الرئيسة ماذا بعد؟ ماذا يعني الاتفاق الأمريكي الإيراني للشرق الأوسط والعالم؟

ماذا يعني الاتفاق الأمريكي الإيراني للشرق الأوسط والعالم؟

0 second read
0

نشر المجلس الأطلسي تقريرًا تحليليًا بعنوان «ماذا يعني الاتفاق الأمريكي الإيراني لبقية الشرق الأوسط والعالم؟»، شارك في إعداده نخبة من خبراء المجلس: نيكولاس هوبتون، شالوم ليبنر، نيكولاس بلانفورد، فيكتوريا جيه. تايلور، جون ويلكس، مايكل كوغلمان، مارك إن. كاتز، وميلاني هارت. يستعرض التقرير التداعيات الإقليمية والدولية لمذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، التي يُتوقع أن تعيد فتح مضيق هرمز وتثبت وقف إطلاق النار المبرم قبل سبعين يومًا، مع التركيز على دول الخليج وإسرائيل ولبنان والعراق وسوريا وباكستان وروسيا والصين. وتخلص مساهمات الخبراء إلى أن الاتفاق قد يخفف بعض الخسائر الاقتصادية والأمنية الفورية، لكنه لا ينهي التنافس الإقليمي، ولا يعالج تلقائيًا الملفات النووية والصاروخية ونفوذ إيران عبر حلفائها.

يرى نيكولاس هوبتون أن دول الخليج كانت من أكبر الخاسرين من الحرب، بعدما تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعطلت صادراتها من النفط والغاز، وسقطت بينها إصابات ووفيات. كما خُفضت توقعات النمو الاقتصادي، وارتفع التضخم، وتضررت الثقة بالنموذج الاقتصادي الخليجي، وتراجعت أعداد بعض العمالة الوافدة والسياح. وفي حالة منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر، قد يستغرق إصلاح الأضرار سنوات.

ورغم تباين مواقف دول مجلس التعاون في بداية الحرب بين رفض واضح من عُمان وقطر ومواقف أكثر غموضًا من السعودية والإمارات، يرى هوبتون أن الفجوات بينها تقلصت قبيل توقيع الاتفاق. غير أن العودة الفورية إلى الوضع الطبيعي تبدو مستبعدة، لأن الثقة بموثوقية واشنطن حليفًا أمنيًا تراجعت، مع بقاء دول الخليج معتمدة على الوجود العسكري الأمريكي لحمايتها.

كما لا يتوقع التقرير أن تعطي دول المجلس الأولوية لتوسيع اتفاقيات أبراهام، رغم مطالبة الرئيس دونالد ترامب بذلك، إذ تنظر هذه الدول إلى الحكومة الإسرائيلية بوصفها طرفًا قد يسعى إلى تقويض الاتفاق وإعادة إشعال المواجهة. والأرجح، وفق هوبتون، أن تدعم دول الخليج اتفاقًا طويل الأمد يعالج البرنامج النووي الإيراني ونشاط طهران عبر حلفائها، أي صيغة أوسع من الاتفاق النووي السابق. وقد تقبل هذه الدول ترتيبات جديدة للمرور في مضيق هرمز إذا كانت ضرورية لمنع إغلاقه مستقبلًا.

دول الخليج.. بين تراجع الثقة بواشنطن والانفتاح الحذر على طهران

يرى نيكولاس هوبتون أن دول الخليج كانت من أكبر الخاسرين من الحرب مع إيران، بعدما تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعطلت صادراتها من النفط والغاز، وسقطت إصابات ووفيات، فضلًا عن خفض توقعات النمو وارتفاع التضخم وتراجع الثقة بالنموذج الاقتصادي الخليجي. وقد لحقت أضرار كبيرة ببعض البنى التحتية الحيوية، مثل منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر، ما قد يستغرق سنوات لمعالجته.

ورغم تباين مواقف دول مجلس التعاون في بداية الحرب، بين رفض واضح من عُمان وقطر ومواقف أكثر التباسًا من السعودية والإمارات، فإن الفجوات بينها تقلصت قبيل توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني. ومع ذلك، لا يتوقع هوبتون عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي، إذ تراجعت الثقة بموثوقية واشنطن حليفًا، مع بقاء دول الخليج معتمدة على الوجود العسكري الأمريكي لضمان أمنها.

كما يستبعد أن تجعل دول الخليج توسيع اتفاقيات أبراهام أولوية في ظل حكومة إسرائيلية يُنظر إليها باعتبارها راغبة في تقويض الاتفاق وإعادة التصعيد. والأرجح أن تدعم دول المجلس اتفاقًا أوسع وطويل الأمد يعالج البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران عبر حلفائها، وقد تقبل ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق هرمز إذا كانت ضرورية لمنع إغلاقه مستقبلًا.

وفي المحصلة، لا تبدو دول الخليج مستعدة لبناء تحالفات وثيقة مع طهران، لكنها مرشحة لزيادة الانخراط الدبلوماسي معها بهدف تقليل خطر اندلاع حرب جديدة.

إسرائيل: الاتفاق بوصفه خسارة استراتيجية

يقدم شالوم ليبنر تقييمًا حادًا، مؤكدًا أن الرأي السائد داخل إسرائيل هو أنها خسرت الحرب الأمريكية الإيرانية، وأن نسبة مؤيدي اتفاق ترامب مع طهران لا تتجاوز 18%. ويعزو ذلك إلى أن رغبة ترامب في إنهاء الحرب سريعًا والتوصل إلى تسوية لم تتطابق مع موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرافض للتعايش مع النظام الإيراني.

ويرى ليبنر أن مذكرة التفاهم تبدو، من وجهة النظر الإسرائيلية، شديدة القصور. فباستثناء موافقة إيران على استعادة الملاحة في مضيق هرمز، لم تقدم طهران تنازلًا ملموسًا مقابل تعهد ترامب بخفض الوجود العسكري الأمريكي. كما يكتفي الاتفاق بوعود عامة بشأن البرنامج النووي، من دون تحديد آليات تمنع إيران من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، ولا يعالج ترسانتها من الصواريخ الباليستية أو دعمها للجماعات المسلحة.

وتخشى إسرائيل أيضًا من أن يمنح الاتفاق النظام الإيراني شرعية متجددة وأصولًا مالية قد يستخدمها في تطوير قدراته الهجومية والدفاعية. أما على مستوى العلاقات مع واشنطن، فيشير التقرير إلى أن ترامب رفض مشاركة النص الأولي مع نتنياهو، ووجّه انتقادات قاسية إلى تقديراته، في الوقت الذي وصف فيه المفاوضين الإيرانيين بأنهم عقلانيون ولطفاء في التعامل. وقد حذر ترامب نتنياهو من احتمال أن يجد نفسه وحيدًا قريبًا، بينما ألمح الأخير بدوره إلى أن إسرائيل قد تضطر إلى مواجهة إيران منفردة.

لبنان: غموض أكبر وحزب الله أشد تمسكًا بالسلاح

يصف نيكولاس بلانفورد الموقف في لبنان بأنه مزيج من الارتباك وعدم اليقين. فالتسريبات عن بنود الاتفاق تشير إلى انتهاء الحرب في لبنان، لكنها لا تتضمن نصًا صريحًا على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وبينما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران تعتقد أن الاتفاق يشمل الانسحاب، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى.

وقد أوقف حزب الله هجماته مؤقتًا، وحاول عشرات الآلاف من النازحين العودة إلى الجنوب، لكن إسرائيل واصلت القصف والتحليق بالطائرات المسيّرة فوق بيروت. ويرى بلانفورد أن الحزب خرج من الحرب أكثر تشددًا وأكثر خضوعًا للسيطرة الإيرانية من أي وقت مضى، كما ازداد تمسكه بسلاحه بعد أن أعادت السيطرة الإسرائيلية على مناطق جنوبية إحياء رواية «المقاومة».

ويواجه لبنان بذلك تحديًا مزدوجًا: حكومة تسعى إلى نزع سلاح الحزب ومواصلة محادثات مباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن، وحزب قد يسعى إلى إسقاط الحكومة واستبدالها بأخرى تتخلى عن مشروع نزع السلاح. ويخلص بلانفورد إلى أن الوضع اللبناني بلغ درجة غير مسبوقة من الفوضى وعدم قابلية النتائج للتوقع.

العراق: متنفس اقتصادي ونفوذ إيراني مستمر

ترى فيكتوريا جيه. تايلور أن العراق كان من أكبر الخاسرين، بعدما تعرض لضربات من أطراف متعددة واقترب من أزمة اقتصادية حادة. وقد أقر وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بأن استمرار إغلاق مضيق هرمز كان سيمنع الحكومة من دفع رواتب يوليو. لذلك يمثل فتح المضيق شريان حياة اقتصاديًا للعراق، الذي يعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيرادات الدولة.

لكن نهاية الحرب لم تُضعف النفوذ الإيراني داخل العراق. فقد أظهرت الفصائل المدعومة من طهران قدرتها العسكرية والسياسية، وأسقطت عمليًا آمال رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في ولاية ثانية. وسيواجه رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي مهمة شديدة التعقيد في موازنة علاقته بين الولايات المتحدة، التي تريد الحد من النفوذ الإيراني، وطهران التي ستسعى إلى حماية أحد أهم مواقع نفوذها الإقليمي.

سوريا: فرص اقتصادية ومخاطر إسرائيلية

يرى جون ويلكس أن سوريا تضررت بدرجة محدودة من الحرب، وقد تستفيد من تحولها إلى مسار بديل لنقل النفط والغاز إلى البحر المتوسط، خصوصًا للدول الساعية إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز. وقد بدأ العراق بالفعل نقل النفط بالشاحنات عبر الأراضي السورية، وقد يزداد الاهتمام بإعادة تأهيل شبكات الأنابيب العابرة لسوريا.

لكن هذه الفرصة تظل مرتبطة بالموقف الإسرائيلي. فإذا قلصت إسرائيل وجودها العسكري في لبنان وسوريا، فقد ينشأ مجال لاتفاق أمني سوري إسرائيلي. أما إذا واصلت عملياتها على الأراضي السورية، مع بقاء دمشق خارج أحكام مذكرة التفاهم، فقد تظل إسرائيل عاملًا مزعزعًا للاستقرار.

باكستان: مكاسب استراتيجية ومخاطر داخلية

يصف مايكل كوغلمان باكستان بأنها من أكبر المستفيدين من الاتفاق. فقد كانت معرضة لتداعيات الحرب بسبب حدودها الطويلة مع إيران، ووجود ثاني أكبر تجمع سكاني شيعي في العالم، واعتمادها على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، ووجود ملايين الباكستانيين العاملين في الخليج.

كما عزز دورها في الوساطة مكانتها الدولية، وأفشل محاولات هندية لعزلها، ورفع نفوذها في الشرق الأوسط، وحسن صورتها من دولة مرتبطة بالإرهاب والأزمات الاقتصادية إلى طرف دبلوماسي مؤثر. لكن كوغلمان يحذر من جانب داخلي سلبي، إذ قد تشجع الإشادة الدولية القيادة المدنية والعسكرية على توسيع القمع الداخلي، اعتمادًا على توقع غياب الضغوط الخارجية.

روسيا: مكاسب وخسائر متوازية

يقدم مارك إن. كاتز تقييمًا مختلطًا لتداعيات الاتفاق على روسيا. فقد استفادت موسكو من ارتفاع أسعار النفط خلال إغلاق مضيق هرمز، ومن تخفيف إدارة ترامب بعض العقوبات على مبيعات النفط الروسية لمنع مزيد من ارتفاع الأسعار. لكن الإعلان عن الاتفاق أدى إلى انخفاض الأسعار، ما قلص عائداتها.

كما أن انتهاء الحرب قد يعيد اهتمام الحكومات الغربية إلى الحرب في أوكرانيا، بعد أن شتتت أزمة الخليج أنظارها. ومن جهة أخرى، دفعت الهجمات الإيرانية عددًا من الدول العربية إلى طلب دعم أوكراني في الدفاع الجوي، وهو ما منح هذه الدول مصلحة إضافية في بقاء أوكرانيا. وإذا توقف التصعيد الإيراني، فقد تتراجع هذه الشراكات، وهو تطور يخدم المصالح الروسية.

الصين: المستفيد الأكبر بلا تكلفة عسكرية

ترى ميلاني هارت أن الصين كانت أكثر قدرة من معظم الدول على تحمل الأزمة، لأن النفط والغاز يشكلان أقل من ثلث استهلاكها للطاقة، بينما لا يزال الفحم مصدرها الرئيس، إلى جانب امتلاكها مخزونات نفطية ضخمة.

وتفضل بكين بالطبع فتح مضيق هرمز، لكنها لم تصل إلى مرحلة ألم اقتصادي مباشر. وقد ركزت على منع اضطراب الاقتصاد العالمي، لأن تراجع اقتصادات الدول المستوردة للنفط يضر في النهاية بالطلب على الصادرات الصينية. وساهمت في استقرار السوق بتقليل وارداتها وترك إمدادات أكبر متاحة لبقية الدول.

وترى هارت أن الاتفاق يمثل مكسبًا واضحًا للصين اقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا. فهو يسهل حصولها على الطاقة، وقد يمنحها أسعار عبور تفضيلية إذا فرضت إيران رسومًا مستقبلًا على السفن. كما أظهر، في نظر بكين، حدود القوة الأمريكية، بعدما أنفقت واشنطن مليارات الدولارات، واستنزفت مخزوناتها العسكرية، وحولت موارد من آسيا والمحيط الهادئ، ثم عادت إلى وضع قريب من نقطة البداية.

ويخلص التقرير إلى أن الاتفاق قد يجعل الصين المستفيد الأكبر، حتى مقارنة بالولايات المتحدة وإيران، لأنها حققت مكاسب من دون إنفاق عسكري أو استنزاف احتياطياتها.

في المحصلة، يقدم التقرير الاتفاق بوصفه هدنة تعيد ترتيب الخسائر والمكاسب أكثر مما تحسم الصراع. فدول الخليج تحصل على فرصة لالتقاط الأنفاس، وإسرائيل ترى فيه هزيمة، ولبنان يدخل مرحلة أشد غموضًا، والعراق ينال إنقاذًا اقتصاديًا من دون التحرر من النفوذ الإيراني، وسوريا تكتسب فرصة عبور استراتيجية، وباكستان تعزز مكانتها، فيما تتلقى روسيا نتائج متباينة وتخرج الصين بمكاسب واسعة ومنخفضة التكلفة.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم ماذا بعد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

ما بعد حرب إيران: إلى أين يتجه الشرق الأوسط والعالم؟

يستعرض ملف غلاف مجلة Prospect التداعيات المحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من…