثر تأمين الممرات البحرية ومسارات الطاقة، والذكرى الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والصراع على السلطة والسلاح في لبنان، وتأثير الانتخابات الإسرائيلية على القضية الفلسطينية.

حظي التصعيد في اليمن والسعودية بتغطية واسعة في مصادر مستقلة بلغات متعددة، وامتد عبر معظم أيام الأسبوع. أما غزة، فبرزت خصوصًا في المواد التفسيرية والحقوقية ومقالات الرأي المرتبطة بمرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار. وفي لبنان، ركزت التغطيات على قدرة الدولة على فرض سلطتها، ودور الدعم الخارجي في إعادة بناء مؤسساتها.

وتشير المقارنة بين هذه القضايا إلى اتجاه مشترك: ازدياد الفجوة بين الأهداف السياسية المعلنة والقدرة الفعلية على تحقيقها.

أبرز العناوين

أولًا: السعودية والحوثيون.. قوة عسكرية كبيرة أمام تهديد منخفض التكلفة

أعادت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي في الرياض الحرب اليمنية إلى قلب الحسابات الأمنية السعودية. إذ أسفر هجوم 10 أكتوبر عن مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 300، وفق الحصيلة التي أوردتها عدة مصادر بعد تحديث البيانات الأولية. وتبعته ضربات أخرى عطلت حركة الطيران وأثارت مخاوف بشأن قدرة الدفاعات السعودية على حماية المنشآت المدنية والاقتصادية.

لم تقتصر أهمية الهجمات على الخسائر البشرية. فالسعودية التي تعمل على تعزيز موقعها مركزًا عالميًا للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا وجدت نفسها أمام تهديد مباشر لصورة الاستقرار التي تستند إليها مشروعاتها الاقتصادية.

تطرح «واشنطن بوست» هذه المعضلة من زاوية العلاقة بين الأمن والتنمية. فاستمرار الهجمات يهدد الاستثمارات والفعاليات الكبرى، بينما قد يؤدي الرد العسكري الواسع إلى حرب استنزاف جديدة. وتبرز الصحيفة تقديرات محللين يرون أن الرياض مطالبة بالموازنة بين إضعاف القدرات الحوثية وإيجاد مخرج سياسي يمنع الصراع من ابتلاع أولوياتها الاقتصادية.

وفي فرنسا، ركزت «لوموند» على مأزق الرد السعودي. فالمملكة تمتلك قوة جوية متقدمة، لكنها تواجه خصمًا يستطيع إطلاق الصواريخ والمسيّرات من مواقع متفرقة، بما يجعل الدفاع الكامل عن مساحة جغرافية شاسعة مهمة بالغة الصعوبة.

أما «أسوشيتد برس»، فقد تناولت المسألة مباشرة في تقرير «لماذا تواجه السعودية صعوبة في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الحوثية الأخيرة؟»، موضحة أن الإنفاق العسكري الكبير لا يضمن اعتراض جميع الهجمات، خصوصًا عندما تُستخدم أسلحة متفاوتة التكلفة لاستنزاف منظومات الدفاع.

وفي إيطاليا، تناولت أنَّاكيارا موتولا دي أماتو في «لا ريبوبليكا» تحت عنوان «لماذا استؤنفت الحرب في اليمن الآن، وكيف يمكن أن تتسع إلى صراع إقليمي؟»، بتاريخ 11 أكتوبر، العلاقة بين تجدد المواجهات والحرب الأوسع على إيران. وتضع الكاتبة الصراع في سياقه التاريخي، بعد أكثر من عقد على التدخل السعودي الأول في اليمن.

ماذا يريد الحوثيون؟

تتجاوز أهداف الحوثيين مجرد الرد على الضربات السعودية. فالحركة تسعى إلى تثبيت مكاسبها العسكرية وتحسين شروط التفاوض بشأن الإيرادات والموانئ والمطارات وترتيبات السلطة في اليمن.

لكن اختزال الحوثيين في كونهم أداة إيرانية يحجب جانبًا من استقلالية قرارهم. إذ تناولت الجزيرة الإنجليزية في تقرير «المحادثات الإيرانية السعودية بشأن الحوثيين.. ما مصلحة طهران؟»، 12 أكتوبر، احتمال استخدام إيران الوساطة لتحويل الأزمة اليمنية إلى ورقة تفاوض أوسع.

ونقل التقرير عن باحثين أن طهران قد ترى في الأزمة فرصة لتعزيز موقعها الدبلوماسي، لكنهم حذروا من المبالغة في قدرتها على التحكم في الحوثيين، الذين يمتلكون أهدافًا سياسية وعسكرية خاصة بهم.

تؤكد هذه القراءة أن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى معالجة مطالب الحوثيين وعلاقتهم بالدولة اليمنية، وليس الاكتفاء بتفاهم إيراني سعودي.

اتفاق مكة.. اختبار مبكر للتحالف الثلاثي

أعاد التصعيد أيضًا الاهتمام باتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا.

في صحيفة «دون» الباكستانية، رأى المحلل الاستراتيجي خرم عباس في مقال «لحظة اليمن بالنسبة إلى باكستان»، 10 أكتوبر، أن تفعيل التزامات الدفاع المشترك يضع إسلام آباد أمام احتمال الانخراط في صراعات إقليمية معقدة.

ويستحضر الكاتب موقف باكستان عام 2015، حين امتنعت عن المشاركة المباشرة في الحرب اليمنية، معتبرًا أن التطورات الجديدة تعيد طرح السؤال نفسه في ظروف أشد تعقيدًا.

لكن بشير علي عباس، في «إنديان إكسبرس»، يقدم قراءة أكثر تفصيلًا لحدود التحالف. فباكستان لديها خبرة طويلة في التعاون العسكري مع السعودية، بينما تنظر تركيا إلى الاتفاق بوصفه إطارًا لبناء القدرات والتعاون الدفاعي، وليس تفويضًا مفتوحًا لخوض عمليات هجومية في اليمن.

وتبرز هنا مفارقة مهمة: قد ينجح التحالف في تطوير الصناعات الدفاعية وتبادل الخبرات وتعزيز الردع، لكنه لا يضمن اتفاق أعضائه على خوض الحرب نفسها.

إذا المشكلة السعودية لا تقتصر على نقص وسائل الدفاع، بل تشمل طبيعة التهديد الحوثي وحدود المساعدة الخارجية وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى تسوية مستقرة.

ثانيًا: هرمز وباب المندب.. عندما تصبح الجغرافيا سلاحًا اقتصاديًا

في مضيق هرمز، استمرت المواجهة الأمريكية الإيرانية رغم الاتصالات الدبلوماسية. وفي البحر الأحمر، أضافت العمليات الحوثية تهديدًا آخر للملاحة وللصادرات السعودية.

أصبح المساران مترابطين اقتصاديًا، وإن اختلفت الأطراف المباشرة في كل منهما. فتعطيل أحد الممرات يزيد أهمية الآخر، والتهديد المتزامن لكليهما يرفع تكلفة التأمين والشحن ويضيق خيارات الدول المصدرة للطاقة.

المفاوضات لا توقف المخاطر البحرية

في 11 أكتوبر، رصدت «إيران إنترناشيونال» في تقرير «تعثر الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية مع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية» استمرار الخلاف بشأن شروط إعادة فتح مضيق هرمز، بالتزامن مع عمليات عسكرية وتهديدات متبادلة.

وتشير التغطية إلى أن طهران وواشنطن تتعاملان مع الملاحة البحرية باعتبارها جزءًا من المساومة السياسية، لا ملفًا تقنيًا منفصلًا عن الحرب والعقوبات والبرنامج النووي.

وفي 12 أكتوبر، نقلت «رويترز» في تقرير «إيران سترد على الموقف الأمريكي من مقترح هرمز بعد انتهاء مراجعته» أن طهران تدرس الرد الأمريكي على مقترحها، وسط استمرار الخلاف حول ترتيب الملفات التي ينبغي معالجتها.

تكمن المشكلة في اختلاف أولويات الطرفين. فإيران تريد ربط استعادة الملاحة بتفاهم أوسع بشأن الحرب والضغوط الاقتصادية، بينما تسعى واشنطن إلى إدراج القضايا النووية ضمن مسار التفاوض.

النفط يسعّر المخاطر قبل وقوعها

في 16 أكتوبر، أبرزت «فاينانشيال تايمز» في تقرير «النفط يبلغ أعلى مستوياته في خمسة أشهر عند 110 دولارات وسط تصعيد جديد في الشرق الأوسط» أثر الهجمات على البنية التحتية للطاقة والملاحة في الأسواق العالمية.

ولا تعكس الأسعار نقص الإمدادات الفعلي وحده، بل تشمل أيضًا تقديرات المتعاملين لاحتمال وقوع اضطرابات إضافية.

وفي تقرير آخر، تناولت «لوموند» تحت عنوان  «فرقاطة فرنسية تسقط مسيّرة هددت سفينة حاويات عند باب المندب»، بتاريخ 15 أكتوبر، المخاطر التي تواجه أطقم السفن التجارية، والصعوبات التي تواجه مهام الحماية البحرية الأوروبية.

تضيف هذه الزاوية عنصرًا إنسانيًا إلى النقاش الاقتصادي. فقرار عبور سفينة تجارية ممرًا مهددًا لا يتعلق بتكلفة الشحن والتأمين فقط، بل بسلامة البحارة واستعدادهم للعمل في مناطق الخطر.

وهكذا تكشف أزمة الممرات البحرية أن التحكم في نقاط الاختناق الجغرافية قد يمنح الأطراف الأقل تفوقًا عسكريًا قدرة كبيرة على التأثير الاقتصادي والسياسي.

ثالثًا: غزة بعد عام على وقف إطلاق النار.. الاتفاق الذي لم يتحول إلى سلام

في 10 أكتوبر، مر عام على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وقد أتاحت الذكرى فرصة لمراجعة ما تحقق من الاتفاق وما بقي معطلًا.

تُظهر المقارنة بين التغطيات أن الاتفاق نجح في وقف العمليات العسكرية الكبرى وإتمام تبادل الرهائن والأسرى، لكنه لم يؤسس بعد لترتيبات سياسية وأمنية تسمح بإعادة الإعمار أو إنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع.

هدنة قائمة رسميًا ومتعطلة عمليًا

في «إل باييس»، قدم أنطونيو بيتا تقريرًا بعنوان «عام على وقف إطلاق النار في غزة مع سقوط نحو 1500 قتيل»، 10 أكتوبر.

وركز على استمرار الضربات الإسرائيلية وتوقف إعادة الإعمار، مستندًا إلى بيانات وزارة الصحة في غزة التي تعتمد عليها الأمم المتحدة في متابعة أعداد الضحايا.

وفي مقال رأي منفصل، طرحت راكيل مارتي، المديرة التنفيذية للأونروا في إسبانيا، سؤالًا يتعلق بمعنى استمرار استخدام مصطلح وقف إطلاق النار بينما تتواصل الهجمات والوفيات والنزوح.

أما «أسوشيتد برس»، فقد ركزت على بنود الاتفاق التي لم تُنفذ، ومنها تشكيل إدارة فلسطينية جديدة للقطاع، ونزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار.

وتبرز التغطية أن التعثر ليس عسكريًا فقط؛ إذ يرتبط بخلاف جوهري حول ترتيب تنفيذ الالتزامات. فإسرائيل تربط التقدم بنزع سلاح حماس كاملًا، بينما يرى الطرف الفلسطيني والوسطاء أن الخطوات السياسية والأمنية ينبغي أن تتقدم بصورة متزامنة.

الانتخابات الإسرائيلية تؤجل الحسم

يتزامن تعثر الاتفاق مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.

تناولت وكالة الأناضول في تقرير باللغة التركية -تحت عنوان «ما الذي ينتظر اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد الانتخابات الإسرائيلية؟»، بتاريخ 10 أكتوبر- السيناريوهات المحتملة لاستمرار الجمود، خصوصًا إذا استغرقت عملية تشكيل الحكومة الجديدة وقتًا طويلًا.

تثير هذه المعطيات احتمال انتقال الأزمة إلى العام المقبل دون اتفاق على إدارة غزة أو إعادة إعمارها.

ويعني ذلك أن المستقبل القريب للقطاع قد تحدده حسابات تشكيل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بقدر ما تحدده المفاوضات المباشرة حول الاتفاق.

الغذاء والإعمار.. أزمتان متداخلتان

في 16 أكتوبر، نقلت «رويترز» في تقرير «الأمم المتحدة تحذر من هشاشة التحسن في مكافحة سوء التغذية بغزة بعد توقف الإمدادات التجارية» تحذيرات اليونيسف من أن التحسن النسبي في بعض المؤشرات الإنسانية قد يتراجع إذا استمر اضطراب دخول السلع.

وتشير المعطيات إلى أن تحسين التغذية لا يمكن فصله عن استقرار الإمدادات التجارية والخدمات الأساسية وظروف الإيواء.

وتكشف هذه التغطيات عن معضلة إعادة الإعمار: فلا يكفي تخصيص التمويل إذا استمرت القيود على دخول المواد والمعدات، ولم تُحسم السيطرة على الأرض والجهة التي ستدير القطاع.

وبذلك تحول اتفاق وقف إطلاق النار من وعد بإنهاء الحرب إلى إطار لإدارة وضع مؤقت، دون أن تُحل القضايا التي تمنع عودة الحياة الطبيعية إلى غزة.

رابعًا: لبنان.. الدولة تحاول استعادة سلطتها وسط أزمة السلاح والانسحاب الإسرائيلي

شهد الأسبوع تطورين متوازيين في لبنان: تحركًا أوروبيًا لدعم المؤسسات الأمنية، وتصاعدًا في المواجهة السياسية بين الدولة وحزب الله بشأن السلاح.

في 12 أكتوبر، أعلنت «رويترز» في تقرير «الاتحاد الأوروبي ينشئ بعثة جديدة لدعم لبنان» اتفاق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على إنشاء بعثة استشارية وتدريبية لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

وتشمل مهامها المقترحة تعزيز أمن الحدود والمراقبة البحرية ومكافحة التهريب والجرائم الإلكترونية.

ويكتسب القرار أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان وبدء انسحابها التدريجي.

سلاح حزب الله.. صراع على سلطة الدولة

في 16 أكتوبر، سلطت «وول ستريت جورنال» الضوء على مطالبة حزب الله بإعادة متفجرات صادرتها السلطات اللبنانية.

وتعكس الواقعة حجم التوتر بشأن حق الدولة في ضبط الأسلحة والمواد العسكرية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توسيع سلطتها الأمنية.

وفي «جيروزاليم بوست»، تناول سيث فرانتزمان اعتراف حزب الله بملكية المتفجرات المضبوطة، متسائلًا عن الدلالة السياسية لإعلان الجماعة ملكيتها بدلًا من إنكار صلتها بها.

وتشير القراءة إلى أن الحزب لا يتعامل مع المسألة باعتبارها حادثة تهريب عادية، بل بوصفها جزءًا من نزاع أوسع حول شرعية امتلاكه السلاح واستخدامه.

لكن المشكلة اللبنانية لا تنحصر في العلاقة بين الحكومة وحزب الله. فاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والضربات في الجنوب يمنح الحزب حجة للاحتفاظ بسلاحه، بينما ترى الحكومة أن استعادة قرار الحرب والسلم شرط أساسي لاستقرار البلاد.

الدوحة تدخل على خط الاقتصاد وإعادة الإعمار

في 16 أكتوبر، نشرت «أسوشيتد برس» تقريرا بعنوان «قطر تتعهد بدعم الاقتصاد اللبناني وشبكة الكهرباء وإعادة إعمار الجنوب»، عقب زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت.

وتشمل المبادرات المعلنة دعم قطاع الكهرباء ومشروعات الطاقة وإعادة الإعمار.

ويكشف هذا المسار عن اختلاف أدوات التأثير الخارجي في لبنان. فبينما يركز الاتحاد الأوروبي على بناء القدرات الأمنية، تسعى قطر إلى دعم الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، وهما عنصران ضروريان لاستعادة الثقة بالدولة.

يواجه لبنان اختبارًا مزدوجًا: بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وتوفير شروط سياسية وأمنية تسمح للدولة بممارسة سلطتها دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية جديدة.

خامسًا: فلسطين وإسرائيل.. انتخابات ومستوطنات ومجتمع يبحث عن بدائل

اقتربت الانتخابات الإسرائيلية بينما بقي مستقبل غزة والضفة الغربية حاضرًا بقوة في النقاش السياسي.

في 15 أكتوبر، بدأت عملية التصويت المبكر في البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية بالخارج، وفق تقرير «تايمز أوف إسرائيل» «بدء التصويت في انتخابات الكنيست داخل البعثات الإسرائيلية بالخارج».

وتزامن ذلك مع استطلاعات تشير إلى صعوبة حصول أي من المعسكرات السياسية الكبرى على أغلبية مستقرة.

الفلسطينيون والانتخابات المؤجلة

في المقابل، نشرت «جيروزاليم بوست» تحت عنوان «فلسطينيون يطعنون قضائيًا في قرار عباس تأجيل الانتخابات»، ورصدت تحركًا قضائيًا ضد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية.

ويضيف ذلك بُعدًا آخر إلى أزمة التمثيل السياسي الفلسطيني، التي تتزامن مع تعثر الترتيبات المقترحة لإدارة غزة.

وفي تقرير آخر، عرضت الصحيفة في تقرير «تراجع شعبية حماس رغم ارتفاع التأييد للمقاومة المسلحة»، المنشور بتاريخ 15 أكتوبر، نتائج استطلاع فلسطيني تكشف اختلافًا بين المواقف من الحركة بوصفها تنظيمًا سياسيًا والمواقف من المقاومة المسلحة بوصفها خيارًا.

وهذا التمييز مهم؛ إذ لا يمكن تفسير تراجع التأييد لتنظيم سياسي باعتباره بالضرورة تحولًا مماثلًا في المواقف من الصراع أو من مستقبل التسوية.

موسم الزيتون تحت الهجوم

في الضفة الغربية، وثقت «الغارديان» هجمات مستوطنين على مزارعين فلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون، شملت إصابة صحفية أمريكية أثناء تغطيتها الأحداث.

وتبرز أهمية هذه الاعتداءات في ارتباطها المباشر بمصدر رزق الأسر الفلسطينية وبقدرتها على الوصول إلى أراضيها الزراعية.

كما تعكس استمرار التوتر في الضفة الغربية في وقت تستحوذ فيه الحرب الإقليمية والانتخابات الإسرائيلية على جانب كبير من الاهتمام الدولي.

خلاصة المحور: لا تتعلق الأزمة الفلسطينية بمستقبل غزة وحدها، بل تشمل أيضًا التمثيل السياسي والحقوق اليومية في الضفة الغربية، بينما تضيف الانتخابات الإسرائيلية عنصرًا جديدًا من عدم اليقين.

على شاشة الرادار

المحكمة الجنائية الدولية تحت الضغط الأمريكي

تناولت «لوموند» في تقرير «الولايات المتحدة تعلن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وتوجه إنذارًا للدول الأعضاء»، 10 أكتوبر، تصعيد الضغوط الأمريكية على المحكمة، بما في ذلك المطالب المرتبطة بمذكرات التوقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.

وتتجاوز القضية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية إلى مستقبل استقلال القضاء الجنائي الدولي وقدرته على العمل دون ضغوط اقتصادية وسياسية.

سيستان وبلوشستان.. تحدٍ أمني داخل إيران

في 15 أكتوبر، تناولت «جيروزاليم بوست» تصاعد المواجهات في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية في تحليل «إيران تواجه تمردًا متناميًا في سيستان وبلوشستان».

وتبرز أهمية القضية في احتمال إضافة ضغوط أمنية داخلية إلى التحديات العسكرية والدبلوماسية التي تواجه طهران. لكن القيود على التغطية المستقلة تجعل تقدير حجم المواجهات وتداعياتها أمرًا يحتاج إلى الحذر.

تعز.. الكارثة الإنسانية خلف الحسابات العسكرية

في 16 أكتوبر، قدمت «رويترز» تقريرًا ميدانيًا بعنوان «في تعز المحاصرة.. عائلات تبحث عن مأوى مع اقتراب الحوثيين».

وتصف التغطية ظروف السكان الذين يواجهون نقص الغذاء والمياه والأدوية، مع اشتداد المعارك حول المدينة.

وفي 14 أكتوبر، حذرت الوكالة في تقرير «مستشفيات اليمن تعجز عن استيعاب ضحايا الحرب وتعطل المساعدات يهدد مئات الآلاف» من تدهور قدرة المنشآت الصحية على الاستجابة.

وتذكّر هذه التغطيات بأن الأهمية الاستراتيجية لتعز لا ينبغي أن تحجب وضع سكانها، الذين يواجهون خطر حصار جديد بعد سنوات طويلة من الحرب.

من كان في قلب التغطية؟

السعودية والحوثيون: شكّلا محورًا رئيسيًا في التغطيات الأمنية والاقتصادية، خصوصًا مع الهجمات على المطارات والبنية التحتية للطاقة.

إيران والولايات المتحدة الأمريكية: ظلتا حاضرتين في خلفية معظم التحليلات المتعلقة بهرمز واليمن وأسواق الطاقة، مع استمرار الخلاف حول شروط التفاوض.

إسرائيل وحماس: عادتا إلى الواجهة بمناسبة مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، وبسبب ارتباط مستقبل الاتفاق بالانتخابات الإسرائيلية.

لبنان وحزب الله: برزا في التغطيات المتعلقة بسلطة الدولة والانسحاب الإسرائيلي والدعم الدولي للمؤسسات اللبنانية.

باكستان وتركيا: اكتسبتا أهمية خاصة بسبب اختبار التزامات اتفاق مكة وحدود التعاون الدفاعي مع السعودية.

اتجاهات المواقف

تُظهر المواد التحليلية ومقالات الرأي اختلافًا في تفسير الأزمة الإقليمية، رغم اتفاق واسع على خطورة استمرار التصعيد.

في الصحافة الأمريكية، برزت الأسئلة المتعلقة بموثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية وتكلفة الحرب على الحلفاء، إلى جانب تأثير اضطراب الطاقة على الاقتصاد والسياسة الداخلية في الولايات المتحدة.

وفي الصحافة الأوروبية، حضرت تداعيات الحرب على الملاحة والتجارة الدولية، إلى جانب المخاطر الإنسانية وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي.

أما بعض التحليلات الآسيوية، وخصوصًا الباكستانية والهندية، فقد اهتمت بحدود التحالفات الدفاعية الجديدة، وبالتباين بين الالتزامات السياسية والاستعداد الفعلي للتدخل العسكري.

وفي الصحافة الإسرائيلية، برزت حسابات الأمن الداخلي والانتخابات ومستقبل حماس وحزب الله، إلى جانب النقاش بشأن السلطة الفلسطينية وإمكان ظهور بدائل سياسية.

ولا تعني هذه الاتجاهات وجود موقف موحد داخل صحافة كل منطقة؛ فهي تعكس زوايا ظهرت في المواد التي أمكن فحصها، لا تصنيفًا شاملًا للمؤسسات الصحفية.

ماذا بعد؟

في اليمن والسعودية، سيكون الاختبار الأهم قدرة العمليات العسكرية على تقليص التهديدات الحوثية دون تحويل الحرب إلى مواجهة طويلة تستنزف الاقتصاد والبنية التحتية. كما ستُراقب حدود الدعم الذي يمكن أن تقدمه باكستان وتركيا والدول الغربية.

في هرمز والبحر الأحمر، ستظل سلامة الملاحة مرتبطة بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني وبقدرة الأطراف الإقليمية على منع اتساع المواجهة. وأي تعطيل إضافي للممرات أو منشآت الطاقة قد ينعكس سريعًا على الأسعار العالمية.

في غزة، يتوقف التقدم على التوصل إلى تفاهم بشأن ترتيب الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حماس وإدارة القطاع. وقد تؤدي الانتخابات الإسرائيلية إلى إطالة الجمود.

في لبنان، سيكون نجاح الدعم الأوروبي والخليجي مرهونًا بقدرة المؤسسات اللبنانية على توظيفه ضمن مسار سياسي وأمني متماسك، مع معالجة مسألة السلاح والوجود العسكري الإسرائيلي.

في الأراضي الفلسطينية، ستزداد أهمية التطورات المتعلقة بالانتخابات والتمثيل السياسي، خصوصًا إذا استمر تأجيل الاستحقاقات الفلسطينية وتعثر تشكيل إدارة جديدة لغزة.

اختلاف العدسات

تكشف المقارنة بين التغطيات ثلاث زوايا رئيسية لفهم الأزمة.

العدسة العسكرية: تركز على الصواريخ والمسيّرات والدفاعات الجوية والسيطرة على الممرات البحرية. وتظهر بوضوح في التغطيات المتعلقة بالحوثيين وإيران وإسرائيل.

العدسة السياسية: تهتم بحدود التحالفات والضمانات الأمنية وشروط التفاوض، وبالعلاقة بين القرارات الخارجية والانتخابات الداخلية.

العدسة الإنسانية: تنطلق من أوضاع المدنيين في تعز وغزة والضفة الغربية، وتختبر نتائج السياسات من خلال قدرتها على حماية السكان وإعادة الخدمات والحياة الطبيعية.

وتكمن قيمة الجمع بين هذه العدسات في تجنب اختزال النتائج في المكاسب العسكرية أو الخسائر الاقتصادية وحدها.

ما الذي غاب عن الأضواء؟

رغم اتساع التغطية، بقيت بعض القضايا بحاجة إلى معالجة أعمق.

أولها مستقبل المجتمع اليمني إذا تحولت تعز إلى ساحة حرب طويلة، وما يعنيه ذلك للتعليم والصحة والنزوح الداخلي.

وثانيها قدرة اقتصادات الخليج على التكيف مع ارتفاع مستمر في تكلفة الأمن، ليس فقط عبر شراء منظومات دفاع جديدة، بل من خلال حماية النقل الجوي وسلاسل الإمداد وجاذبية الاستثمار.

وثالثها مستقبل الحياة السياسية الفلسطينية إذا استمرت الانتخابات المؤجلة وتعثر الانتقال إلى إدارة جديدة في غزة.

أما القضية الرابعة فهي التكلفة طويلة الأجل لإعادة إعمار المناطق المتضررة في غزة ولبنان واليمن، ومدى استعداد الجهات المانحة لتمويل مشروعات لا تزال معرضة للتدمير مجددًا.

الخاتمة

تكشف أحداث الأسبوع عن تحول في طبيعة المنافسة الإقليمية: لم تعد القوة تقاس فقط بالقدرة على شن العمليات العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على حماية الاقتصاد والسكان والممرات التجارية، وتحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات قابلة للاستمرار.

تواجه السعودية اختبارًا لفعالية دفاعاتها وتحالفاتها، وتواجه إسرائيل سؤالًا بشأن مستقبل غزة بعد عام من الاتفاق، ويحاول لبنان استعادة سلطة الدولة وسط انقسام داخلي وضغوط خارجية. أما إيران والولايات المتحدة الأمريكية فتواصلان المساومة على أمن الملاحة بينما تتحمل الأسواق العالمية تبعات التعثر.

وتبقى المفارقة الأبرز أن المنطقة تمتلك قدرات عسكرية وتحالفات واتفاقات أكثر مما تمتلك تسويات مستقرة. وبين هجمات الرياض وحصار تعز وهدنة غزة المتعثرة، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد إثبات القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، بل بناء أمن لا ينهار عند أول اختبار.