حين تتحدث الأوسمة لغة الاستخبارات.. ما وراء تكريمات باريس لحلفائها؟

دبلوماسية الأوسمة.. كيف تكافئ فرنسا حلفاءها في عالم الاستخبارات؟

تكريم مسؤول استخباراتي مغربي بعد أزمة دبلوماسية، ثم منحه وسامًا جديدًا بالتزامن مع اتفاق أمني؛ يكشف عن الممارسات الاستخباراتية والدبلوماسية الفرنسية أكثر مما يُقرَا في عناوين الأخبار. ذلك أن الأوسمة ليست دائمًا مجرد تقدير لخدمات أو إنجازات سابقة؛ ففي العلاقات الاستخباراتية، حيث تحكم السرية معظم أوجه التعاون، يمكن لميدالية تُمنح في العلن أن تؤدي وظيفة سياسية تتجاوز قيمتها الرمزية.

وسام يعيد الدفء إلى العلاقات

في فبراير 2015، وصل وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف إلى الرباط حاملًا رسالة سياسية لافتة: باريس تعتزم تقليد مدير المخابرات المغربية عبد اللطيف الحموشي وساما “كشهادة جديدة على التقدير الذي يحظى به”، بعدما سبق أن حظي بوسام مماثل في 2011.

لم يكن التوقيت عاديًا، ولا التكريم. فقبل عامٍ، تسببت محاولة السلطات القضائية الفرنسية استدعاء حموشي على خلفية شكاوى تتعلق باتهامات بالتعذيب في أزمة بين البلدين، دامت قرابة سنة، وأدت إلى تعليق التعاون القضائي المغربي الفرنسي.

وبحسب رويترز، جاء إعلان التكريم بعدما استأنف البلدان تعاونهما مطلع 2015، فيما كانت باريس تسعى إلى تعزيز تبادل المعلومات بشأن التهديدات الإرهابية، خصوصًا بعد هجمات يناير في فرنسا. ولا غروَ والهدف هكذا أن يشيد كازنوف أثناء زيارته بالاستخبارات المغربية في “مجال مكافحة الإرهاب”.

أما لوموند، فقد فرأت في الإعلان خطوة لإعادة الاعتبار إلى المسؤول المغربي بعد الأزمة الدبلوماسية. وفي المقابل، انتقدت منظمة العمل المسيحي لإلغاء التعذيب الفرنسية القرار، معتبرة أنه يُغلِّب المصالح الدبلوماسية على اعتبارات حقوق الإنسان، في ظل الاتهامات التي كانت محل شكاوى قضائية.

وهكذا أصبح الوسام نقطة التقاء بين ثلاثة اعتبارات متعارضة: الحاجة الأمنية الفرنسية، وحساسية العلاقات مع المغرب، والجدل الحقوقي حول تكريم مسؤول استخباراتي.

حين يقترن الوسام باتفاق أمني

بعد عَقد من ذلك الإعلان، عادت العلاقة نفسها لتقدم مثالًا أكثر وضوحًا. ففي 24 يونيو 2025، شهدت الرباط توقيع خطة عمل أمنية مشتركة بين حموشي ولويس لوجييه، المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية، بالتزامن مع تسليم المسؤول المغربي وسام جوقة الشرف برتبة ضابط.

ووفق التغطية التي نشرها موقع لو360، جمع اللقاء بين الاتفاق على تعزيز التعاون الأمني والتكريم الرسمي، في مناسبة واحدة أبرزت أهمية الشراكة بين المؤسستين.

ولا يثبت هذا الاقتران أن الوسام كان مقابلًا لاتفاق محدد، لكنه يوضح كيف يمكن للتكريم أن يصبح جزءًا من المشهد الدبلوماسي المصاحب لترسيخ التعاون الأمني.

سياسة رسمية لا مجرد تقليد

تؤكد فرنسا بنفسها أن أوسمتها الممنوحة للأجانب ليست منفصلة عن سياستها الخارجية.

فبحسب الديوان الأكبر لجوقة الشرف، تُمنح الأوسمة الأجنبية تقديرًا للخدمات المقدمة لفرنسا، أو تعبيرًا عن العلاقات بين الدول، وقد تُستخدم خلال الزيارات الرسمية في إطار المعاملة الدبلوماسية بالمثل.

ويوضح الديوان أن هذا النوع من التكريم يدعم السياسة الخارجية الفرنسية، وأن قواعد منح الأوسمة للأجانب تتمتع بمرونة خاصة.

وفي عالم الاستخبارات، تجد هذه الأداة مجالًا أوسع للتأثير. فالمديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية أعلنت أن شبكتها الدولية ضمت نحو 200 جهاز استخبارات أجنبي خلال 2024، وأنها شاركت في 2300 اجتماع دولي خلال العام نفسه.

وتكشف هذه الأرقام حجم العلاقات التي تحتاج باريس إلى إدارتها والحفاظ عليها، لكنها لا تحدد عدد الشركاء الذين حصل مسؤولوهم على أوسمة.

هل تتسارع دبلوماسية الميداليات؟

في تحقيق نشرته Intelligence Online في 2 أكتوبر 2026، تشير النشرة المتخصصة إلى تسارع منح الأوسمة الفرنسية لمسؤولي أجهزة استخبارات أجنبية، مدفوعًا بتدهور الأوضاع الجيوسياسية والبحث عن تحالفات استراتيجية جديدة.

وتنسجم هذه الفرضية مع أهمية التعاون الاستخباراتي في السياسة الخارجية الفرنسية، لكن التحقق من حجم هذا التسارع يتطلب بيانات عن المُكَرَّمين وتواريخ منحهم الأوسمة، وهي تفاصيل لا يتيحها الملخص المنشور من التحقيق، ولم تتحقق منها العالم العربية بطريقة مستقلة.

كذلك فإن أرشيف الديوان الأكبر يفرض قيودًا على الاطلاع على ملفات التكريم الحديثة، ما يصعّب بناء سجل شامل لهذه الممارسة.

وتشير الحالة المغربية إلى وظيفة سياسية ملموسة للأوسمة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن التكريمات الاستخباراتية تتزايد عالميًا.

وتبقى الدلالة الأهم أن التكريم الرسمي قد يكون مؤشرًا على أولويات التعاون الاستخباراتي الفرنسي: فمن تختار باريس تكريمه، ومتى، وفي أي سياق سياسي أو أمني؟ قد تكون الإجابات عن هذه الأسئلة أكثر إفادة من الوسام نفسه، دون أن تكشف بالضرورة ما يدور خلف أبواب أجهزة الاستخبارات.

الرابط المختصر: