حوار مع مؤلفة كتاب “مواسم الغضب”.. تشريح الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة

في حوار مع مدونة «ديوان» التابعة لبرنامج كارنيغي للشرق الأوسط، تتحدث الصحفية روزينا علي عن كتابها الجديد، وما يكشفه عن تصاعد الإسلاموفوبيا ومظاهرها في الولايات المتحدة. أجرى الحوار مايكل يونغ، مدير تحرير ديوان، ونُشر في 8 أكتوبر2026 .

Seasons of Fury by Rozina Ali

مايكل يونغ: ما مدى انتشار الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة؟ تختمين كتابك بالقول: «الحقيقة أنها موجودة هنا»، ثم تضيفين أنها تمثل إحدى حكايات أمريكا، لكنك تشيرين أيضًا إلى وجود حكاية أخرى. هلا توضحين ذلك؟

روزينا علي: أود أولًا إيضاح أنني كتبت هذا الكتاب، جزئيًا، لإثبات وجود تمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة؛ فكثير من الأمريكيين لا يقرّون بوجوده، أو يرونه اتهامًا مُختَلَقًا. ومن الضروري إثبات حقيقة التحيز ضد المسلمين، إلى جانب تفسير كيف تفاقم خلال العقود الماضية ولماذا. ولهذا ختمت الكتاب بعبارة «الحقيقة أنها موجودة هنا». ومن الصحيح أيضًا أن الإسلاموفوبيا أشد مما كانت عليه في الماضي.

لقد بلغ الخطاب العدائي الموجّه إلى المسلمين والإسلام، على ألسنة كبار صانعي السياسات، ومن بينهم الرئيس، والمعلقين، مستوى لم أشهده من قبل.

لكن الولايات المتحدة بلد شاسع، جغرافيًا وسياسيًا. ففي نيويورك، مثلًا، لم تنجح الرسائل المعادية للمسلمين التي وُجّهت ضد زهران ممداني في تخويف الناخبين، وما زال يتمتع بشعبية لافتة رغم استمرار هذا التعصب. ونرى في ميشيغان أيضًا أن الخطاب المعادي للمسلمين لم يحظَ باهتمام قاعدة واسعة من الناخبين الأمريكيين، كما حدث في الماضي.

ولا يرجع ذلك إلى تأثير ممداني وحده، بل إلى مجموعة من التحولات التي شهدتها العقود الماضية: تصاعد حضور المسلمين في المجالين السياسي والعام، وتزايد خيبة أمل الأمريكيين من صناع السياسات، واستعدادهم لانتقاد السياسة الخارجية الأمريكية والاستماع إلى منتقديها. وكما أقول في كتابي، فقد تغيرت أشكال الإسلاموفوبيا واسعة الانتشار، وهي حصيلة قرارات اتُّخِذَت على امتداد الطريق.

وهذا يعني أيضًا أنها ليست مشكلة أبدية لا سبيل إلى تجاوزها في المجتمع الأمريكي.

يونغ: كيف أسهمت تجاربك الشخصية بوصفك أمريكية مسلمة في تشكيل كتابك؟

روزينا: قد يلاحظ قارئ الكتاب أن حضوري فيه محدود؛ فلا أظهر في السرد إلا مرات قليلة، لأنني حاولت أن أتناول العمل الصحفي في هذا الكتاب بمنهج الصحافة الاستقصائية. لكن تجاهل خلفيتي كان سيجحف بحق القراء. إذ كان من المهم أن أوضح منذ البداية أن كوني أمريكية مسلمة أسهم في تشكيل فهمي السياسي للولايات المتحدة ولموقعي فيها، وبيان الأسباب التي دفعتني في نهاية المطاف إلى خوض هذا المشروع.

ومع ذلك، فإن الكتاب كله يتشكل من معرفتي بتنوع طرق ممارسة الأمريكيين المسلمين لدينهم، وباختلاف الكيفية التي يؤثر بها الإيمان في رؤيتهم السياسية للعالم. وقد أتاحت لي هذه المعرفة أن أتحدى الافتراضات الأمريكية عن المسلمين، وأنا أبحث في منظومة المراقبة التي تعتمدها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، وطرق نظر المحاكم في قضايا الإرهاب، وكيف يتحدث صانعو السياسات والجمهور عن الإسلام.

يونغ: تفتتحين الكتاب بالحديث عن عبدين جبارة، أحد أوائل ممثلي الجالية العربية الأمريكية، وعن مراقبة الحكومة له. هل تميزين بين الإسلاموفوبيا وما يمكن أن نسميه «رهاب العرب»؟ بعبارة أخرى، هل تحوّل الاشتباه الرسمي بمرور الوقت من استهداف العرب، لأسباب سياسية بالدرجة الأولى، إلى استهداف المسلمين، بفعل الاعتقاد، وإن كان خاطئًا، بأن الدين الإسلامي نفسه يجعلهم مصدر خطر؟

روزينا: ثمة ميل في الولايات المتحدة إلى تصنيف التمييز بحسب الفئات، وربما يعززه أسلوب جمع بيانات جرائم الكراهية وقياسها. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. قد يختلف رهاب الإسلام عن رهاب العرب، لكنهما يتقاطعان أيضًا، ولا سيما في أذهان من يرون صلة بين العرب والمسلمين. وأظن أن معظم الأمريكيين لا يعرفون حتى الآن أن كثيرًا من العرب ليسوا مسلمين، وأن معظم المسلمين ليسوا عربًا. وينطبق ذلك على كثيرين في أجهزة إنفاذ القانون أيضًا.

ومع هذا، فإن القاسم المشترك بين التمييز الرسمي ضد العرب والتمييز ضد المسلمين هو النظر إلى الفئتين بوصفهما تهديدًا للأمن القومي، واعتبارهما مرتبطتين بجماعات مسلحة أجنبية.

واتسع نطاق الاشتباه الرسمي من مراقبة العرب على نحو محدد في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، إلى مراقبة المسلمين على نطاق أوسع في التسعينيات. وجاء ذلك لأسباب عدة، منها انتقال أعداد أكبر من المسلمين غير العرب إلى الولايات المتحدة، وصعود الإسلام السياسي في مناطق من العالم، وبدء الحكومة الأمريكية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، التعامل مع الإرهاب الإسلامي باعتباره عدوها الرئيس. وبحلول سبتمبر 2001، كانت مجتمعات المسلمين في الولايات المتحدة خاضعة للاشتباه والمراقبة منذ سنوات.

يونغ: هل تصفين لنا الفترة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وكيف تعاملت الحكومة مع المسلمين في الولايات المتحدة؟ وما أبرز الدروس المستفادة من تلك المرحلة؟ وهل تغير الوضع كثيرًا منذ ذلك الحين؟

روزينا: يتذكر معظم الناس أن جورج دبليو بوش أبدى دعمًا علنيًا للمسلمين في الأيام التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، فزار مسجدًا وقال إن «الإسلام دين سلام». لكن الحكومة استهدفت المسلمين بوسائل واسعة النطاق حتى وهو يقول ذلك. ولعل من أكثر الأدوات فاعلية السياسات المتعلقة بالهجرة، التي استُخدمت لاحتجاز آلاف المسلمين وترحيلهم.

كان هناك مسؤولون كثيرون في الحكومة سعوا إلى التعاون مع المجتمعات المسلمة وإشراكها في مكافحة الإرهاب. وبناءً على طلب عدد من المسؤولين، أنشأت وزارة العدل خطًا ساخنًا لمساعدة الأمريكيين المسلمين الذين تعرضوا للمضايقة أو الاعتداء.

لكن الحكومة تعاملت، في معظم الأحيان، مع المجتمعات المسلمة بوصفها بؤرًا للشبهة. فراقبت المساجد والمراكز الإسلامية والمطاعم، واعترضت الاتصالات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، ولم يقتصر ذلك على المسلمين المهاجرين، بل شمل مواطنين أمريكيين وأشخاصًا يعملون مع الحكومة.

تخلّصت الحكومة تدريجيًا من بعض الأساليب الفجة التي استُخدمت في الفترة الأولى بعد هجمات 11 سبتمبر، مثل المراقبة الجماعية أو إنشاء سجل وطني لـ«الأجانب غير المهاجرين». وجاء ذلك جزئيًا نتيجة الدعاوى القضائية التي رُفعت ضد هذه المراقبة في السنوات الأخيرة، أو لأن تلك الأساليب لم تعد ضرورية. أما اليوم، فأصبحت شبكة المراقبة الحكومية أكثر تطورًا مما كانت عليه بعد الهجمات.

ومن المقلق أيضًا أن المراقبة لم تعد تقتصر على الحكومة؛ إذ تمارسها جماعات أكثر، وكذلك أفراد من عامة الناس.

وفي المقابل، يبدو أن التأييد الشعبي الأوسع لسياسات جماعية تستهدف المسلمين محدود، ولا سيما مع تزايد انعدام الثقة بالحكومة الفيدرالية وارتفاع الأصوات المطالبة بإنهاء عمل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. وكلما ارتفعت أصوات المعادين للمسلمين، علت أيضًا أصوات الرافضين لتشدد الحكومة في قضايا الهجرة والأمن القومي.

يونغ: نرى من حولنا تحوّلًا في مواقف الأمريكيين من إسرائيل. هل تتوقعين أن يؤثر هذا التطور بالتزامن في نظرة الجمهور الأمريكي إلى المسلمين في البلاد؟

روزينا: التحول في الموقف من إسرائيل مهم للغاية، ويترافق مع استعداد أوسع لانتقاد السياسة الخارجية الأمريكية والحرب الأوسع التي تخوضها الولايات المتحدة على الإرهاب. وأعتقد أن تسويق الرواية القائلة إن مسلمًا مسلحًا يهاجم الولايات المتحدة لمجرد أنه شرير، أصبح أصعب. كما أن فوز ممداني، رغم انتقاده إسرائيل بقوة وبانتظام، أمر مهم. لكن انعكاس هذا التحول على التصورات العامة عن الإسلام والمسلمين سيحدث تدريجيًا.

يشكل المسلمون نسبة صغيرة جدًا من سكان الولايات المتحدة، تبلغ نحو 1.5 في المئة، وقد اعتاد معظم الأمريكيين سماع رواية معينة عن الإسلام والمسلمين تكررت على مدى ثلاثين عامًا.

يونغ: تتناولين، من خلال صور أفراد مسلمين، سعي بعضهم إلى بناء مساجد في مناطقهم، وما أثاره ذلك مرارًا من اعتراض المجتمعات المحلية. لماذا بدا أن المسلمين مستثنون من مبدأ حرية الدين، الذي يُعد ركنًا أساسيًا في الولايات المتحدة؟ وما عواقب ذلك؟

روزينا: يصعب هنا ألا نستحضر كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق». خلصت من بحثي إلى أن اعتقادًا راسخًا لدى الحكومة وأوساط من الجمهور بأن المسلمين غرباء إلى حد يجعلهم غير أمريكيين، وأنهم سيجلبون معهم نفوذًا أجنبيًا خبيثًا، سواء عبر المال أو الأفكار. ومن المخاوف القديمة بشأن المؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة الخشية من التمويل الأجنبي، وتحديدًا الأموال العربية.

ولم يكن منتقدو ذلك مخطئين تمامًا: فقد موّلت السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى مساجد في الولايات المتحدة قبل هجمات 11 سبتمبر. والمفارقة أن أموال الخليج باتت اليوم تستثمر في قطاعات كثيرة من الحياة الأمريكية، من المصارف والجامعات إلى الزراعة.

إضافة إلى ذلك، ركز جانب كبير من عمل الحكومة الأمريكية لمكافحة الإرهاب في التسعينيات، والذي توسع بعد عام 2001، على تعقب تمويل الشبكات الإرهابية، وكثيرًا ما استهدفت أجهزة إنفاذ القانون المؤسسات الإسلامية. واستند جانب كبير من الاعتراضات المحلية على مشاريع بناء المساجد إلى تصورات قديمة وأخرى أحدث عن أخطار الإرهاب الإسلامي المحتملة، مثل التمويل والأفكار المتطرفة والنوايا السرية للمسلمين.

وكان جوهر الاتهامات أن المسلمين سيقوضون، بطريقة ما، النسيج الأخلاقي والثقافي للولايات المتحدة، وهو اتهام ينم عن سوء فهم لكيفية ممارسة الدين، ولطريقة عمل المجتمع أيضًا.

وبالطبع، رُفعت دعاوى قضائية للطعن في رفض طلبات بناء المساجد، لكنها ظلت جهودًا متفرقة: قد يكسب أصحاب الطلب قضية في مدينة، ويخسرون أخرى في مدينة مختلفة. والنتيجة أننا لم نتوصل، كبلد، إلى توافق ثقافي وسياسي بشأن ما إذا كان للإسلام مكان في أمريكا. ويكفي النظر إلى الجهود الرامية إلى حظر المظاهر الإسلامية الواضحة في تكساس.

يونغ: من الموضوعات الأخرى التي تتناولينها ما أسميه ظاهرة «Minority Report»، أي: اعتقال مسلمين لا بسبب جرائم ارتكبوها، بل خشية جرائم قد يرتكبونها. كيف برر النظام القانوني الأمريكي هذا النهج الاستباقي، رغم ما يثيره من مشكلات قانونية كبيرة؟

روزينا: جرى ذلك عبر الانتقاص من الحقوق المدنية والدستورية تحت شعار الأمن القومي. فكثير من القوانين والاستراتيجيات التي استُخدمت بعد هجمات 11 سبتمبر كانت قائمة بالفعل في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وأتاحت الهجمات فرصة لتطبيقها بأقصى قوة. لكن الأهم ربما أننا عملنا، بعد 11 سبتمبر 2001، وفق نموذج جديد قوامه المنع الاستباقي.

كان الخوف وانعدام اليقين هائلين آنذاك. وتحركت أجهزة إنفاذ القانون والمسؤولون الحكوميون والمدّعون والمحاكم ونظام السجون بدافع نية حسنة، هي منع وقوع هجوم آخر. وعُززت الوكالات الحكومية ومُوّلت لمكافحة الإرهاب.

وكان عليها أن تثبت قدرتها على القبض على الأشرار قبل تنفيذهم هجومًا، فيما منحت المحاكم أجهزة إنفاذ القانون والسلطة التنفيذية هامشًا واسعًا لمراقبة مجتمعات لا صلات جنائية لها. ونتيجة لذلك، شهدنا مئات الحالات التي يُرجح أنها تضمنت استدراجًا، إن لم تكن كذلك بالفعل. وفي نهاية المطاف، تآكلت الضوابط والتوازنات في السنوات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، واستمرت آثار ذلك حتى اليوم.

يونغ: أخيرًا، ما الذي يلزم كي يُدان رهاب الإسلام على نطاق واسع في الولايات المتحدة، على غرار شكل آخر من أشكال التمييز، هو معاداة السامية؟ فسياسيون وشخصيات عامة أمريكية بارزون يطلقون بانتظام تصريحات بغيضة عن المسلمين.

روزينا: أولًا، يجب الاعتراف بأنه شكل من أشكال التمييز واسع الانتشار. فكثير ممن ينتقصون من الإسلام أو المسلمين يصرون على أن موقفهم «عقلاني». وثانيًا، ينبغي أن يدين مزيد من السياسيين الخطاب المعادي للمسلمين والاعتداءات عليهم؛ فكثيرًا ما يُتجاهل هذا التعصب. وثالثًا، لا بد من بذل جهد واعٍ لفصل المسلمين عن وصمة «الإرهاب»، وهي كلمة مشحونة آخذة في فقدان معناها.

ومن الأفكار التي حاولت إيصالها في كتابي أن المسلمين قد يكونون ضحايا للكراهية والعنف، وأن من يُنظر إليهم بوصفهم «أمريكيين أصيلين» قد يكونون هم أيضًا مرتكبي العنف. فلا تحتكر جماعة دينية الوحشية، ولا توجد جماعة شريرة بطبيعتها أكثر من غيرها.


روزينا علي صحفية وكاتبة مساهمة في «نيويورك تايمز ماغازين»، وزميلة في مركز «تايب ميديا». سبق أن شغلت منصب محررة أولى في «كايرو ريفيو أوف غلوبال أفيرز». صدر كتابها حديثًا بعنوان “مواسم الغضب: أربع عائلات وصعود الإسلاموفوبيا” عن دار بنغوين راندوم هاوس عام 2026، وأُدرج ضمن القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطنية لعام 2026.

الرابط المختصر: