عزلة إسرائيل الدولية تتزايد.. فلماذا تغيب عن أجندة الانتخابات؟

يرفض إسرائيليون من مختلف الأطياف الانتقادات الصادرة عن حلفائهم القدامى، ويدعون إلى بناء شراكات جديدة. لكن تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا يظل أساسيًا للأمن القومي، كما يرى يعقوب كاتس -الشريك المؤسس لمنتدى الحوار الأمريكي الشرق أوسطي- في تحليل بعنوان “عزلة إسرائيل الدولية تتزايد.. فلماذا تغيب عن أجندة الانتخابات؟” نشره تشاتام هاوس.

 

اعتاد الإسرائيليون، على مدى سنوات، التعايش مع عدم شعبيتهم. تعاقبت الحكومات، واندلعت الحروب، وصدرَت إدانات في الأمم المتحدة، وخرجت احتجاجات في الجامعات. وكان الإسرائيليون يمتصون الانتقادات، ويشكون من ازدواجية المعايير، ثم يمضون في طريقهم.

لكن شيئًا ما تغيّر. فأفول مكانة إسرائيل يزداد وضوحًا في الولايات المتحدة، وفي كل عاصمة أوروبية تقريبًا، بل حتى لدى قطاعات من اليمين الأمريكي، الذي عُدّ يومًا آخر معاقل الدعم لإسرائيل. وأصبح الإسرائيليون يُنصَحون بالحذر من التحدث بالعبرية في الخارج، أو الإفصاح عن اسم بلدهم. وفي ضوء ذلك، كان من المنطقي أن تحتل عزلة إسرائيل الدبلوماسية موقعًا بارزًا في حملة الانتخابات العامة قبيل التصويت في 27 أكتوبر. لكنها لا تكاد تُناقَش.

ما يتصدر النقاش هو أن رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو يكرر أنه غيّر إسرائيل إلى الأفضل، رغم الإخفاقات التي مهدت لهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، والتي يواصل التهرب من تحمّل أي مسؤولية شخصية عنها. ويستشهد، لإثبات ذلك، بإضعاف حماس وحزب الله والحربين اللتين شُنّتا على إيران. أما أن هاتين الحربين لم تُحسما بعد، فيعدُّه تفصيلًا هامشيًا يمكنه تجاهله.

أما المعارضة، بقيادة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي، فتتحدث عن ضرورة محاسبة المسؤولين عن الإخفاقات السياسية التي أفضت إلى هجوم 7 أكتوبر، وأزمة الرهائن، وتدمير التجمعات السكنية. كما تتعهد بمعالجة قضية داخلية كبرى هي عدم المساواة في التجنيد للجيش الإسرائيلي، وتقول إنها، خلافًا لنتنياهو، لن ترضخ للأحزاب الحريدية.

لكن ثمة قضية لم تكد تدخل ميدان النقاش، رغم أنها لا تقل أهمية: تعمق عزلة إسرائيل دوليًا، وتراجع مكانتها، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا. لا يجهل الإسرائيليون احتجاجات الجامعات، وحظر تصدير الأسلحة، وتصاعد العقوبات الأوروبية، والاعتراف بدولة فلسطينية، ومذكرتي الاعتقال اللتين أصدرتْهما المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ويوآف غالانت، وزير الدفاع السابق. وهم يعرفون أن معاداة السامية تتصاعد في أنحاء العالم، وأن الحرب التي لا يبدو أنها ستنتهي غذّت جانبًا من هذا التصاعد على الأقل.

مواقف أكثر تشددًا

الأرقام لافتة؛ إذ أظهر استطلاع لمركز بيو نُشر في أبريل أن 60 في المئة من البالغين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، ارتفاعًا من 53 في المئة قبل عام. ومنذ عام 2022، تراجعت النظرة الإيجابية بنحو 20 نقطة مئوية. وبين الأمريكيين دون سن الخمسين، تبلغ نسبة أصحاب النظرة السلبية لإسرائيل نحو 70 في المئة، وتقترب من 80 في المئة بين الديمقراطيين.

وحتى بين الجمهوريين، بات 41 في المئة يعبّرون عن نظرة سلبية تجاه إسرائيل. أما الرأي العام البريطاني فموقفه أشد سوءًا؛ إذ يعتقد نصف البريطانيين أن ما فعلته إسرائيل في غزة يرقى إلى الإبادة الجماعية، فيما أظهر استطلاع أُجري في أغسطس أن قرابة نصف الجمهور يريدون تقليص عدد المهاجرين الإسرائيليين المسموح لهم بدخول بريطانيا، أو منعهم تمامًا.

60%

من البالغين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، ارتفاعًا من 53 في المئة قبل عام.

والأثر الناجم عن هذا التحول في الرأي العام ملموس. ففي بريطانيا والولايات المتحدة، تتواتر مطالبات سياسيين بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. وفي الولايات المتحدة، يردد بعض المنتمين إلى أقصى اليمين ما يقوله اليسار التقدمي، زاعمين أن إسرائيل تتلاعب بالسياسة الأمريكية، وتجر الولايات المتحدة إلى حروب الآخرين، وتسعى إلى مصالح تختلف جوهريًا عن المصالح الأمريكية. وقد زادت حرب إيران هذا التوجه حدة.

يدرك الإسرائيليون أن شيئًا ما تغيّر، لكنهم لا يعتقدون أن أيًا من المرشحين للمنصب يستطيع تغيير الوضع. والأهم أن المرشحين يكادون لا يدّعون قدرتهم على ذلك.

تتعهد المعارضة بخفض تكاليف المعيشة، وتشكيل لجنة تحقيق في أحداث 7 أكتوبر، وإلزام الحريديم بالتجنيد. لكن ماذا عن كسر العزلة الدبلوماسية؟ واستعادة مكانة إسرائيل في أوروبا؟ ووقف تراجع الدعم لها في الولايات المتحدة؟ لا يكاد يُطرح أي نقاش حول هذه المسائل.

رفض الانتقادات

أحد أسباب ذلك أن الإسرائيليين لا يعتقدون أن بالإمكان كسر العزلة بسهولة. فقد ترك هجوم 7 أكتوبر أثرًا عميقًا في الرأي العام الإسرائيلي، إلى درجة أن انتقاد حكومة أجنبية لإسرائيل يُوصَف غالبًا بأنه «معادٍ لإسرائيل» أو «معادٍ للصهيونية»، بل «معادٍ للسامية» أحيانًا. ولا يتسع المجال لشرح الفروق الدقيقة بينها.

من جهة، يمكن فهم رد الإسرائيليين على الانتقادات منذ 7 أكتوبر. فبلد شهد أفظع مذبحة ليهود في يوم واحد منذ المحرقة، ورأى مواطنيه يُساقون إلى الأنفاق، ثم أمضى نحو ثلاثة أعوام يقاتل على جبهات عدة، ليس مستعدًا كثيرًا لتلقي المواعظ.

يتذكر الإسرائيليون أيضًا كيف تبدد التعاطف الدولي سريعًا بعد 7 أكتوبر. ففي بعض الأماكن، بدأت المظاهرات ضد إسرائيل فيما كانت نيران الكيبوتسات على الحدود لا تزال مشتعلة.

وقد أدى ذلك إلى عجز عن إدراك أن لإسرائيل حلفاء في أنحاء العالم لديهم مخاوف مشروعة. وبدلًا من ذلك، لا يرى الإسرائيليون إلا احتمالين: أن تكون الانتقادات معادية للسامية، أو أن تكون نابعة من الجهل.

لكن ثمة احتمالًا ثالثًا: قد تكون دولة أو قيادة سياسية صديقة لإسرائيل، وتقر بهول أحداث 7 أكتوبر، وتفهم الخطر الذي تمثله حماس، لكنها تختلف مع السياسات الإسرائيلية. لا يتعين على إسرائيل قبول هذه الانتقادات، لكنها لا تستطيع التظاهر بأن كل الانتقادات سواء.

وهذا يقودنا إلى حقيقة أخرى صعبة: حتى تغيير القيادة لن يبدل الوضع جذريًا. فرحيل نتنياهو قد يخفف التوتر في بعض العواصم، لكن الفروق بينه وبين أبرز منافسيه بشأن قضايا الأمن الأساسية، ومنها غزة، أقل بكثير مما يظنه كثيرون خارج إسرائيل.

لن يقبل بينيت وآيزنكوت بقاء حماس في السلطة أو احتفاظها بالسلاح. ولن يؤيدا فجأة سياسات تعرّض إسرائيل للخطر لمجرد أنها قد تكسبهما شعبية في واشنطن أو لندن أو بروكسل.

شركاء جدد

بدلًا من التفكير في سبل إصلاح العلاقات مع الحلفاء، يتجه إسرائيليون إلى أماكن أخرى، مثل الهند والخليج العربي وآسيا، بل إلى أماكن مثل أرض الصومال.

ينبغي لإسرائيل أن تسعى دائمًا إلى تنويع علاقاتها. لكن إذا قررت إدارة أمريكية وقف تدفق قطع الغيار للطائرات القتالية الإسرائيلية، فلن يكون في وسع أي شريك آسيوي سد هذه الفجوة، لا خلال خمس سنوات ولا ربما خلال عشر. فلا بديل اليوم عن المساعدات العسكرية الأمريكية، والتعاون الاستخباراتي، والدعم الدبلوماسي والاستراتيجي.

وهنا تبرز المهارة السياسية لنتنياهو. فعلى مدى ما يقرب من عقدين في القيادة، نجح في ترسيخ الاعتقاد لدى قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين بأنه الشخص الوحيد القادر على انتزاع مكاسب استراتيجية من رئيس مثل دونالد ترامب، أو التصدي لرئيس مثل باراك أوباما.

إنها حجة سياسية قوية، ويقتنع بها كثير من الناخبين. فنتنياهو ملمّ بواشنطن وبالسياسة الدولية على نحو لا يتوافر لكثير من السياسيين الإسرائيليين. كما أن تحذيراته من البرنامج النووي الإيراني، التي استُبعدت لسنوات في عواصم كثيرة، ثبتت صحتها إلى حد كبير.

لكن صحة تحذيراته بشأن البرنامج النووي الإيراني لا تجيب عن سؤال ما إذا كانت لدى إسرائيل خطة طويلة الأمد لغزة، ولا عن أثر غيابها في نظرة العالم إلى إسرائيل. وإجادة التعامل مع ترامب لا تجيب عن سؤال ما ستفعله إسرائيل في ظل إدارة ديمقراطية مستقبلية. كما أن العلاقات القوية مع الهند لا تعالج تراجع الدعم لإسرائيل في بريطانيا وأوروبا.

سيكون من الخطأ اعتبار المسألة مجرد مشكلة في العلاقات العامة. فالتحدي أعمق من ذلك بكثير. لا تستطيع إسرائيل، ولن تقبل، أن تبني قراراتها الأمنية على الرأي العام في أوروبا أو الولايات المتحدة. لكن التحالفات مع الولايات المتحدة والحكومات الأخرى، إلى جانب الشركاء التجاريين، جزء من الأمن القومي أيضًا. لذلك، لا يتمثل السؤال في ما إذا كان ينبغي لإسرائيل اختيار أمنها على حساب شرعيتها الدولية، بل في كيفية حماية أمنها مع منع تآكل التحالفات التي تتيح هذا الأمن. وينبغي أن يكون هذا النقاش في صدارة الحملة الانتخابية.

يستحق الإسرائيليون أن يسمعوا من نتنياهو كيف يخطط لوقف تراجع الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة، بما يتجاوز علاقته بترامب. ويستحقون أن يسمعوا من بينيت وآيزنكوت كيف ستختلف سياساتهما، وكيف سيعيدان بناء العلاقات من دون المساس بأمن إسرائيل. فمكانة إسرائيل في العالم ليست مسألة ثانوية، بل هي في صميم أمنها القومي.