آلة الفوضى.. كيف تُغذي وسائل التواصل الاجتماعي التطرف وتفكك الديمقراطية

  • العنوان الأصلي: The Chaos Machine: The Inside Story of How Social Media Rewired Our Minds and Our World
  • الناشر: دار ليتل براون
  • سنة النشر: 2022
  • عدد الصفحات: 352 صفحة
  • The Chaos Machine

يدرس ماكس فيشر كيف أعادت منصات التواصل الاجتماعي تشكيل طريقة تفكير الأفراد والجماعات، وطريقة عمل السياسة والإعلام والحركات الاجتماعية. وينطلق من أن شركات التكنولوجيا صممت منصاتها لتعظيم التفاعل، خاصة ما يطيل بقاء المستخدم ويزيد الأرباح.

يرى فيشر أن هذه المنصات لا تكتفي بإظهار الانقسامات الموجودة في المجتمعات، بل تساعد خوارزمياتها على تضخيم المحتوى الأكثر إثارة للغضب والخوف والاستقطاب. وبمرور الوقت، يصبح المحتوى المتطرف أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى المتوازن، لأن الغضب والتهديد والانتماء الجماعي عناصر شديدة الفاعلية في جذب الانتباه.

تصف دار ليتل براون الكتاب بأنه تحقيق في السباق المحموم داخل شركات التكنولوجيا لزيادة التفاعل والأرباح، وهو سباق أسهم في تفكيك العالم وإحداث أضرار واسعة في المجالين النفسي والسياسي.

لا يقدم الكتاب سردًا زمنيًا لمنصات التواصل فحسب، بل يبني حجته عبر التنقل بين التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة وعلم النفس، ويمكن تلخيص بنيته في المسارات الآتية:

1. نشأة اقتصاد التفاعل

يبدأ فيشر من التحول الذي جعل شركات التكنولوجيا تقيس نجاحها بكمية الوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصات، وعدد النقرات والتعليقات والمشاركات. وفي هذا النموذج، لا يكون الهدف الأساسي تقديم معلومات صحيحة أو نقاش عام سليم، بل إنتاج أكبر قدر ممكن من التفاعل.

2. الخوارزمية بوصفها محررًا سياسيًا

يناقش الكتاب انتقال سلطة ترتيب المعلومات من المحررين والصحفيين إلى أنظمة آلية تتعلم من سلوك المستخدمين. وبذلك لا يعود ما يظهر أمام المستخدم نتيجة لاختياره وحده، بل نتيجة عملية فرز مستمرة تهدف إلى تقديم ما يُرجح أن يثير اهتمامه وانفعاله.

3. سيكولوجيا التطرف

يربط فيشر بين تصميم المنصات وبعض جوانب علم النفس الجمعي. فالمحتوى الذي يقدم باعتباره صراعًا بين «نحن» و«هم»، أو يحذر من تهديد وشيك، أو يحرض على الغضب الأخلاقي، يملك فرصًا أكبر للانتشار. ومع تكرار هذا المحتوى، قد تتحول المواقف الحادة من استثناء إلى معيار داخل الجماعة الرقمية.

4. الحالات الدولية

ينتقل الكتاب إلى مجموعة من الأمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، موضحًا كيف ارتبطت المنصات بحركات سياسية متطرفة، ونظريات مؤامرة، وأعمال عنف واضطرابات سياسية. وتعرض مراجعة مركز جونز هوبكنز الكتاب بوصفه حشدًا من البيانات والحكايات عن دور فيسبوك وريديت وتويتر ويوتيوب في الاستقطاب السياسي وصعود المحتوى المتطرف.

5. مسؤولية شركات التكنولوجيا

لا يركز فيشر على المستخدمين وحدهم، بل يلاحق القرارات التجارية والتقنية التي اتخذتها الشركات. وتظهر في الكتاب شهادات موظفين سابقين ومراقبين من داخل قطاع التكنولوجيا، ممن حذروا من الآثار الاجتماعية والسياسية للنموذج القائم على تعظيم التفاعل دار ليتل براون.

6. إمكانات الإصلاح

ينتهي الكتاب بتحذير من أن المشكلة ليست في بعض المنشورات السيئة أو المستخدمين المتطرفين فقط، بل في بنية اقتصادية وتقنية تكافئ المحتوى القادر على إثارة الانتباه. لذلك يدعو ضمنيًا إلى تغيير الحوافز التي تحكم المنصات، وإلى تدخل سياسي وقانوني ومجتمعي أوسع.

أطروحة ماكس فيشر

منصات التواصل الاجتماعي، كما صُممت ونُظمت اقتصاديًا، لا تعمل كقنوات محايدة للتواصل، بل كأنظمة قادرة على إعادة تشكيل السلوك والوعي العام. وكلما أعطت الأولوية للتفاعل والأرباح، زادت قدرتها على تضخيم الغضب والمعلومات المضللة والمحتوى المتطرف، بما يهدد التماسك الاجتماعي والديمقراطية.

المهم هنا أن فيشر لا يقول إن الخوارزميات تخلق كل الانقسامات من العدم. بل يجادل بأنها تمنح الانقسامات القائمة سرعة وانتشارًا وتنظيمًا جديدًا، وتسمح لجماعات متفرقة بأن تتعرف إلى بعضها وتتشكل حول سرديات التهديد والاضطهاد.

الأدلة التي يعتمد عليها

يعتمد الكتاب على مزيج من:

  • مقابلات مع عاملين سابقين وحاليين في شركات التكنولوجيا.
  • شهادات أشخاص حذروا من آثار الخوارزميات على السلوك العام.
  • تقارير صحفية وتحقيقات دولية.
  • دراسات في علم النفس والاجتماع والإعلام.
  • حالات سياسية وأمنية من بلدان متعددة.
  • تحليل لتطور منصات مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وريديت.

وتشير دار ليتل براون إلى أن الكتاب يضم عشرات المقابلات مع مصادر من خلفيات مختلفة، كما تصفه بأنه عمل يجمع بين المنظور العالمي والقصص الفردية.

ماذا يقول المراجعون؟

قراءات مؤيدة

جاءت أغلب المراجعات التي أمكن التحقق منها مؤيدة لأهمية الكتاب وقوة توثيقه.

ترى مراجعة الغارديان بقلم سايمون باركين أن الكتاب يقدم تحذيرًا صارمًا من مدى تأثير فيسبوك والمنصات المشابهة في تشويه إدراك الناس للواقع.

أما مراجعة مركز جونز هوبكنز فتؤكد أن فيشر لا يكتفي بالقول إن المنصات تستقطب النقاش العام وتنشر نظريات المؤامرة، بل يرى أنها ترفع، بحكم تصميمها، المحتوى الأشد تطرفًا وتتيح لجماعات متفرقة أن تجد بعضها بعضًا.

وتصف كيركوس ريفيوز الكتاب بأنه فحص مثير ومقلق لعالم التواصل الاجتماعي والشركات التي أنشأته.

كما تضم صفحة الناشر إشادات من نيويورك تايمز بوك ريفيو وإزرا كلاين وبوكلست وبابليشرز ويكلي. وهذه الإشادات مواد ترويجية منشورة على صفحة الناشر، وليست جميعها مراجعات مستقلة. ومن أبرز ما تنسبه الصفحة إلى نيويورك تايمز بوك ريفيو أن الكتاب يربط بين الوقائع بطريقة مقنعة ويبرز أهمية التدخل الخوارزمي في الشؤون الإنسانية دار ليتل براون.

القراءات الناقدة

في المصادر التي تحققنا منها، لم تظهر مراجعة مستقلة واسعة الانتشار ترفض أطروحة الكتاب برمتها. لكن ذلك لا يعني أن أطروحته غير قابلة للنقد.

النقد التحريري الأهم هو أن التركيز الكبير على الخوارزميات قد يدفع إلى تضخيم قدرتها السببية. فالاستقطاب والتطرف والمعلومات المضللة لها أسباب سياسية واقتصادية وتاريخية سابقة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن تأثير المنصة لا يكون واحدًا في كل مجتمع، بل يتوقف على بنية الإعلام المحلي، وطبيعة الدولة، ومستوى الثقة بالمؤسسات، واللغة، وطبيعة الصراع السياسي.

أهمية الكتاب للقارئ العربي

تنبع أهمية الكتاب عربيًا من أنه يضع وسائل التواصل الاجتماعي داخل منظومة أوسع من السلطة والاقتصاد والسياسة، بدل النظر إليها باعتبارها مجرد أدوات تقنية.

1. فهم الاستقطاب الرقمي

يمكن تطبيق أسئلة الكتاب على النقاشات العربية الحادة حول السياسة والهوية والطائفة والهجرة والحروب. فالمحتوى الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر دقة، بل قد يكون الأكثر قدرة على الاستفزاز أو التعبئة أو إظهار الخصم بوصفه خطرًا وجوديًا.

2. التضليل والمعلومات المضللة

يوفر الكتاب إطارًا لفهم أسباب انتشار الأخبار الكاذبة، لا من خلال التركيز على جهل الجمهور فقط، بل عبر دراسة الحوافز التي تجعل المنصات تفضل المحتوى القابل للانتشار، حتى عندما يكون مضللًا أو غير موثق.

3. الرصد الإعلامي والاستماع الاجتماعي

تتصل أطروحة فيشر مباشرة بعمل المؤسسات الإعلامية ومراكز الرصد؛ فمتابعة عدد المشاركات وحده لا تكفي، وينبغي أيضًا تحليل:

  • طبيعة الحسابات التي تروج لموضوعٍ ما.
  • المفردات التي ترفع مستوى الغضب.
  • انتقال السرديات بين المنصات.
  • تشكل الجماعات حول عدو أو تهديد مشترك.
  • الفرق بين الانتشار الحقيقي والتضخيم المنسق.
  • حضور المحتوى العربي في أنظمة التوصية والمراجعة.

4. خطاب الكراهية والتطرف

يساعد الكتاب على فهم كيفية انتقال خطاب الكراهية من هامش اجتماعي محدود إلى خطاب واسع الانتشار، خصوصًا عندما ترتبط رسائل التحريض بصور التهديد أو الدفاع عن الجماعة أو الانتقام منها.

لكن لا ينبغي إسقاط نتائج الكتاب على العالم العربي بصورة آلية. فالمشهد الرقمي العربي متعدد اللغات واللهجات، وتختلف فيه علاقة المنصات بالدولة والإعلام التقليدي والجماعات السياسية. لذلك يحتاج تطبيق أفكار الكتاب إلى دراسات محلية تقيس أثر كل منصة في كل سياق.

5. السيادة الرقمية والتنظيم

يفتح الكتاب نقاشًا حول مسؤولية شركات التكنولوجيا أمام المجتمعات التي تعمل فيها، وحدود قدرة الحكومات على تنظيم المنصات، ومخاطر ترك قرارات ذات أثر سياسي واجتماعي واسع لشركات خاصة لا تخضع دائمًا لرقابة عامة كافية.

نبذة عن الكاتب

ماكس فيشر صحفي دولي في صحيفة نيويورك تايمز، وكاتب عمود يتناول الاتجاهات العالمية والأحداث الدولية الكبرى. سبق له أن غطى الشؤون الدولية في مجلتي ذي أتلانتيك وواشنطن بوست. كما شارك في سلسلة صحفية عن وسائل التواصل الاجتماعي وصلت إلى القائمة النهائية لجائزة بوليتزر عام 2019، وفق النبذة الرسمية لدى دار ليتل براون.

التقييم التحريري

قوة الكتاب الأساسية أنه ينقل النقاش من مستوى الشكوى الأخلاقية من «إدمان الهاتف» إلى مستوى بنية الأعمال والتصميم الخوارزمي. فهو يسأل: ما نوع المحتوى الذي تكافئه المنصة؟ ومن يستفيد من بقائه وانتشاره؟ ومن يتحمل كلفة آثاره السياسية والاجتماعية؟

لكن الكتاب يُقرأ أفضل بوصفه تحقيقًا صحفيًا واسعًا وحجة تفسيرية قوية، لا بوصفه دراسة تجريبية نهائية تثبت أن كل محتوى متطرف سببه الخوارزمية. وتكمن قيمته للقارئ العربي في أنه يقدم عدسة قابلة للاستخدام في تحليل البيئة الرقمية، مع ضرورة اختبارها ميدانيًا في كل بلد ومنصة ولغة.

خلاصة

يقدم ماكس فيشر في «آلة الفوضى» تفسيرًا لأحد التحولات الكبرى في السياسة المعاصرة: انتقال تشكيل المجال العام من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى منصات تجارية تعتمد على الخوارزميات والتفاعل.

أطروحته الأساسية أن ما تفعله المنصات ليس مجرد نقل للغضب الموجود في المجتمع، بل تضخيم له وتنظيم لمساراته. ولهذا يهم الكتاب القارئ العربي، لا لأنه يقدم دراسة شاملة للعالم العربي، بل لأنه يساعد على طرح أسئلة ضرورية حول الاستقطاب الرقمي، والتضليل، وخطاب الكراهية، ومسؤولية المنصات، ومستقبل النقاش العام.